إذا ضربنا صفحاً عن الأسماء الثلاثة المقترحة لمبادرة التسوية التي طرح مسودتها حزب المجلس الإسلامي الأعلى العراقي، فإن الاسم الأجدر بها والأدق لها هو الوارد في بندها الثاني والذي ينص على اعتماد مبدأ «لا غالب ولا مغلوب» أساساً لها. الواضح من السياق، أن تنظيم «داعش» ليس طرفاً بين الطرفين الغالب والمغلوب بنص بندها الرابع الذي يستثني «داعش» وحزب البعث من أطراف التفاوض عليها، ورغم أن أحد المحللين المحسوبين على نظام المحاصصة هو السيد هشام الهاشمي يجعلنا نعتقد العكس حين يربط المبادرة بهزيمة «داعش» المتوقعة، وينتقد توقيت طرحها فيكتب أنها «جاءت في توقيت لا أسوأ منه والعراقيون يحررون الأرض في الموصل...»، ثم يضيف في الفقرة التالية «في المعارك الحاسمة، المنتصر سيكون له سهم أكبر في فرض الشروط، وعلى المحرر ــ أرجح أنه يقصد صيغة اسم المفعول أي المُحَرَّر ــ المصابرة والقبول بموازين القوة، وهذا الأمر معمول به ومعروف في كل المعارك والحوادث المشابهة في العالم، كما حدث مع ألمانيا وتركيا واليابان في الحرب العالمية الثانية، الأرض المحررة قبلت بمسايرة قانون المحرر». فهل يقصد الهاشمي ما يقوله هنا فعلاً، بناءً على معلومات خاصة به، استقاها من أهل المبادرة، أم أنّ التعبير قد خانه كما يقال، فألحقَ أهالي المناطق المحررة ذات الغالبية السكانية «العربية السنية» بتنظيم «داعش» مجازاً واعتبر أنهم، هم الطرف المغلوب؟
النظام الطائفي وتطبيقاته العملية

كان في جوهره نظام مغالبة وتنازع مصالح


بالتدقيق في مبدأ «لا غالب ولا مغلوب» نرى أن رعاته يعترفون ضمناً بأن التسوية المقترحة تأتي بعد فترة صراعية بين طرفين أو أكثر داخل النظام الحاكم أو «العملية السياسية» كما تسمى في الإعلام العراقي، وقد آن الأوان لهم أن يجنحوا للسلم ويخرجوا منها دون منتصر أو مهزوم. بكلمات أخرى، فهذا المبدأ يكشف للجميع أنّ هذا النظام المحاصصاتي الطائفي العرقي وتطبيقاته العملية على الأرض طوال ثلاثة عشر عاماً، كان في جوهره نظام مغالبة وتنازع مصالح طائفية وفئوية دمّر العراق وألحق الأذى بشعبه وثرواته. ولكن أصحاب المبادرة يريدون أن يحرفوا البوصلة، ويروّجوا لمعنى مزيف آخر يكون الصراع الأساسي والرئيسي بمقتضاه بين أطراف العملية السياسية المتغالبة ذاتها، وليس كما هو في حقيقته، صراعاً بين النظام بجميع أطرافه السياسية الشيعية والسنية والكردية وعرابها الأميركي من جهة، وبين الشعب العراقي المغلوب على أمره من جهة أخرى. وهذا أول تزوير فظّ لطبيعة الصراع وجوهره.
