لقد استحوذ على حيِّز مهمّ من النقاش بشأن انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية في لبنان، موضوع أن هذا الانتخاب قد تمَّ، إلى حدٍ كبير، من قبل القوى السياسية اللبنانية. لا بأس من العودة الآن إلى هذا العنوان، ومن تلك الزاوية بالأساس، لتسليط الضوء على العوامل والآليات التي أعطت طابعاً داخلياً راجحاً لهذا الاستحقاق الذي كان، «تقليدياً»، صناعة خارجية بحتة: بتسليم وترحيب من قبل القوى السياسية اللبنانية نفسها!

ينبغي القول، بدءاً، إن ممارسات وبرامج وعلاقات القوى السياسية اللبنانية في تحالفَي 14 و8 آذار، لم تتغير على نحوٍ مقصود بما يجعلها مستقلة عن مرجعياتها الخارجية ومتحررة من وصاية هذه المرجعيات على قراراتها التي تتناول، في ما تتناول، مسائل ومواقع سيادية لبنانية. لم تبذل القوى المذكورة أي جهد في هذا الاتجاه. على العكس من ذلك، هي انتظرت، وانتظرت طويلاً، أن تأتيها «كلمة السر» من الخارج حسب العادة. استغرق هذا الانتظار أكثر من سنتين ونصف سنة. بل إن بعضها سعى، في السر والعلن، من أجل استدراج هذه المرجعية الخارجية أو تلك، إلى إبداء رأي أو إسداء نصيحة بشأن توجه أو اسم مرشح... إلا أنه تبيّن، في سياق الصراع العاصف الدائر بين هذه المرجعيات الإقليمية، أنها لا تعطي أي أولوية للوضع اللبناني.
هي منهمكة، حتى الاستغراق الكامل في ذلك الصراع، ما جعلها عاجزة عن التوصل إلى تفاهمات تولِّد، بدورها، تسويات بشأن الاستحقاق الرئاسي اللبناني، كما كانت تحصل الأمور غالباً. حتى في موضوع «التحييد» الذي جنَّب لبنان نزاعات داخلية كوارثية، فإن تقاطع مصالح خارجية متناقضة هو ما أدى إلى ذلك، وسمح للبنان بأن يبقى على ضفاف الأزمات الإقليمية من دون أن ينخرط فيها كلياً. وفَّر له ذلك حداً من الأمن والاستقرار النسبيين: ولو كانا هشّين ومعرضين لاهتزازات وتوترات في هذه المرحلة أو تلك.
بيد أن العامل الإقليمي العاجز، الآن، عن ممارسة دور مباشر في احتواء الأزمات اللبنانية، كما كان يحصل في السابق، لم يغب تماماً عن المشهد اللبناني حتى في حالة عجزه المديدة تلك. في هذا السياق، يمكن التأكيد أن انخراط قيادة المملكة العربية السعودية في حرب اليمن، وانخراط القيادة السورية في الحرب الداخلية الدائرة على مجمل التراب السوري (حربا اليمن وسوريا ذات طابع داخلي وإقليمي وخارجي)، مكَّن، فعلياً ــ ولو بشكل غير مباشر ــ من التوصل إلى تفاهم وإعلان مبادئ بين «القوات اللبنانية» و«التيار الوطني الحر».
لولا الانكفاء السوري والسعودي لما احتاج هذان الطرفان إلى هذا التفاهم، ولما رغبا فيه، ولما تمكنا من إنجازه! لقد شكل هذا التقارب عاملاً مهماً في حسم أولوية (أو حتى وحدانية) الترشيح المسيحي الذي لم يعد متأرجحاً ما بين «رباعي بكركي»: ميشال عون، أمين الجميل، سليمان فرنجية وسمير جعجع. انسحاب جعجع لمصلحة العماد ميشال عون (ولو تأثر بترشيح سعد الحريري لفرنجية) حسم بشأن جعل عون المرشح الأقوى للموقع الأول في البلاد. مع ذلك، لم يكن هذا الترشيح منّةً (هو أيضاً نجم عن تحولات ميزان القوى)، ولا كان حاسماً لإيصال عون إلى سدة الرئاسة. كان ينبغي انتظار تبلور المشهد السوري أكثر، من أجل جعل القبول بترشيح العماد عون من قبل سعد الحريري، ممكناً، بل حتى مفروضاً!
