اغتيل في غزة الشاب مثقال السّالمي، قبل يومين، بدعوى "التشيّع"، وهو غير منتمٍ إلى أي حركة إسلامية، كما لم يشكّل انتماء عائلته إلى حركة "فتح" أو عمله ــ مثل آلاف الشباب الباحثين عن رزقهم ــ في الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية قبل إنهاء وجودها في القطاع، مرادفاً لانتمائه إلى "فتح"، ما يعني أن السالمي، شهيد كلمة، وقُتل بسبب أفكار دوّنها على صفحته في "الموقع الأزرق".

هذه الأفكار، وفق توصيف قتلته الذين زفّوا هذه "البشرى" إلى شعبنا المسكين، وشركائهم الذين "باركوا غزوة الشاطئ"، هي أفكار "شيعية خبيثة"، ومثقال السالمي في نظرهم هو "رافضيّ"، ومتّهم ليس بسبّ الذات الإلهية أو النبوية أو حتى الدين بنفسه ــ على شيوع ذلك في غزة ــ بل يزعمون أنه سبّ "رموزاً" تمثّل العصب الأساسي وفق تصوّرهم لـ"مذهب أهل السنّة والجماعة"، الذي يجب جبراً على أهل غزة أن يدينوا به، وإلا فالموت قدرهم.

هل انتبهنا إلى التحريض الإسرائيلي و"التشهير" بالسالمي قبل قتله؟

هؤلاء، مثلاً، كما الغالبية العظمى من أهل غزة، التي تفاخر بأنها "شافعية"، لا يعرفون ــ من غير المتخصصين في الفقه ــ أن أحكام زواجهم وميراثهم مبنية على الفقه الحنفي والمالكي (في الضفة وغزة) مع تطبيقات/ ميول حنبلية غالباً، وأنه ليس للإمام الشافعي أيّ نصيب من حضور عملي في فلسطين، وهذا مثال واحد من عشرات الأمثلة. حتى في هذه "المذاهب" الأربعة، التي أخذت علومها أصلاً عن الإمام جعفر الصادق، ذُكرت الاستتابة، فهل جرّب قاتل السالمي، مثلاً، استتابته قبل أن يوجه رصاصاته إليه؟ هل يجب أيضاً أن نشكره لأنه لم يفكر، ومن وراءه، في خطف ذلك الشاب وذبحه بالسكين وتصوير الذبح، وقدموا له ميتة سريعة برصاصتين في الجمجمة؟ هل أعمَلَ أحدهم عُشر خُمس عقله وفكّر في أن يمهله أسبوعاً أو شهراً، لعلّه يتوب عن "التشيّع"، ويُلحد مثلاً، بما أن "الحكم الشرعي" لديهم لا يطاول "الملحدين" حاليّاً!
يبدو أن الجدال مع هؤلاء لن يأتي بنتيجة، وخاصة لو علمنا أن التجارب أثبتت أن كثيرين منهم لم يطلقوا رصاصة واحدة على إسرائيل، ويجهلون الأبجدية الوطنية، بل منهم من تدربوا على السلاح قبل يومين فحسب من خروجهم من غزة للتخريب وللموت في سوريا أو العراق، وبقيتهم تعرف الأجهزة الأمنية في غزة ملفّاتهم الأخلاقية جيداً. لنذهب إلى المهم، وهو سؤال "الرأس الكبيرة" الحاكمة للقطاع: "حماس"، الحركة الإسلامية ــ المقاومة، وتحديداً أجهزتها الأمنية التابعة لحكومتها السابقة ــ الحالية.
رزمة السؤال الأول: هذه الحادثة، ما هو رقمها بين حوادث القتل، أو محاولات القتل، التي تجري بالقرب أو في عمق "المربّعات الأمنية" ولم تُكشف غالبية فاعليها، فضلاً عن أن يُلاحقوا ويُقدموا إلى القضاء، بل من أين تأتيهم الجرأة لفعل ذلك بجوار مناطق مراقبة ومحروسة؟ هل يجب أن نظهر كأصحاب نظرية المؤامرة بتنبيه الناس إلى أن قتل السالمي كان على بعد مسافة قصيرة من بيت إسماعيل هنية، أو التذكير بقدرة أمن غزة على الكشف بسرعة عن القتلة "الجنائيين"؟
هل علينا البوح للناس بأن أجهزة الأمن القوية كانت في زمن ما تبحث عن عمليات نفذها مقاومون ولم يعلنوا تبنيهم لها لأسباب أمنية، وأن هذا البحث تسبب في كشفهم، ثم اغتالتهم إسرائيل؟ طبعاً وحتماً هذا ليس اتهاماً بالعمالة لأحد، لكن هامش الخطأ واسع جداً، فهل سيدخل قتل السالمي في هامش الخطأ ويغيب قاتله عن عيون وآذان "العصافير" (المخبرين)؟ لا نظنّ ذلك. الوقت خير حاكم... على أمل أن يمسك القاتل وألّا يُرتّب تخريج قانوني لقاتله كـ"القتل غير العمد"!
