"الرئيس القوي" عبارة يتردّد صداها في كل مكان. جاذبيتُها تكمن في بساطتها ووضوح مطلبها، بحيث يمكن للجميع أن يتخذها شعاراً سياسياً للمرحلة. لكن رغم ذلك، ثمة التباسات كثيرة تحيط بهذه العبارة، وتجعل منها بؤرة تخيّلية لمعانٍ شتّى يصعبُ تظهيرها في صورة واحدة جلية. فهي إما أن يُحمل عليها ما ليس فيها، أو أن تُرفع هكذا بضربة واحدة الى مقام متوهم بعد أن يتم نزعها من سياقها التاريخي. وفي الحالتين، أخطاءٌ كبيرة تقع عن وعي أو عن غير وعي، كلما دار السّجال بين الأفرقاء اللبنانيين حول العهد الجديد: إمكاناته وآفاقه. يحتاج الأمر إذاً إلى رفع الالتباسات، وتخليص المعنى الحقيقي من ظلال المعاني الحافّة، وذلك بتفكيك العبارة المذكورة واستيضاح مشروطياتها ورهاناتها. ثمة أولاً فروقات دقيقة ينبغي إظهارها: "الرئيس القوي" لا يعني بالضرورة "العهد القوي"، ولا الأخير يعني بالضرورة أيضاً "لبنان القوي". مستويات عدة للقوة ينبغي لنا عدم الخلط بينها، تفصل بين كل عبارة وأختها: تاريخية وثقافية وحتى "تضحوية". والحق يقال، بمعزل عن أي اصطفافات محلية، إن العبارة الأخيرة (لبنان القوي) تسبق فعلياً كل عبارة أخرى ممكنة في القاموس السياسي اللبناني. وهي كذلك مذ أن سقطت بالأمس القريب مقولة شديدة التهافت تزعم أن "قوة لبنان في ضعفه"! أما اليوم، فلا مراء أن قوة لبنان ثابت هندسي في أي عمارة وطنية، جديرة بأن يَسكُن إليها الاجتماع اللبناني بكل تلاوينه أو تناقضاته حتى، وأن يحتمي بها في مواجهة أي عدوان خارجي داهم أو محتمل. ولنقلها بصراحة ومن دون أي مواربة، هكذا شهادة حيّة للتاريخ، إن لبنان صار قوياً، حصيناً وذا منعة، قبل أن يحظى اليوم بفرصة "الرئيس القوي". كان يكفي الرئيس أن يكون راعياً لما سمّي معادلة: "جيش، شعب ومقاومة" لكي يصبح قوياً، متدرّعاً بإنجازات ملموسة على الأرض، أقلّه بعيون الخارج وفي مواجهة تدخلاتهم ونفوذهم. مجرد التمثيل الطائفي وحده لم يكن آنذاك شرطاً تأسيسياً لنجاح معادلة كُتبت بالدم والدموع، وسواء أحضر اليوم أم غاب، على ما في ذلك من فرق طبعاً، فإنه ليس من شأن ذلك أن يغيّر جوهرياً في مضمون تلك المعادلة بلحاظ الاستراتيجية الدفاعية العامة التي كرّستها عملياً ووجدانياً (ولا تزال مثار جدل نظرياً)، في أعقاب التحرير عام ٢٠٠٠. وعليه، فإن المتاح هو توفير سقف أعلى للبنيان الوطني القائم حالياً على أرض صلبة، أو رفد المعادلة المذكورة بمتغيرات إضافية تمنحها حركيّة أكبر في ظل تحولات جيوسياسية غير مسبوقة في المنطقة ودول الجوار. بتعبير أكثر وضوحاً وحسماً: ينبغي للرئاسة القوية أن تبني نفسها على محصّلة القوة التي للبنان اليوم، بُغية استدماجها في خطابها الوطني والارتكاز إليها لصدّ كل إملاء خارجي. عن غير هذا الطريق، يتقهقر الرئيس القوي تدريجاً ليتحول في نهاية المطاف إلى مجرد "طرف قوي" من بين أطراف أخرى، محتفظاً مع ذلك بـ"قوة شعبية" ضاغطة، قد يصعب لاحقاً، في ظل استنزاف سياسي أكيد، التحكّم بمزاجها العام إزاء مزاجات متضاربة لمكوّنات طائفية أخرى. ماذا الآن عن عبارة "العهد القوي"؟ وكيف يكون كذلك؟ وتحت أي شروط؟ لا شك أن الرئيس القوي بالمعنى الذي وضحنا خطوطه العريضة، هو شرط ضروري، هذه المرة، لاستيلاد عهد رئاسي جديد، يتصف قولاً وعملاً، بالقوة والصلابة والقدرة على الصمود، على قاعدة الإصلاح والتغيير. أي القدرة على إعادة ترتيب البيت السياسي الداخلي، واستقطاب مكوّناته المختلفة نحو بؤرة تركيز عالية الجودة، اسمها الدولة بالمعنى المؤسسي الضابط لإيقاع الاجتماع اللبناني التعدّدي أو ما يوصف بالموزاييك الطائفي. مصداق الرئيس القوي المستند أساساً إلى "قوة لبنان" هو ما نطلق عليه جميعاً "العهد القوي"، آملين أن ينجح اليوم في مسعاه الاستقطابي، بعد أن يكون قد ضمن تحصين حدوده الخارجية، من أجل الالتفات نحو الساحة الداخلية ولمّ شعثها. فالناس تواقة إلى ما يُصلح حياتها التي أفسدتها "كوليرا الطائفية"، وجلّ مطالبها تصبّ في اتجاه مركزي واحد: الإصلاح ثم الإصلاح ثم الإصلاح، على قاعدة الفصل المنهجي الحتمي الذي فات الجمهورية طويلاً، وتسبّب بما تسبّب به، وصار لزاماً علينا إعادة اعتماده، أي فصل التحرير عن الإصلاح، واعتبارهما قضيتين مستقلتين لكل واحدة منهما مفاعيلها الخاصّة. المسائل الحياتية والمعيشية ينبغي لها أن تتصدر المشهد الجمهوري العام، وذلك بأن تتحصّل على أكبر هامش سياسي ممكن، حتى لو فرض ذلك تنازلات مرّة على جميع الأطراف السياسية.

من هنا، على متوالية القوة أن تبدأ، وتتصاعد، بما يجعل من العبارات الآنفة الذكر، سلسلة واحدة متصلة، تنبني فوق بعضها البعض، بما يمنحها تماسكاً وانسجاماً. بكلمة موجزة: من هنا يبدأ الرئيس القوي عهده.
*كاتب سياسي وصحافي