في كتاب جديدٍ عن الاقتصاد السياسي العربي، "التنمية العربية المحظورة"، يشرح علي قدري أنّ إقليمنا قد شهد، خلال نصف القرن الماضي، حروباً ونزاعات وتدخّلاتٍ خارجية أكثر من أي منطقة أخرى على هذا الكوكب، وأن أيّ تفحّصٍ للتجربة التنموية العربية يجب أن ينطلق من هذا الواقع التاريخي، وليس من نماذج اقتصادوية نظريّة. يقدّم قدري نقداً جذرياً، على المستوى النظري والتاريخي، لمختلف المفاهيم السائدة في أدبيات التنمية في الشرق الأوسط: "الفرصة الضائعة"، "الداء الهولندي"، "الاقتصاد الرّيعي"، إضافة الى التفسيرات الثقافوية والمؤسسية، التي تعزو التخلّف التنموي العربي الى محض "فشلٍ" أو خيارات خاطئة أو تخلّفٍ سياسيّ (تقارير التنمية العربية التي تصدرها الأمم المتّحدة، مثلاً، كانت في بداياتها مثالاً على الأدبيات التي تلوم النّاس على تخلّفهم وتتلذّذ بإبراز مقدار بعدهم عن الغرب المتقدّم، وكم هم يقرأون أقلّ من غيرهم، وينتجون أقل من غيرهم، الخ؛ كأنها تهدف الى وضع النخب والناس في حالةٍ من الدّونيّة والهزيمة النفسية، والإستعداد لتلقّي الإرشادات والأوامر من أيّ كان. ما تزال هذه التقارير، بالمناسبة، تُستخدم في كلّ نقاشٍ يرمي فيه عربيّ الى ترداد لازمة "الشعب المتخلّف" أو ممارسة العنصرية ضد الذات).

بالنّسبة الى علي قدري، فإنّ ما جرى في العالم العربي خلال العقود الأخيرة لم يكن مجرّد "فشلٍ تنموي"، بل حالة من "عكس التنمية" (de-development)، أي أن يحصل نزيف مستمرّ لثروة البلد ورساميله الى الخارج، وأن تُباع موارده بأقلّ من قيمتها الحقيقيّة، وتُدمّر القطاعات المنتجة على حساب القطاع التجاري الذي يمسك، آخر الأمر، بالاقتصاد والسياسة في آن. عمليّة "عكس التنمية" التي ابتدأت في الثمانينيات، يحاجج قدري، هي عمليّة قصديّة وسياسيّة، وليست نتاج فشلٍ أو سياسات خاطئة، ولا يمكن فهمها خارج إطار "دورة" عنيفة تجريها الامبرياليّة ــــ تكراراً ــــ في بلادنا: حربٌ وهزائم وغزوات تدمّر الدولة وتشتّت الناس وتهجّرهم، معرّيةً البلد وموارده أمام هيمنة الخارج؛ "إصلاحات بنيوية" وخصخصة تشلّ الإستثمار الداخلي وتدمّر القوى المنتجة؛ ثمّ إفقارٌ للشعب وانسحاب للدولة يوصل الى تجزئة الهوية الوطنية واهتزاز الاستقرار والحرب، والتدخّل الخارجي.