أنتم تعرفون أن ما هو أسوأ من القتل، شرعاً وقانوناً ومجتمعاً، المظاهرة عليه، بل تغطيته ودعمه، لذلك: هل من "حفظ السلم المجتمعي"، الذي نفاخر به منذ ما بعد أحداث 2007 الدموية، أن يُطلب دفن السالمي ليلاً وبلا مشيعين، ثم في اليوم التالي نجبر المعزّين على تشييعه بالسيارات وبسرعة ومن دون مشي في الشوارع؟ أين نضع محاولات تبرير اغتيال الشاب، بالتلميح مرة إلى أن القتل ربما يكون على خلفية أخرى، تجارة المخدرات مثلاً؟ وكيف نفهم مشاركة ضباط من وزارة الداخلية في "مباركة" قتل السالمي في جريمة جنائية ــ أمنية كبيرة؟ كذلك ما مصلحة الذين أشاعوا أن عائلة الشاب "تبرأت" منه ومن أفعاله وأقواله، هل هذا يعفي الحكومة "الربّانية" من واجبها الشرعي والقانوني والإنساني، أم أنه حكم "القبيلة"؟
الأهمّ، أين الفصائل والجمعيات الحقوقية؛ هل أكل قطّ المصالح لسانها، أم لا يزالون مشغولين في البحث عن "سائق التوتوك" المصري؟ منذ يومين لم يصدر سوى بيانين: الأول من حركة "الصابرين"، والثاني من "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين". لكن، أين القوى الكبيرة والوازنة، هل تخاف "حماس" نفسها أن تُتهم بالتشيع كما هتف أنصار محمد دحلان ضدها يوماً ما، أم أنها لا تريد خوض مواجهة جديدة مع السلفيّة ــ الوهابية "الجهادية"؟
نعم، يجب أن نعترف، هؤلاء السلفيّون، الذين ارتدّوا عن مجتمعنا المحافظ والملتزم دون الحاجة إلى ثيابهم القصيرة للركبة وحفّ شواربهم، استطاعوا حصرنا في الزاوية. معادلتهم بسيطة ومكتشفة منذ زمن: إذا اعتقلتمونا أو ضغطتم علينا، فسنجلب لكم إسرائيل لتعاقبكم! كلّ التكلفة اللازمة صاروخان (بدلاً من دفع ألف دولار على طبع كتب التحذير من خطر الشيعة)، يُطلقان على بلادنا المحتلة، فتأتي إسرائيل وتدمر لفصائل المقاومة إمكانات كثيرة، وربما يسقط شهداء، لكن المقاومة لن تستطيع الردّ لاعتبارات كثيرة، ذاكرتنا حافلة بالمواجهات، وحتى الحروب، التي كانت شرارة انطلاقتها اغتيال إسرائيل بعض السلفيين من مطلقي هذه الصواريخ، وكان شعبنا ومقاومتنا أوفياء رغم ذلك للدم الفلسطيني، وهو ما يجب أن نفعله مع دم السالمي المظلوم. هذه التصرفات أدخلت "حماس" في مأزق كبير، وجعلت السلفيّة تظهرها كأنها حارس حدود! وفعلاً، إذا كانت السلفية الجهادية بمسمياتها المتفرعة فرضت علينا هذه المعادلة، ورضخنا لها، فإن دم السالمي ــ من يعلم من بعده؟ ــ سيضيع هدراً، لأن أي حملة لاعتقال قاتله، ربما تجلب قصفاً إسرائيلياً!
