هناك توتر في العلاقات المصرية ــ السعودية بحاجة إلى أن نراقب تفاعلاته كي نعرف إذا كانت هذه العلاقة سائرة باتجاه مزيد من الشحن ولاحقاً الانفجار، أو قابلة للهمود والاستكانة. مؤخراً ظهر إلى العلن ما اعتمل على مدى أشهر في جرح العلاقات بينهما، والذي لم ينجح خيّاطوه منذ أيام حرب اليمن في ستينيات القرن الماضي بين الرئيس جمال عبد الناصر والسعوديين في إبرائه، وتمّ نزع فتيل الاحتقان وإغلاقه على تناقضات قومية ودينية وسياسية على الأدوار والمواقع.

لسان حال مصر اليوم يتلخص في "تزاحم سحب مثيرة للريبة والشكوك في وجود رغبة لفرض حصار اقتصادي على مصر لأسباب باتت معلومة، فالاختلاف مع مصر في بعض القضايا الإقليمية لا يعني إشهار سيف الخصومة أو الشروع في ممارسات هدفها هزّ كيان الدولة المصرية ومحاولة تصدير صورة أننا يمكننا أن نذل هذا البلد لأنه يخالف توجهاتنا"(1). فيما لسان حال السعودية يقول: "إشكال مصر اليوم أنها ما زالت تعيش أوهام قيادة العالم العربي، وأنه لا أحد يستحق هذه القيادة سواها، والمعضلة الكبرى هنا أن مصر لا تبدو مهيأة لا سياسياً ولا اقتصادياً للقيادة، وخلاف ذلك فإن تركيبتها الداخلية لم تتمكن من مواءمة متطلبات شعبها، لذلك فهي غير موجودة أصلاً في القضايا العربية، حتى في الدول التي تقع على حدودها تجدها مغيبة بالكامل، فكيف بالدول الأبعد؟!" (2).
السؤال الآن: لماذا هذا التوتر بين البلدين في هذا الوقت، وقد كان نظام حسني مبارك لقرابة 30 عاماً على الدوام ينسق مواقف مصر مع السعودية؟ قبل الإجابة، لا بدّ من القول إنّ التمنّع المصري عن الانخراط في قضايا المنطقة لمصلحة التيار السعودي المواجه لإيران وتيار المقاومة والممانعة في المنطقة، مثار تعجبٍ سعوديٍّ، فمن يرغب بعلاقات "دافئة" مع تل أبيب وهو الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لا تراه يسعى لمواءمة رغبته تلك في سوريا أو اليمن ومع الحلف الجديد السعودي الإسرائيلي الأميركي. بل إنّ النظام المصري يترك الحبل ممدوداً ومرخى من جانبه مع السعودية، فإنّ شدّته الرياض شدّته القاهرة وإنّ أرخته الرياض انصرفت القاهرة إلى أمورها الخاصة مديرة ظهرها، ليتبيّن أنّ مصر لديها حسابات أخرى:

القاهرة تحسبت لاحتمال توقف الرياض عن تزويدها بالإمدادات النفطية

فالقاهرة تحسبت مسبقاً لاحتمال توقف الرياض عن تزويدها بالإمدادات النفطية، وأجرت عقوداً احتياطية مع عدة موردين تزامناً مع توقيع الاتفاق مع آرامكو السعودية أوائل نيسان الماضي، وبعد وقفها هدّدت بأنّ إيران والكويت قد تكون في عداد قائمة الموردين للمشتقات النفطية إلى مصر، وما لبثت قليلاً حتى وقّعت مع الإمارات عقوداً شبيهة بتلك الموقعة مع شركة آرامكو للمشتقات النفطية من حيث التسهيلات...
"قصة" جزيرتي تيران وصنافير أيضاً لم تنتهِ في تمثيلية المحاكم.
