بالإضافة إلى التناقضات السورية الداخلية، وإلى تلك القائمة في صراعات المنطقة والعالم، يمكن القول إن التناقض الأميركي الروسي، بشأن الأزمة السورية، هو الذي لعب الدور الأساسي في إطالة أمد هذه الأزمة إلى ما يزيد، حتى الآن، على الخمس سنوات ونصف السنة. لا يلغي ذلك ما حصل، في مجرى تلك الأزمة، من تنسيق بين الطرفين حول بعض العناوين أو الملفات ومنها الملف النووي السوري...

منذ استعادت القيادة الروسية الإمساك بزمام السلطة في أكبر بلدان العالم مساحة (ثمن العالم)، بعد مواجهة واحتواء المافيا الروسية المشجعة أميركياً والبالغة الجموح (لجهة قذارة الأساليب وضخامة النهب)، وهي تواصل محاولة تعزيز دور روسيا على المستوى الدولي. في أساس تلك السياسة مصالح النخب السياسية والاقتصادية للنظام الروسي الجديد. وفي «روحها» التعبوية العزف على الوتر القومي الذي كان حاضراً دائماً في التراث الفكري والإبداعي لذلك البلد العظيم (الذي حاول «بطرس الأكبر» وكاترين الثانية مصالحة ثقافات الغرب والشرق في حضارته، واختبر لينين ورفاقه، فيه، أهم تجربة تغيير جذري في التاريخ في شروط موضوعية وذاتية غير ناضجة أو غير ملائمة).
استغرق الوضع الانتقالي في روسيا التي وقع انقلاب على نظامها الاشتراكي المأزوم عام 1990، حوالى دزينة من السنوات. في هذه الأثناء كانت الولايات المتحدة الأميركية تحاول إحكام قبضتها على العالم وسط تناقضات اجتماعية تزداد حدّة، وتوسعٍ للنزاعات والصراعات يزداد ضراوة. لم يصبح العالم أفضل بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومته، كما كانت تدعي واشنطن. الولايات المتحدة، كقوة محورية لسطوة الهيمنة الرأسمالية، قد باتت أكثر ثقة واغتراراً بزعامتها المنفردة وشبه المطلقة في العالم.
مشروع «الشرق الأوسط الواسع» (الذي كان مشروعاً للعالم وليس للشرق الأوسط فحسب) رفع، بسرعة، منسوب التباين الأميركي الروسي. من أفغانستان إلى العراق، أشهرت روسيا فلاديمير بوتين اعتراضاتها على «تفرد دولة واحدة بقيادة العالم» وعلى «تجاوز الشرعية الدولية» وعلى «محاولة تغيير الأنظمة بالقوة الخارجية»... روسيا نفسها واجهت محاولات أميركية مباشرة لمنعها من بناء سلطة مركزية فاعلة تلملم البلاد وتحتوي الفلتان الأمني والاقتصادي والسياسي المافيوي.
اختار «المحافظون الجدد»، بوقاحة، في ظل إدارة بوش الثاني، نهجاً يقوم على وضع القوة في خدمة السياسات الأميركية حيال العالم بأسره. جاهروا بأن لديهم قدرة «غير قابلة للتحدي» (استراتيجية الأمن القومي لعام 2002). أعلنوا نيتهم خوض حروب وقائية استباقية. مارسوا احتقاراً استفزازياً لمؤسسات الشرعية الدولية. عزلوا حلفاءهم الأوروبيين وتعاملوا معهم بسخرية بوصفهم رموزاً لعالم «هرم» لم يعد ذا فائدة للعصر الأميركي المنتصر...
شعرت القيادة الروسية، التي كان بوتين رمزها ومحركها الأساسي، بالإهانة التي تتكرر يوماً بعد يوم وأزمة بعد أزمة. ليس نظام روسيا الاشتراكي فقط هو ما كانت تستهدفه واشنطن. تبيّن أنها تستهدف روسيا نفسها، خصوصاً وحدة تلك البلاد الشاسعة ومصالح وكرامة شعب وأمة مفعمين بالحيوية والريادة والتضحيات (إنقاذ البشرية من الوحش النازي والفاشي في الحرب الكونية الثانية، غزو الفضاء، إلهام ودعم حركات التحرر...).
بعد حقبة احتلال أفغانستان والعراق، من قبل واشنطن، كان السعي لتطويق وحصار روسيا وعزلها عبر المعاهدات والأحلاف وأنظمة الصواريخ... وجاء «الربيع العربي» ليشكل محطة استفزاز، استخدمت فيها واشنطن حلفاءها وأتباعها وأساليب جديدة: من أجل مواصلة نفس نهج التدخل والهيمنة، بوسائط مختلفة وبكلفة أقل. هي عانت من فشل التدخل العسكري وأكلافه الباهظة سياسياً وعسكرياً وبشرياً واقتصادياً (من نتائجه الأزمة المالية المخيفة في أواخر عام 2008).
