لعل الدخان الكثيف والعبث الأسود والضبابية الطاغية على الساحات المشتعلة في عالمنا العربي ومنطقة الشرق الأوسط، تخفي وراءها صراعات أيديولوجية مصيرية ضمن صراع المصالح، وتطاحن المشاريع، وتكاسر المحاور الصاعدة منها، وتلك التي تأفل ويسبب غيابها هذه الفوضى العارمة.

ولا يدري المتابع المتبصّر بحق: هل كانت الصراعات الأيديولوجية متكأً أساسياً بدائياً في الحروب الجارية؟ أم هي ضرورات ونتائج واقعية فرضتها الظروف الموضوعية لما يحدث، بحيث اضطرت الشعوب إلى اللجوء إلى تراثها ومخزونها الأيديولوجي الأقوى للدفاع عن نفسها، في حرب الخرائط المتغيّرة وحدود الدم والسيولة الجغرافية والبشرية التي ما زلنا نعيش فصولها، منذ إطلاق المايسترو الغربي ــ بدعم من آلته الإعلامية المهولة ــ بدء ما سمي بـ«الربيع العربي» وانفلاش الفوضى الخلاقة في بلاد العرب والمسلمين.

فشل قومي

إن الخواء الأيديولوجي الذي عاشته المنطقة وحالة «المستنقع السياسي» واستعصاء المشاريع القومية، بشعاراتها البراقة الموحية، يأتي خصوصاً بعد تفكّك الداعم الأساسي لها، وهو الاتحاد السوفياتي في بداية التسعينيات من القرن الماضي، وعلى أثر التجربة القاسية التي مرت بها الأحزاب القومية، بعد المغامرة غير المدروسة التي دفع لها نظام صدام حسين لاحتلال دولة عربية في تجربة غير مسبوقة في العصر الحديث. واستتبع ذلك عواقب تواجد «خشن» وصلب للقواعد الأميركية والغربية، كذرائع اضطرارية لبعض الدول العربية، التي تحوّلت لنظام المحميات النفطية والأنظمة المرعية بالحماية الخارجية.
إن الفشل التاريخي للأحزاب القومية في عدم قيام وحدة بين سوريا والعراق في بداية الثمانينيات، بعدما توفرت لها ظروف مناسبة ومثالية في بلدين متجاورين، بمزاج شعبي متقارب ومتحاب، جعل ذلك يَسِم الفترة القومية في حكم الشعوب العربية بالفشل. وقد أضيفت تلك الفترة للنكسة العربية التي أصابت الحلم القومي الناصري، في حرب ٥ حزيران ١٩٦٧، ليطلق حكم مطلق صدّر للفهم العربي، وبمصطلحات جديدة، أن فكرة "القومية العربية" فشلت، وذهب أوانها مع القرن المنصرم، وأن العرب لم يقتنصوا الوحدة العربية في وقتها، وما عادت تنفعهم الآن في عصر العوالم الجديدة والفضاءات المفتوحة.