قناة المنار التي أنزلت من على "القمر" قبل زيارة الملك سلمان التاريخية إلى القاهرة التي أرست "التحالف المصري السعودي" في إبريل/ نيسان الماضي يمكن أن تصعد عليه ثاني.
جسر الملك سلمان بين البلدين لم يتحقق منه شيء وأصلاً المصريون سيحرصون على عدم تمركز السعوديين في الجزيرتين التي يعتزمون، وفق ضابط الاستخبارات السعودي السابق أنور عشقي ومنسق الاتصالات مع الصهاينة، إشراك الإسرائيليين في عمرانها وجعلها منطقة مفتوحة أمامهم تحت السيادة السعودية… ولعل التمهل المصري في بناء الجسر مرده، إضافة إلى استكمال حسم هوية الجزيرتين، الخوف من سهولة سيلان "المد الدعوي" السلفي إلى الصعيد المصري وناسه الطيبين المتقبلين بالفطرة الحديث الديني، حيث القبضة الأمنية المصرية تخف عن مثيلتها في العاصمة والمدن الكبرى، وهو أمر يراه النظام المصري وجع رأس إضافي بالغنى عنه.
هذا بخصوص "الحبل"، أمّا إذا نظرنا إلى "العصا" فنرى مثلاً عدم لقاء الرئيس السيسي مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن نايف أثناء تواجدهما على رأس وفديهما في اجتماعات الأمم المتحدة الشهر الماضي، فيما التقى وزير خارجيته سامح شكري مع نظيره الإيراني جواد ظريف. وقد عبّر مسؤول سعودي سابق عن المواقف المصرية وميلها للمواقف الإيرانية والروسية في سوريا بالقول إنّ القيادة السعودية "صُعقت بالانفتاح المصري المتسارع تجاه خصمها الإيراني"، وبأنها "طعنة في الظهر بعد حزمة المساعدات المالية الضخمة التي ضختها في الخزانة المصرية المفلسة" (3).
وقبل أيام صوّتت مصر في مجلس الأمن لصالح مشروع قرار تدعمه السعودية بخصوص حلب السورية وبعدها بساعة صوّتت لمشروع قرار روسي بشأن حلب أيضاً بالإيجاب، بحجة أنّ المشروعين كليهما يتضمنان حرصاً على أرواح المدنيين ويطلبان وقفاً لإطلاق النار وَيتّفقان مع التوجهات المصرية. وقد قرأ المندوب السعودي الموقف المصري ووصفه بـ"المؤلم" متحسّراً أنّ السنغال أقرب إلى الموقف العربي من موقف مصر. إنّ محاولة تفسير الازدواج المصري في تصويتها تشير إلى أنّ التصويت الأول غير حقيقي ليقين القاهرة أنّ روسيا سوف تجهضه بالفيتو، والتصويت الثاني هو الموقف الحقيقي للقاهرة من الأزمة السورية "الداعم" بالنتيجة للموقف الروسي والإيراني والنظام السوري، إذ كان بإمكان مندوب مصر في مجلس الأمن ـ وهي عضو فيه ـ عمرو أبو العطا الامتناع عن التصويت بحجة تصويتها على مشروع القرار الأول.
لقد شاركت مصر في مؤتمر غروزني الذي رعته بالأصالة روسيا الاتحادية وعقد في الشيشان لتحديد "من هم أهل السنة والجماعة"، بوفد من أربع شخصيات دينية رسمية ثقيلة على رأسها شيخ الأزهر أحمد الطيب والمقرب جداً من الرئيس السيسي والمكلف بترتيب الاتصال بالجماعات والفصائل الإسلامية الشيخ أسامة الأزهري، وقد أخرج الطيب الوهابية والسلفية من دائرة أهل السنة والجماعة.