كانت المعطيات بشأن الصراع في سوريا قد بدأت بالتبلور بعد صمود قوى السلطة السورية في وجه محاولات إسقاطها مستندةً، خصوصاً، إلى دعم إيراني متعدد الوجوه، ومن ضمنه الدعم العسكري المميَّز الذي مارسه حزب الله. هذه المعطيات تبلورت وتأكدت أكثر بعد بروز خطر التيارات المتطرفة، وأبرزها «داعش» الذي استطاع اقتطاع مساحات واسعة ومتصلة في كل من العراق وسوريا، وأقام عليها، في أواسط عام 2014، «دولة الخلافة» الخاصة به. لقد بكَّر هذا التيار الإرهابي الجامح في تجاوز داعميه وفي ممارسة عمليات لم توفِّر أي مكان في العالم. وهي عمليات كانت، دائماً، متوحشة ومخيفة ودامية وممهدة لما هو أكبر وأخطر وأشمل.
في آخر أيلول من العام الماضي، عزَّز التدخل الروسي السريع والفعَّال والمصمِّم أرجحية السلطة الشرعية في سوريا. أدى ذلك إلى سحب مفردة إسقاطها أو سقوطها من التداول (باستثناء تهديدات سعودية هي أقرب إلى التمنيات غير المسنودة إلى قدرات وقوى...).
مع نجاحات التدخل الروسي وارتباك السياسات الأميركية (ما بين المراوغة والسعي إلى تحقيق مكاسب مجانية، منها استنزاف الأعداء والأصدقاء...)، مارس المشهد السوري المتحول انعكاساً مباشراً على توازنات الوضع اللبناني. حاول الرئيس سعد الحريري (لأسباب تتعلق بأزمته الخاصة أيضاً وبرغبته في العودة إلى رئاسة الوزارة) أن يقطع الطريق على العماد عون من خلال دعم ترشيح النائب سليمان فرنجية. رمى من خلال ذلك إلى منع وصول «مرشح حزب الله»، وإلى أن يكون، هو ومن يمثل، شركاء مبادرين في التسوية لا مجرد متلقين راضخين لحركة تبدل موازين القوى في صراعات المنطقة (وخصوصاً في سوريا) لغير مصلحتهم. طبعاً جرى رفض هذا الترشيح ــ بعناد متكرر ــ من قبل العماد عون وشريكه الجديد د. سمير جعجع. جرى رفضه، بحزم كذلك (رغم الإحراج)، من قبل حليف العماد عون وصاحب الإعلان المبكر عن دعم ترشيحه (منذ «تفاهم مار مخايل» في شباط عام 2006 بين حزب الله و«التيار الوطني الحر»)، عنينا، طبعاً حزب الله.
لا شك بأن سعد الحريري كان صادقاً في دعم ترشيح فرنجية. لكنه كان يناور: أيضاً لإصابة عصفورين بحجر واحد: تحقيق أسبقية تبني فرنجية، وإبعاد العماد عون عن كرسي الرئاسة أيضاً. حصل ذلك، طبعاً، بمعرفة من المرجعية السعودية، وبدعم سرعان ما أصبح علنياً، من قبلها. بكلام آخر، كان انتخاب عون رئيساً هو ما يترجم تحديداً، رغم التنازلات التي قدمها هذا الأخير لأطراف متعددة ومتناقضة، موازين القوى المتحولة، وليس انتخاب فرنجية، رغم أن نائب زغرتا هو حليف ثابت ومخلص للقيادة السورية ولحزب الله.
الواقع، إذاً، أن انتخاب الرئيس اللبناني، آخر الشهر الماضي، لم يكن «صناعة لبنانية» خالصة. لقد أدت ظروف أزمة وصراع ضاريين بين المرجعيات الإقليمية إلى جعل القوى التقليدية المتسلطة على مصائر البلاد والعباد في بلدنا، تمارس واجبها حيال الاستحقاق الرئاسي (بعد تأجيل وتعطيل خطيرين) على طريقة: «مكرهٌ أخوك لا بطل»! رغم ذلك، يحسن القول بأن سعد الحريري وآخرين مارسوا تمريناً في الاستقلالية لا بد من تشجيعه، على أمل تكراره وتكريسه من قبل «المستقبل» (وسواه) في المستقبل. لن يحصل ذلك بدون بروز قوة ضغط سياسية شعبية لهذا الغرض: إذا كنا لا نريد للصراعات القاتلة أن تستمر، بكل مآسيها، من أجل أن تفرض علينا تمريناً ثانياً في التعطيل والاستقلالية!
* كاتب وسياسي لبناني