فشل إسلامي

إن البريق الأخّاذ والإغراءات والوعود غير المسبوقة، أطلّ على رأسها المشروع الإسلامي وتجلياته المختلفة، خصوصاً بشكله الإخواني، بعد عقود من التخفي والمطاردة التي لوحق بها، بحجج مختلفة منها اتهامات بالإرهاب أو بسبب الانتهازية السياسية، واحتكار تضليل الشعوب بسلطة الرب المطلقة، والتحدث بكلامه المنزّل الذي لا يقبل النقاش ويتطلّب الطاعة الواجبة والسمع المنقاد.
جاء خطابا الرئيس الأميركي باراك أوباما، في جامعة القاهرة ثم في تركيا ــ التي قدمت كمشروع مثالي للمنطقة تحت حكم إسلام "العدالة والتنمية" ــ لينثرا وعوداً سحرية بأحلام برّاقة للإسلام الحركي في المنطقة، لأسباب تختلط فيها الأهداف الغربية، بين الواقعي البرغماتي والحالم والمصلحي والمشبوه. وقد تذهب بعض التفسيرات بعيداً في شرودها، إلا أن ما قُدم للإسلاميين ما هو إلا وجبات شهية لاستدراجهم للظهور من دون خوف، ورفع رؤوسهم بقصد "قطفها اللاحق"، للتخلّص من الخطر الإسلامي أو ما سمي بـ"الخطر الأخضر"، بعدما أجهز العالم في القرن الماضي على "الخطر الأحمر الشيوعي"، لينصرف في المستقبل لـ"الخطر الأصفر".
إن بعض التفسيرات، التي تأتي في تصوّر العقلانيين البرغماتيين، تدخل من مبدأ أن وعود الغرب للإسلاميين باستلام السلطة، جاء في إطار السماح بخلق أجواء مناسبة لإسلام متعايش مع العالم ــ خلافاً لذلك الإسلام المتطرّف الذي رأوه متمثلاً في تيار "القاعدة" ومشتقاتها، وفي غزواتها في منهاتن وتفجيرات ١١ أيلول ٢٠٠١، وبعض المدن الأوروبية ــ بشروط مفروضة، أهمّها التعايش مع دولة إسرائيل في المنطقة. هذه الشروط ينفذها النظام الإسلامي المثالي المقدم في دولة تركيا، وريث السلطنة العثمانية بحواملها المتعددة، وطيفها الواسع من "الإخوان" الحركيين إلى الإسلاميين الإقصائيين الراديكاليين.

صراع قومي إسلامي

إن الحكم الظاهري بالانتهازية السياسية والميكيافيلية المصلحية، التي أطلقت على حركة حماس وقطاعات شعبوية إسلامية، حين قامت بالتخلي عن دواعمها التاريخية في المحور المقاوم في المنطقة، لا يصل إلى التقدير الحقيقي لحجم الإغراء المهول الذي قدم للمشروع الإسلامي بثقالاته الضخمة والوازنة. وقد بدا من المستحيل هزيمة هذا المشروع، في ظل وجود ثقالات بموارد مالية ضخمة سُخر لها غاز قطر المسال، وبنموذج تركي ساحر وهوس جماهيري طاغٍ، ودواعم أميركية غير قابلة للكسر في الفهم العربي والمشرقي، إضافة إلى مظلومية إسلامية تاريخية، وعزف ناجح على العقائد والغرائز الدفينة.
انقلبت معظم الحركات الإسلامية على رعاتها ومحبّيها التقليديين، ورمت بمقررات المؤتمرات القومية الإسلامية الدورية، وذهبت لا تلوي على شيء في طريق صراعها للوصول إلى كراسي السلطة.
إن الصراعات التي تجري الآن في المنطقة عشوائية فوضوية، لا تخضع لنواظم صراع واحدة. لكن من الواضح أن الدول العربية وضعت في صراعات "كسر عظم" للمشاريع الكبرى بخلفياتها الإيديولوجية، بحيث يتساءل المرء ما الذي سيتبقى من نواتج تطاحن المشروعين القومي والإسلامي في المنطقة؟ وما هي المرجعيات الفكرية والإنسانية والبشرية، الجامعة لشعوب المنطقة بعد تكسر مشاريعها الجامعة الكبرى، وإنهاكها الطويل في حروب الجدران الأخيرة والزوايا المتبقية القليلة؟

فشل قومي + فشل إسلامي= (مـ)رجعية وطنية

انكسار المشروع الإسلامي في المواجهة الجارية ورفع الغطاء الدولي عنه، بعد مقتل سفير أميركا في بنغازي، وسقوط رعاة المشروع ــ وأهم وكلائه في دولة قطر ــ جعل المشروع العثماني يتقلّص ليدافع عن جدرانه الداخلية ويلملم عثرات خيبته، ويبحث عن بقايا قلعته الداخلية المتهالكة.