الكواليس أيضاً تشهد على "وذمات" مصرية ـ سعودية تضغط على جرح العلاقة، حيث تنقل أحاديث عن تعمّد الرئيس السيسي اصطحاب الرئيس عمر حسن البشير إلى العرض العسكري بمناسبة احتفالات أكتوبر لمدة ساعات، واستعراض أسلحة مصرية جديدة للمرة الأولى وتحليق الطائرات الحربية فوق رأسيهما، بهدف التخفيف من انجراره وراء الطلبات السعودية ومحاولة الضغط في قضية مثلث حلايب وشلاتين الحدودي، والتأكيد أنّ اللعب في الشأن المصري ممنوع وأنّ مصر جاهزة لأي احتكاك عسكري في حلايب وغير حلايب. ولا يستبعد في هذا السياق، أنّ تكون السعودية وراء الاتهامات الرسمية من الرئيس والحكومة الأثيوبية بضلوع مجموعات مصرية بتدريب وتمويل مجموعات مسؤولة عن موجة من الاحتجاجات والعنف في مناطق محيطة بالعاصمة أديس أبابا.
ويمكن تعداد العشرات من المواقف المصرية تجاه السعودية التي تربك الرياض وتجعلها حائرة، ما حداها باستدعاء سفيرها الممتاز في القاهرة أحمد القطان لمناقشة العلاقات المصرية السعودية والترتيب لزيارة وفد مصري رفيع المستوى لبحث العلاقات الثنائيّة و"توحيد الموقف العربي حول مشروع قرار تتبناه السعودية حول الأزمة السورية سيتم عرضه على مجلس الأمن خلال أيام" (4) مخافة أن تتكرر "مهزلة" التصويت المزدوج كما عبّر المندوب السعودي، والتي وصفتها جريدة الحياة السعودية متهكمة على القاهرة بـ"مدرسة جديدة في السياسة".
وللإجابة عن سؤال توقيت التوتر الآن، يمكن لِحاظ أولويات مصرية وسعودية غير متفقتان، وسلوك دبلوماسي وسياسي يتسم بالتكتيك، وغير ناظر لاشتراك البلدين في مصالح واحدة في الإقليم:
1ـ الحكم المصري الجديد بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي كان يجامل النظام السعودي للاستفادة القصوى من الدعم الذي يقدمه لمصر من مشتقات نفطية وودائع مالية واستثمارات متواضعة، الاقتصاد المصري بأمس الحاجة إليها...
2ـ التقاطعات التي حصلت منذ الربيع العربي عام 2011 بين البلدين في مصالح مصر والسعودية لم تكن حقيقية فلكل بلد وجهة نظره في أحداث وقضايا المنطقة في سوريا وليبيا واليمن ولبنان والعراق وتونس، وحتى بعض دول الخليج المحسوبة تاريخياً على السعودية لها مصالح خارجية متقاطعة مع مصر توجع رأس المملكة من حين لآخر مثل الإمارات العربية المتحدة.
3 ـ جدية الحكم المصري في محاربة التطرف والإرهاب ورفع الموضوع إلى منزلة القضية على المستوى الإقليمي والعالمي. فلا يخلو لقاء للرئيس السيسي مع مسؤول عربي أو أجنبي إلا وكانت قضية مكافحة الإرهاب على المستويين الفكري والميداني حاضرة، ولا يخلو تصريح لوزير الخارجية سامح شكري من التطرق إلى دور مصر في دعم شعوب المنطقة وسعيها لتخليصها من وباء التطرف. وهو دور حقيقي تقوم به مصر وتترجمه مواقف سياسية وعسكرية تجاه أزمات المنطقة.
4ـ إنّ الأولوية لدى مصر تتجه إلى الشأن الليبي بعيداً عن أولويات السعودية المتمثلة بمواجهة إيران والتحالف مع إسرائيل. ويمكن أنّ تكون "الاستفاقة" المصرية تجاه ليبيا مردها المنافع والمصير المشترك والحدود الكبيرة بين البلدين والأصول الأفريقية والعربية المتداخلة بين القبائل المصرية والليبية (أكثر من عشرة ملايين مصري من أصول ليبية)، والموارد النفطية الهائلة التي تشكل بديلاً من النفط السعودي المجبول بالشبهة السياسية.

