منذ قرن من الزمان والواقع يتجدد ويتقولب في الدائرة نفسها، كأن الأحداث والتحولات تحكمها ملزمة واحدة، هي بضع كلمات أطلقها وزير خارجية أعظم دولة في ذلك الوقت؛ بريطانيا العظمى، وبضع كلمات أخرى من ملك السعودية موافقاً، في ظل واقع عربي، كان ولا يزال، يملك كل القابلية للاستعمار، بل للاستحمار، فلا معالجات مالك بن نبيّ أنجبت في الأمة فكراً تجاوز قابلية الاستعمار، ولا محاضرات عليّ (شريعتي) القادمة نجدة للعرب نهضت بالأمة لتأبى الاستحمار.

عندما قرّر العرب في صدر القرن الماضي أن يثوروا على الظلم العثماني، لم يجدوا غير بريطانيا لتحتضن ثورتهم عبر لورنس العرب ورفاقه المستعربين، فأهدت بريطانيا لثورتهم العربية الكبرى، «حملاً غريباً» يحمل اسم واحد من أنبياء الله (يعقوب ــ إسرائيل)، ومعه كل قيم الغرب المادية وأعتى أسلحته مع خلاصة أحقاد التاريخ.
أما في صدر هذا القرن، فثار العرب على ظلم الحكام، فلم يجدوا غير أميركا العظمى عبر أدواتها الصغيرة والكبيرة في الخليج، للدفاع عن مظلوميتهم، فأهدت الولايات المتحدة لربيعهم العربي «حملاً متوحشاً» يحمل مسمى عزتهم في سالف الأزمان: الخلافة الإسلامية، وقد استجمعت كل دموية تاريخ الأمة المسنودة بفتاوى شيخ الإسلام، وصبّته دفعة واحدة في أحشائها، بما يعزّز مشروع المولود الأول في وعد صدر القرن الماضي.
ما بين صدري القرنين، لا يزال الواقع العربي يتحرّك بـ«براءة» تدفع إلى الجنون، في ظل إصرار غربي على توجيه كل مفردات هذا الواقع في وجهة كلمات بلفور القليلة نفسها، وبما يجسّد كامل حروفها في واقع يسترخي لها حدّ العبودية الطوعية.
منذ بلفور ــ 1917 والأمة ماضية بوفاء حادّ نحو كل ما يساعد على تنفيذ الوصية، كأنّ بلفور كان نبيّ العرب، لذا هم يستبسلون في حرفيّة تنفيذ وصيته: أن يظل الوطن القومي لليهود ينعم بكل سكينة وتنمية وتطور، وحوله أمة تحترق، ويهلك كثيرون من شبابها وهم يتسللون عبر حدودها للعمل كعبيد في مستوطناتها، بل يلوذ إليها ثوار «الربيع العربي» للعلاج في مشافيها.

منذ 1917 والأمة ماضية بوفاء حادّ لبلفور كأنّه كان نبيّ العرب

كانت بريطانيا لا تغيب عنها الشمس يوم أصدرت وعدها لليهود بوطن قوميّ على أطلال شعب عربيّ، وهو وعد تجاوز مجرد خدمة لليهود، ليكون دوراً لليهود في خدمة الغرب ومشاريعه في إدامة نهب ثروات الشعوب تحت عناوين إنسانية مفتعلة. ويؤكد ذلك أن بريطانيا صارت تغيب عنها الشمس، فجاءت أميركا لتغطي الشمس بشروقها وغروبها، وثابتها الأوحد في عالم العرب هو ديمومة إسرائيل كهدف، وديمومة السعودية كأداة للتنفيذ، وخاصة أن الأخيرة تمتلك مقومات الغنى الدنيوي ومقومات التراث الديني ومقومات العوار العلمي، فهل ثمة من يوازيها في القدرة على استنساخ تجربة تلو التجربة في (بلفرة) الزمن العربي؟
في ذكرى وعد بلفور، احتفلت بريطانيا مع اللوبي اليهودي على براءة ما أبدعوه على أطلالنا وأشلائنا، وقد تنبّهت السلطة الفلسطينية وسفاراتها في أوروبا أخيراً إلى أن ثمة ما يجب فعله في مواجهة احتفالات العالم المتجددة على أوجاعنا، وأن على بريطانيا أن تعالج كبيرتها التاريخية، لكن المطلب الفلسطيني لم يتجاوز سقف الوعد المشؤوم، فما على بريطانيا إلّا أن تعترف بدولة فلسطين لتكفّر عن خطيئتها التاريخية. لكن بريطانيا محكومة على الدوام بجرائرها، كأنها انعكاس لما أنتجته في غابر الزمن، فليس أمام الفلسطيني ومن لا يزال يعترف بمظلوميته من العرب، إلّا أن ينظر لبريطانيا كأن بلفور لا يزال يطرّز حروف وعده دون كلل، ولا وخز ضمير.
تفاعلات الحدث العربي، كما العالمي، تأبى أن تترك الفلسطيني لينظف جراحاته المتجددة، فهي لا تكتفي بعدم الانتصار لجرحه النازف أبد قرن منصرم، بل هي تأخذه في مآسيها، وتجرجره في مشاريعها، وتستخدمه في معضلاتها، بل تجعله باسم الدين ينتحر في شوارعها تكملة لمخططاتها.
انقسم الفلسطيني على نفسه، فصار الوطن الصغير أجزاءً أصغر، فلا غزة تعانق الضفة، ولا ضفة تأبه للقدس، ومخيمات تطلق النار الأعرج صوب أبنائها، وتفتح أزقتها لإعلام العدوّ يرتع في مآقيها، وأجهزة (أمن) تحارب الفوضى ولا فوضى إلّا من صنع كبارها... كل ذلك في حياض دولة لا يراها المحتل إلّا مصنعاً للكرتون يحرقه وقتما يشاء.
بعد قرن كامل على بلفور، لم تعد القدس عنواناً لوجع العرب، وقد جرى اختزالها في حلب والموصل، وفي سمفونية انتحار عربيّ ليس لها مثيل منذ بلفور حتى اليوم، وعبر انتصارات وهمية احتفل بها أهل السلف يوم سقطت الموصل في مخالب التنين، ويحتفل بها خصومهم تحت مظلة الأجنبي، في إقرار عجز عن الانتصار على الذات، لتتغير أشياء وأشياء، ويبقى الوعد يأخذ الجميع في دائرة الرحى.
وحدها بوصلة القدس النقية يمكنها أن تأخذ عقارب الساعة في عكس هزيع الريح، على أطلال الفتنة الدموية، وثغور القدس تفتح فاها من بوّابة فاطمة حتى القنيطرة، تستصرخ وعداً آخر رأت الأمة بعض تباشير صدقه، ولا يزال ينتظره الكثير.

* باحث فلسطيني