هل كانت الصراعات الأيديولوجية متكأً أساسياً في الحروب الجارية؟

قد نضطر إلى أن نذّكر بما رأيناه مراراً على بعض منابر سوريا، من حاملي الكلاشينكوف وأصحاب اللحى الكثّة الطويلة واللكنة النفطية. من هؤلاء من حلف بالله وأطلق عبارات مغلوطة، مثل «أن شرع الله لن يقام إلا بالسلاح". ونحن قلنا إن القهر والإجبار بتطبيق الدين الإسلامي على رقاب البشر تحت مسمى "تحكيم الشريعة"، سوف يخلق شعوباً "منافقة" خائفة، تتظاهر بالتديّن المظهري وتلهج بأحاديث الشيوخ وكتب التراث، من دون أن يستقر شيء في قلوبهم. وهذه الشعوب ستستغل أي فرصة مستقبلية سانحة، لكي تنزع عن جسدها جلابيبها القصيرة، ولتسارع إلى حلق لحاها الطويلة والانخراط في الخلط الذهني، والإلحاد وأفكار شياطين البشر.
الدين الحقيقي لا يحاسب على أفعال القهر والإكراه ــ حتى لو كانت كفراً ظاهرياً ــ إنما يحاسب على أفعال الإرادة الحرة والاختيار الطوعي. الآن، نتخوّف من تعليمات قادمة مشبوهة، تلوكها أوكار الحيات والأفاعي. وبات المطلوب من الإسلام السني في سوريا، دخول حرب مقدسة جديدة لـ"القضاء على الدب الروسي والتنين الصيني والمجوسي الإيراني"، كمطلب جديد متحوّل لتراجيديا وملهاة «الثورة السورية».
للأسف، لن تنتظم سوريا والمنطقة على استقرار ناجز مهم، إلا عند حدوث الشفاء التام لهذا «الالتهاب السني» المذهبي. أخيراً، أفرز هذا المرض طبقات طائفية متقرنة ومتطرفة، قادت كل خلاياها الحية المرافقة، من بسطاء العرب والمسلمين، إلى مواجهات الموت الحتمي، من دون أي خوف أو رحمة. وساقت جماهيرها المكرهة الرأي، إلى خيارات القتل أو الهجرة والرحيل، فعادت كل العوالم الأخرى، وكثرت عليها مصادر النيران، بينما ينعم المحرضون برغد العيش في الخارج.
أما التظاهر «السني» المعتاد لهذا المرض، فتبدّى تاريخياً في دول النفط وجزر الغاز، وبإسلام أحول مرتبط تابع ذليل، ارتمى في حضن الغرب، منذ نشأة هذه الدول، حيث اعتبر واشنطن بعد لندنستان كعبته الأبدية، واستمطر من لدنها البركات والإملاءات. وعندما خاض حروبه المقدسة، أدار ظهره للقدس وسفك دماء أهله، من العرب والمسلمين، ووطأ ديارنا للأغراب يقذفونها صباحاً مساء.
ستظل المنطقة على مرجل النار تغلي، ما لم تتمظهر الحالة السنية، بعقول أقل تطرفاً وأكثر وطنية، لا تأخذ مواليها المتحمسين إلى المحارق، وتقامر بهم في ألعاب الأمم الكبرى، ولا تقبل أن تعمل كمندوبين مرتزقة لمشاريع غربية أو وكلاء وأذيال لها.

ما الحل؟ المواطنة والمشاركة

إن الأصوات المتعالية الداعية والمستندة إلى الوطنيات الراسخة في سوريا ومصر والعراق، في المعارك الوجودية الجارية على أراضيها، إنما جاءت للتمسك بثوابت ومبادئ الدفاع عن النفس بأقوى الإيديولوجيات المنقذة المتوافرة، خصوصاً في زمن تطاحن المشاريع القومية والإسلامية. ويبدو أنها بالفعل قد تكون المنجاة، إن لم تتحول إلى شوفينيات مرضية وعنصريات تاريخية مغلقة، ولم تقبل أن تدخل في مشاريع «المواطنة المنفتحة» ومعسكرات "المشاركة المجتمعية".
إن ما أفرزته الأزمة السورية والحرب، يجب أن يتمحور حول فكرة أن الدفاع عن الأوطان لا يكون إلا بإيجاد معسكرات شعبية جامعة، بأكبر قطاعات المشاركة المجتمعية بكافة المرجعيات المتوافرة، المقبولة ضمن بوتقة المواطنات المنصهرة، في وجه معسكرات الإقصاء الطائفي والإثني والمذهبي الموردة لبلداننا المتعايشة منذ زمن طويل.

* كاتب سوري