إنّ من دواعي الإعجاب تمكّن الحكم المصري من تأمين بديل عن النفط السعودي في نفس الوقت الذي كان فيه يفاوض شركة آرامكو السعودية على بيعها المشتقات النفطية، وتبيّن أنّها قامت بإجراء "اتفاق غير معلن مع موردين دوليين للمشتقات البترولية، بتكليف من الحكومة، بالتزامن مع توقيع الاتفاقية مع السعودية في أيّار الماضي" (5).
وقد صرّح رئيس الأركان العامة للجيش الليبي اللواء عبد الرازق الناظوري بعد عملية "البرق الخاطف" لتحرير أربعة موانئ نفطية واستعادتها من قوات حرس المنشآت بقيادة ابراهيم الجضران أنّ "بترولنا تحت أمر مصر وسنضخه للقاهرة يومياً… ولنا الفخر أن نسلم ليبيا لمصر" (6). ولأهمية النفط الليبي لمصر شارك سلاح الجو المصري في تأمين التغطية للعملية التي مكّنت لاحقاً من استئناف شحنات النفط وبيعه.
ولنا أنّ نتكهن بقدرات الجيش المصري المالية والاقتصادية وتمكنه من شراء "النفط المتسرّب" غير الشرعي نتيجة الصراعات في المنطقة، عبر المافيا النفطية، كما حصل إبان الحرب العراقية ـ الإيرانية.
لقد طالبت القاهرة وما زالت، المجتمع الدولي قبل غزو الناتو لليبيا وبعده، بضرورة وجود سلطات ليبية انتقالية تدير الوضع، وبرفع حظر توريد العتاد إلى الجيش الليبي، وبوضع اتفاق الصخيرات موضع التنفيذ. وقد كانت في الأشهر الماضية محط اجتماعات مكثفة ولعدة مرات، أجراها الرئيس السيسي ووزير الخارجية مع الأطراف الليبية ابتداء من رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج، وأعضاء من المجلس، مروراً برئيس المجلس النيابي عقيلة صالح، إلى أكثر من أربعين نائباً حضروا للقاهرة برئاسة النائب الأول لرئيس المجلس محمد شعيب، وطبعاً قائد الجيش الليبي خليفة حفتر الأداة الفعلية للنظام المصري في ليبيا.
فهل تكون الحاجة المصرية إلى استقرار ليبيا وانتظام شحن نفطه وغازه، سبباً في انفجار العلاقة السعودية المصرية؟ وهل المغامرة المصرية في الانفكاك من قبضة السعودي مع ما لذلك من تأثيرات سلبية على الاقتصاد الهش والمجتمع المصري، مأذونٌ بها ومخططٌ لها لمحاصرة السعودية واستباق عزمها الضغط على مصر انتقاماً من قانون "جاستا" الأميركي؟ هذا ما قد يجيب عن سؤال توقيت الاحتقان الآن بين الجارين.
* كاتب لبناني
هوامش:
1ـ جريدة الأهرام الناطقة باسم النظام المصري، مقالة لرئيس التحرير محمد عبد الهادي علام بعنوان: قراءة في أحداث أسبوع «صادمة» المصلحة المصرية... ومصالح الخارج، 13/10/2016
2ـ جريدة الحياة السعودية، مقالة لمساعد رئيس التحرير سعود الريس بعنوان: "التناقض المصري… بين الغاية والوسيلة"، 11/10/2016
3ـ جريدة رأي اليوم، الافتتاحية بتاريخ 12/10/2016
4ـ جريدة المصري اليوم: "خطة طوارئ أنقذت مصر من أزمة بترول السعودية"، 13/10/2016
5ـ المصدر السابق
6 ـ جريدة اليوم السابع: رئيس أركان الجيش الليبى لليوم السابع: بترولنا تحت أمر مصر وسنضخه للقاهرة يومياً، 15/10/2016