في المقابل استكملت القيادة الروسية عدة الاعتراض: توطيد السلطة الدولة. إضعاف المعارضة المدعومة من واشنطن. إحراز نجاحات كبيرة في حقول الصناعات الحربية. تحسين الوضع الاقتصادي بالاستفادة خصوصاً من ثروات البلاد الهائلة في مجال الطاقة والمعادن (روسيا صاحبة أكبر احتياطي في العالم). اعتماد مرونة أكبر حيال المعارضين وتوسع نسبي في مجال الحريات وممارسة الديمقراطية. تعزيز علاقاتها وتحالفاتها الدولية... استناداً إلى ذلك، وبعد مناورات سياسية أميركية وأوروبية وتدخل عسكري في ليبيا ضد سلطة القذافي، قرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منع تكرار السيناريو الليبي في سوريا. أعلن ذلك في خطب مباشرة، وفي اتصالات وعلاقات: خصوصاً مع السلطة السورية. هاله أن يجري استخدام متطرفين إرهابيين في سوريا دون تقدير للمخاطر المترتبة على ذلك عالمياً. قرر أنه يجب أن يخوض الحرب في سوريا لكي يتصدى للعبث الأميركي بمصائر بلدان كبيرة وصغيرة: منها روسيا نفسها. قال رئيس وزرائه مدفيدف: «نقاتل الإرهابيين في سوريا لكي لا نضطر إلى قتالهم في روسيا نفسها».
ما بين سعي روسيا إلى استعادة دورها ونفوذها الدوليين، بما يخدم ويرسِّخ سلطتها الداخلية أيضاً، كانت الأزمة السورية المكان «المثالي» الذي يتوقف عليه النجاح أو الفشل الروسي. لم تعد الحرب في سوريا وسيلة لإسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، بل باتت أداة لإسقاط الطموح والنظام الروسي على حدٍ سواء. هذا أحد أكبر أسباب تعقد الأزمة السورية. أما السبب الأساسي فقائم في صلب السياسات الأميركية التي أرادت، من خلال الأزمة السورية، تحقيق أهداف استراتيجية دولية عامة، وتسديد فواتير إقليمية (لحلفائها العرب والأتراك)، وتقديم دعم جديد وفعّال للعدو الصهيوني.
من عوامل تصعيد وتمديد وتعقيد الأزمة السورية أيضاً، الموقفان السعودي والتركي. الأول من خلال التدخل السياسي والمالي. الثاني من خلال التدخل المباشر، وصولاً إلى التدخل العسكري الاستفزازي المفتوح حالياً في كل من سوريا والعراق: على أهداف داخلية تركية (ما يتعلق بالأزمة الكردية وبتوسيع «صلاحيات» الرئيس التركي)، وعلى أخرى إقليمية تستعيد صورة مرتبكة لأقوياء سلاطنة بني عثمان ولو بصيغ حديثة!
لا ينبغي أبداً إسقاط العوامل الداخلية في تأزم الوضع السوري. تجاهل المطالب الشعبية المحقة في إشاعة حق التعبير والتنظيم والاختيار، من قبل السلطة الحاكمة، هي أمور، وإن تراجعت بتقدم العسكرة ودور المتطرفين، إلا أنها عوامل كانت كبيرة التأثير في البدايات. معروف أيضاً أنه جرى استخدام هذه المطالب ككلمة حق يرد بها النيل من سلطة لم تعتد سوى الجنوح نحو الحلول الأمنية لمنع التغيير ولو في حدوده الدنيا.
أرض سوريا باتت، منذ سنوات، مختبراً دولياً مخيفاً لحروب ذات أبعاد دولية وإقليمية ومحلية. على امتداد خريطتها وفي سمائها تتحرك وتتناقض جملة حسابات وجيوش وقوى وتيارات... هذا جعل أزمتها بالغة الخطورة وشبه مستعصية. هناك يحدث منذ سنوات قتل ودمار هائلان. حضارة هذا البلد، التي تعود إلى أكثر من ستة آلاف سنة، تُدمّر بدون رحمة. الأزمة السورية التي أدت إلى أكبر موجة نزوح في التاريخ الحديث، مرشحة لتوليد مخاطر أفدح: احتمال الصدام المباشر بين دول كبرى، واحتمال استخدام أسلحة فتك شامل من قبل إرهابيين يتحركون بدافعي الشبهة والتخلف!
الشعب السوري هو الأكثر تضرراً بأشكال تزداد مأساوية. لكن الأزمة السورية تهدد، بمخاطر عديدة وغير متوقعة، العالم بأسره!
* كاتب وسياسي لبناني