التنمية والسيادة

"نزيف التنمية والرساميل" من العالم العربي هو من منظور علي قدري، بالتوازي، نزفٌ لـ"السيادة". ولقدري تعريفٌ خاصّ للسيادة، إذ يوصّفها على أنها قدرة الطبقات العاملة في بلدٍ ما على التحكّم بموارده وسُبل استخدامها، وفرض سياساتٍ تخدم صالحها. عمليّة إضعاف الطبقات الشعبية وتجزئتها، سواء عبر الحروب أم عبر السياسات النيوليبرالية، تهدف في الأساس الى سلبها هذه "السيادة" ومنعها من إقرار سياسات تنموية عادلة ومنتجة، تؤدّي ــــ لو حصلت ــــ الى خسارة القوة الأميركية لحالة الهيمنة التي تفرضها على الإقليم (وخسارة العوائد الكبرى التي تحصّلها من هذه الوضعية: من تركيز موقع الدولار عملةً عالمية عبر تسعير النفط به، وصولاً الى دور العالم العربي كمسرحٍ للحروب المتواترة، وهي "حاجة" للإمبريالية العسكرية ـــ من هنا، يقول قدري، صعدت قناعة في مجتمع الغرب وإعلامه "تسلّم" بأن العالم العربي هو، بطبيعته وعلى الدّوام، ميدان حربٍ لن تتوقّف).
المسألة هي أن السياسات التنمويّة "الناجحة" ليست سرّاً مكنوناً ولغزاً غامضاً، وهي بالتأكيد ليست سياسات البنك الدولي التي أسّست لمرحلة النزف والنّهب: كلّ ما عليك فعله هو الحفاظ على مواردك المحلية، وتوجيه الاستهلاك والاستثمار، والمراكمة في القطاعات المنتجة والتكنولوجيا والتصنيع. حين اتّبعت "الدول الاشتراكية" العربية هذا الخيار في الستينيات، يؤكّد المؤلّف، كانت النتائج فوريّة وواضحة: رغم كلّ النواقص والفساد والحروب، ارتفع معدّل دخل المواطن العربي، بحلول أواخر السبعينيات، الى حدٍّ يوازي نظيره في شرق آسيا. ولكن، منذ عام 1980، انطلقت عمليّة "عكس التنمية" بعنف وابتدأ التراجع، بالتوازي مع "كامب دايفيد" والرّضوخ لسياسات اللبرلة. من مصر الى العراق، تمّ تركيع النّخب "الثورية" وإسقاطها، أو هي استسلمت وحوّلت مسارها بعد سلسلة من الهزائم والنكسات في وجه القوى الامبريالية، وأشرفت بنفسها على عملية "تحرير السوق"، ثمّ أصبحت جزءاً من الطبقة التجارية المهيمنة.
نظرية "الانفجار السكّاني" وضغطه على التنمية خرافة، يقول قدري، ففي الستينيات كانت الزيادة السكانية في مصر والمشرق العربي توازي نسبتها في الثمانينيات. الا أنّه، في ظلّ الدولة الاشتراكية، تمّ استيعاب أكثر هذه الزيادة في سوق العمل، وجرى إسكان الناس في مدنٍ جديدة وظروفٍ لائقة، وتحويلهم الى قوى منتجة ــــ على رغم الفقر النّسبي في تلك المرحلة. أما منذ الثمانينيات، فقد صار الإفقار وتدمير الطبقات الشعبية عملية مستمرّة لا علاقة لها بمعدّلات النموّ. السنوات التي سبقت عام 2011، يكتب قدري، كانت ــــ على الورق ــــ مرحلة نموّ مرتفع في أغلب دول الإقليم، ولكن بعد عشر سنوات من النموّ "النظري" في مصر، مثلاً، كان ثلث سكّان البلد يعانون من سوء التغذية والجوع.
معدّلات الاستثمار في الدول العربية انخفضت من أكثر من 30% في المرحلة "الدولتية" الى أقلّ من 18% في زمن "الإصلاح"؛ وبسبب طغيان رأس المال التجاري، الذي لا تتحوّل أرباحه الى استثمارٍ في القاعدة الإنتاجية وفي العمال، فإنّك تحتاج اليوم الى استثمار خمس نقاط مئوية من دخلك القومي لانتاج نقطة واحدة من النموّ، بعد أن كان المعدّل هو ثلاث نقاط استثمار لكل نقطة نموّ في مرحلة "الاقتصاد الموجّه". كدلالةٍ أخرى على فصل رأس المال الصناعي عن نظيره التجاري، وعن هيمنة الأخير: عام 1970، كان القطاع التصنيعي في سوريا (وهو كان في بداية انطلاقه) يوازي 20% من حجم الاقتصاد، فانخفض الى 5% عام 2010، والى أقلّ من 2% في العراق. معدّلات الإستثمار والتّوظيف هذه، يؤكّد قدري، لا تكفي لاستيعاب الطبقات العاملة العربية وتشغيلها وإعادة انتاجها، وهو ما يؤدّي، حكماً، الى إفقار متصاعد، وبطالة شائعة، وتهجير فئاتٍ كبيرة من النّاس وإخراجهم من دورة الإنتاج.