نحن أمام حقيقتين إذا استمرت هذه الحال: الأولى أن هؤلاء عملاء وخدم للأجندة الإسرائيلية من حيث يعلمون أو لا يعلمون، والثانية أن مقاومتنا ستكون "ملطش خدّ" في حال صمتت عن هذه المعادلة. فهل تقبل "كتائب القسام" وقائدها محمد الضيف هذه الفوضى والسكوت عن الجرائم وهم المشهود لهم بكلمة الحق، وهذا الهمّ (التكفير) قد طاولهم قبل السالمي؟ ماذا عن عشرات خطب التحريض التي قادت شبابنا إلى حتفهم في العراق وسوريا، هل تريدون منّا أن نحمد الله أن عبد الفتاح السيسي دمّر الأنفاق وأغرقها وأغلق الحدود، فامتنع على شبابنا الوصول إلى سوريا وليبيا والعراق، وربما اليمن؟
هل تريدون أن نشكر السيسي على تدمير الأنفاق وإغلاق الحدود؟

في شهر شباط (فبراير) الماضي، كان موقع "المصدر" الإسرائيلي قد نشر تقريراً خاصاً عن مثقال السالمي، مع عنوان تحريضي ("حماس تعتقل متشيعاً تطاول على أئمّة السنّة وعليها")، علماً بأن التقرير لا يستند سوى إلى نبأ اعتقاله واقتباس بعض المنشورات التي كتبها السالمي. فهل انتبه أحد إلى أثر التحريض الإسرائيلي وأنه ساهم في "التشهير" بهذا الشاب؟ وهل فكر أحد بأن من نفذ الاغتيال قد خدم إسرائيل ويجب محاسبته بناء على هذا الاعتبار؟ لماذا يوجد اختراق في منظومة الأمن في غزة، وكل أخبار اعتقالات "حماس"، وأيضاً الفصائل، تصل إلى ذلك الموقع بنسبة جيدة وصحيحة أحياناً؟ هل بحث الأمن عن الصحافيين المتعاملين مع موقع "المصدر" وحاسبهم بدلاً من ملاحقة صحافيين يجرون تحقيقات ــ أو تقارير موسعة كما يحلو لبعض "حيتان" الصحافة في غزة تسميتها ــ عن قضايا تسمم الغذاء وأخطاء الأطباء؟
أسئلة كثيرة فتحها اغتيال السالمي، بسبب الخوف من تحوّل أسلوب الاغتيال، الذي حدث بحق الزميل ناهض حتر قبل مدة قصيرة، إلى "وسيلة مفضلة" لتصفية الحساب. صحيح أنه هذه المرة قابل الغزيون الجريمة بوعي أكبر، ورفض ــ على الأقل ــ لمبدأ القتل على الأفكار، لكنّ كثيرين من شعبنا "ودّعوه" بالشماتة وبأنه "أفضى إلى ما قدّم"، من دون أن يأخذوا بعين الاعتبار أنه قُتل غدراً وشهيداً مظلوماً، بل ذهبوا إلى نشر الشائعات حوله والتغطية على قتله.
لقد صرخ الشهيد مثقال السالمي صرختين لم تُسمِعا قلوبهم: الأولى بنفيه عن نفسه مفهوم التشيع المركّب في عقول الحالة السلفية التي تراه نقيضاً للدين، والثانية بالمنشور الوداعيّ الذي كتبه في السابع عشر من الشهر الماضي، حينما طلب السماح وسامح من أساء إليه، ثم تعهّد من تلقاء نفسه بأنه لن يكتب مجدداً، بغض النظر إن كان ذلك حكمة أو يأساً أو خوفاً.
علينا أن نتعظ من علاقة عمرها عقود بيننا وبين المشروع السلفي في السعودية، وما آذى به هذا المشروع قضيّتنا وقادتنا على مدار سنوات، من إسلاميين أو غير إسلاميين، كان يستعملهم كأداة يستدعيها وقتما يحتاج ويلقيها عندما ينتهي منها، واسألوا التاريخ. إنّ استمرار احتضاننا جمعيّات ابن باز وابن عثيمين وابن تيمية، من أجل رضى دول خليجية علينا، سيجلب الوبال يوماً بعد يوم، ونحن نعرف جيداً أن الشغل الشاغل لتلك الجمعيات بعيد كل البعد عن إسرائيل وتحرير فلسطين. لا يجب أن نسلّم رقاب أبنائنا، بغض النظر عن اختياراتهم الفكرية، إلى مجرمين، تخرّجهم تلك الجمعيات، وللأسف أساتذة في الجامعة الإسلامية في غزة، يتجرّأون على القتل وتهديد الناس في بيوتهم، ويظهرون غزة أمام العالم، الحليف والعدو، كمستنقع للوهابية، كما لا يجب أن يكون القطاع ساحة مفتوحة لكل من يلقي ماله فيها، فيجد صدى.
لقد قتلتنا الردّة عن قضيتنا الأساسية وأولويّاتنا الوطنية، أمس وقبل أمس، واليوم تقتلنا أيادٍ سلفية مغمّسة بمشروع العدو القائم على تفتيت مجتمعنا. فهل نطلق رصاصات أخرى على السالمي بدفن قضيته والتمهيد لمقتلة ثانية وثالثة؟ الإجابة برسم من يخاف الله ويحبّ الإنسان.