لعل من أكثر المفاهيم المتفق عليها بين الجمهور والنخبة هو أن الجهل مذموم. وهذا الاتفاق ضارب في عمق التاريخ بغض النظر عن الزمان والمكان. فمعظم الحضارات الانسانية كان لها رأي سلبي في الجهل وحثت على محاربته. ولعل أفلاطون كان أول من قسَّم مقدار المعرفة إلى ثلاثة أقسام حين قال "إن الرأي ياتي بالمنزلة الوسطى بين المعرفة والجهل". أما كونفوشيوس فاستخدم نطاق الجهل لتحديد مدى المعرفة على مستوى الفرد بأن "المعرفة الحقيقية هي في التحديد الدقيق لمدى جهلك". لكن هناك آراء مضيئة أضفت على تعريف الجهل وارتباطه بدينامية التقدم الاقتصادي في العصر الحديث ما يحتم الوقوف عند بعضها.

هنري لويس منكن H.L. Mencken (1880 – 1956) قال ان الديمقاطية هي نظرية أن "الجمهور يعلم ماذا يريد ويستحق الحصول على ما يريد باليسر او بالقوة". لقد ربط الديمقراطية بالمعرفة وبالاستحقاق وطرق الحصول عليه. ولكنه قال في موضع آخر "ان الديمقراطية هي الاعتقاد، المثير للشفقة، بالحكمة الجماعية بجهل الفرد". أي عندما يكون جهل الافرد أكثرية على مستوى المجتمع فإن الديمقراطية العددية تؤدي حتما الى اتجاهات غير صائبة على مستوى تكوين السلطة الديمقراطية والحوكمة المنتَجة ولو ديمقراطيا. فللديمقراطية أسس معرفية لكي تعطي أفضل ثمارها. فالأسس المعرفية مرتبطة باللغة والنصوص والأفكار السائدة في المجتمع. وهنا يكمن تطبيق الديمقراطية في بلدان ليس في لغتها الشعبية أي أثر لمعنى صندوق الانتخاب غير معنى صندوق التفاح، وأن قلم الاقتراع هو في علم الغيب. و لعل المنهجية الأكثر تبسيطا والأكثر خطرا هي أن ما نعلمه حصرا هو الموجود فعلا، وما لا نعلمه غير موجود أصلا.
هنا تكمن نعمة الجهل. عندما تستدعي المعرفة جهدا فكريا عاليا وحثيثا يؤدي الى اشكالات وتساؤلات أكبر، مما يستدعي المزيد من المعرفة والجهد العقلي. وهذا مما يحتم على الجمهور أن يستسلم لأنماط التفكير الأسهل والأكثر إتاحة عبر التبسيط الضارّ، وطرق التفكير المختصرة والتلطي بالجهل بالمعنى الموضوعي والبريء.
ولكن هناك من ذهب أبعد من ذلك، كبريندل وغلاس (Brindle and Glass) اللذين قالا ان "الجميع يعلم أن للمعرفة قوة ولكن قوة الجهل تكمن في فتح الطريق أمام المعرفة، كل المعرفة، لآخر قطرة منها". فهل الجهل في لبنان يفتح الطريق للمعرفة ؟ لنرَ.

م. صلاح زغيب
باحث في التنمية الريفية