لعنة النفط أم لعنة الدولار؟

يعتبر علي قدري أنّ فكرة "لعنة النفط"، وأنّ البترول ــــ بطبيعته ــــ يستولد نمطاً "ريعياً" في الاقتصاد، هي ايضاً خرافة. فلو تمّ استثمار هذه الرساميل النفطية في تنمية حقيقيّة في دول الخليج، لكانت كلّها اليوم دولاً صناعية، وكانت صحراؤهم خضراء، ولديهم مجتمع عقلاني متماسك يقوم على الحقوق. لا يجب تحويل "الرّيع" الى توصيفٍ أخلاقيّ، هو موجودٌ في كلّ نشاط رأسمالي، ولكن مقداره (وهيمنته على النشاط الإنتاجي) يرجع الى توزيع القوى في المجتمع، والدور الذي يلعبه البلد في النظام العالمي. لهذا السبب، يقول قدري، لم تؤمّن عقودٌ من الفوائض النّفطية تنميةً في دول الخليج، رغم الأمن النسبي الذي حظيت به هذه الإمارات من آلة الحرب الغربية: الثروة تديرها طبقة حاكمة ولاؤها وحساباتها المصرفية في الغرب، لا توجد قاعدة صناعية فعلية، المحاكم تطلب شهادة الجنّ في مداولاتها، وقدرات الشّعب غير موظّفةٍ كما يجب؛ هذه، في عرف قدري، هي المقاييس الحقيقية للتنمية.
ارتفاع الفوائض النّفطية "أخفى" عمليّة الإفقار والنّزف خلال مراحل معيّنة، ولكنه لم يعكسها. يوثّق قدري أن جلّ النموّ الاقتصادي العربي المسجّل خلال العقود الثلاثة الماضية (سواء في الدول المنتجة للنفط أو غير المنتجة) لم يكن الّا انعكاساً مباشراً لارتفاع أسعار الطاقة، يتبعه ركودٌ وانهيار (وانكشاف لحقيقة الوضع الاقتصادي) ما أن تضعف السوق النفطية. تشغيل المواطنين الخليجيين في وظائف رسمية غير منتجة يمثّل، ايضاً، استخداماً للريع لـ"التخفيف" من أثر غياب التنمية، مع تحويل المواطنين الى مستهلكين ومستوردين. مال النّفط العربي استخدم أساساً، يقول علي قدري، لدعم هيمنة الدولار وتمويل دين الخزينة الأميركي من جهة، ولنشر الهوية الوهابية والصراع الطائفي في المحيط العربي من جهةٍ أخرى. فانتقلت الوهابية من مذهبٍ هامشي يتبعه أقلّ من مليون انسان منذ قرن الى "ظاهرة عالمية" (ويضيف أن النفط ساهم في تحطيم القطاع الصناعي العربي عبر معونات حكومية واستثمارات وتحويلات خلقت طبقة "موالية للسعودية" في دول المشرق، فكريا وايديولوجياً، وتقلّد النخبة الخليجية في تقديس الإستهلاك والتجارة).

الأولويات

الحرب، مع اسرائيل أو اميركا، أو حتى بين الدول العربية وداخلها، قد تكون الوسيلة "الأخيرة" لفرض السيطرة الامبريالية وكشف موارد البلد وتدمير سيادته. يستخدم علي قدري هنا مفهوم "الأولوية التاريخية": أحداثٌ مثل غزو العراق، أو حرب سوريا، أو احتلال فلسطين، لها "أولوية تاريخية" تقرّر مجرى الأمور، بمعنى انّه لا تهمّ أي سياسات اقتصادية يتّبعها نظامٍ عربي ما حين تدمّر الحرب بلاده ويُسجن تحت الحصار والعقوبات. ولكن "منع التنمية" هو سلسلة مترابطة: النخب التجارية الحاكمة لن تقبل بوحدة اقتصادية عربية، لأنّ ريعها يتأتى من احتكاراتٍ قُطرية، والأسواق الصغيرة المنعزلة لن تحفّز قاعدة انتاجية، والحرب وانعدام الاستقرار يبعدان المستثمرين عن القطاعات الصناعية، فيتحوّلون بشكلٍ أكبر الى مجالات الربح السريع: التجارة، المصارف، والعقارات.
يكرّس علي قدري فصلاً من كتابه لنقد طرح الديمقراطية الليبرالية في السياق العربي، وفكرة "ديمقراطية الصناديق" في مجتمعات مفقرة ومهشّمة، استقالت الدّولة فيها من مهمة حماية المواطن، حتّى لم يعد للمواطنة فيها من معنىً. حقوق المواطنة في المجتمع العربي النيوليبرالي، يقول علي قدري، مرتبطة حرفياً بحجم دفتر شيكاتك في الخارج، "وفقط في الخارج" (لأن أي مقدار من مراكمة الثروة داخل بلدك لن يحميك حين تقع حربٌ أو غزوٌ أو تنهار الدّولة). ليس من الحكيم اذاً ممارسة السياسة الليبرالية على طريقة "فنّ الممكن" في الإطار العربي، يصرّ قدري، لأنّ احتمالات "اللاممكن" (أي الإحتمال الذي يقضي عليك ويجعل كلّ مراكمةٍ واهية) تحيط بك من كلّ جانب. "الممكن الوحيد" مع شروطٍ كهذه، يستنتج قدري، هو في التضامن الحازم والشّرس في وجه الإمبريالية، واستعادة الأمن والسّيادة، ثمّ طرح طريقٍ لإعادة بناء المجتمع.