نشرت المبادرة أولاً على شكل تسريبات محسوبة، ثم أعلنت وكالة «المدى» التي يملكها ويديرها رجل الأعمال «الشيوعي السابق» فخري كريم، المعروف بعلاقاته الحميمة مع أقطاب النظام والسفراء الغربيين، أنها تنفرد بنشر نصها الكامل. غير أن «المدى» أطلقت في خضم ترويجها للمبادرة معلومتين غير صادقتين تماماً؛ الأولى حين قدمت لها بالقول «وبحسب مصادر (المدى) فإن التسوية تحظى بشبه إجماع شيعي»، فما معنى شبه إجماع شيعي؟ إنَّ من يقرأ هذه العبارة سيعتقد أن حوالى 98% من شيعة العراق موافقون عليها، وهذا غير صحيح. أما إذا كان المقصود هو «شبه الإجماع» على المستوى القيادي فالمعروف أن هناك إما إجماع أو أغلبية في الرفض أو القبول، والذي يعلمه الجميع أن التيار الصدري، وهو أحد أهم أركان التحالف الوطني الشيعي وله ثاني كتلة برلمانية (40 نائباً)، لم يوافق بعد على المبادرة، بل تحفّظ عليها. فمن أين جئت بشبه الإجماع؟
أما المعلومة المضللة الثانية التي أطلقتها «المدى»، فمفادها أن «بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) تعهدت بتقديم (جهة سياسية سُنية موحدة) للتوقيع على الوثيقة، والحصول على موافقة دول إقليمية سُنية». فما معنى تعهدت؟ هل تعهدت «يونامي» لصاحب «المدى» أم لصاحب المبادرة أم لطرف ثالث؟ وكيف كان هذا التعهد مكتوباً أم شفهياً؟ وما قيمته القانونية عراقياً ودولياً؟ وماذا سيحدث إذا لم تعثر «يونامي» على جهة سُنية موحدة، توقع لها ولأصحاب المبادرة على الخراب القادم، هل ستوضع الأطراف السياسية السُنية في الخلاط الكهربائي ليصنع منهم طرف موحد جاهز للبصم والتوقيع؟
بالعودة إلى نص المبادرة، نجد أنها حاذرت منذ البداية الاقتراب من مفردة «الطائفية»، فلم ترد إلا مرة واحدة بشيء من الوجل، لكنها استعاضت عنها بعبارات مشابهة مضموناً من قبيل «المكونات العراقية العرقية والدينية والمجتمعية» و«فئات المجتمع العرقية والدينية والمجتمعية» ولكنها اشترطت، كي تكتسب المبادرة المشروعية الدستورية والقانونية «إقرارها في مجلس النواب والحكومة بعد مباركة المرجعيات الدينية ودعم وضمان المنظمات والمؤسسات الدولية والإقليمية، وفي مقدمها جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي»! ويخطئ من يظن أن هذا الشرط هو من قبيل لغو الكلام الإنشائي.
نعتقد أن اشتراط مباركة المرجعيات الدينية، وتأكيدها في الفقرة الرابعة ضمن ما سمته «مبادئ وثوابت التسوية»، على ضرورة «الإشادة بالدور الوطني لأبناء العراق والمرجعية الدينية والقوات الأمنية... الخ»، وعلى «عدم المساس بالمرجعية الدينية والرموز الدينية الأخرى» يعطي للمبادرة مضموناً دينياً وطائفياً صريحاً، أو في الأقل، يجعلها أبعد ما تكون عن الحل الديموقراطي المنشود. إن هذا التكرار والإلحاح على دور المرجعية والمكونات الطائفية والدينية، يتعاكس تماماً مع أي مبادرة تزعم أنها جاءت لتصحيح الأوضاع الخاطئة عبر «العمل الجاد لتحرير الدولة وكل مؤسساتها من نظام المحاصصة العرقية الطائفية التمييزية إلى نظام الاستحقاق السياسي لضمان قيام دولة المواطنة ولتعزيز سيادة القانون والعدالة وتكافؤ الفرص/ الفقرة 12»، فخلاصة ما يريده أهل المبادرة هو القضاء على المحاصصة الطائفية بالاستحقاق السياسي الناتج من قانون أحزاب ونظام انتخابات قائمين على أسس المحاصصة الطائفية، أليس هذا تفسيراً للماء بعد الجهد بالماء؟
لمزيد من الإيضاح، نتساءل: كيف يجتمع السعي لدولة المواطنة المضادة على طول الخط لدولة المكونات والطوائف، والتي لا مرجعية لها غير دستورها المواطني، كيف يجتمع ذلك مع وضع مشروع التسوية تحت رحمة دستور المحاصصة ذاته «الالتزام بالدستور كمرجعية والعمل به دونما انتقائية/ البند 2»، وبمباركة المرجعيات الدينية، وضمن مسار معلن هو استمرار لمسلسل التسويات والمصالحات الطائفية السابقة كما يقول البند السادس منها ونصه «مسار التسوية الوطنية غير مرتبط، بل هو مكمّل لمسارات المصالحات المجتمعية التي تُترجم على شكل أوامر وإجراءات وتشريعات تخدم المجتمع بكل طوائفه وقومياته...)؟ هل يريدونها دولة «مواطنة طائفية» تباركها المرجعية الدينية والأمم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي؟ إن عبارة «دولة مواطنة طائفية» المستنبطة من «مبادرة التسوية» لا تختلف كثيراً من حيث المضمون عن عبارة كاريكاتورية من قبيل «دولة علمانية داعشية».
تبدي المبادرة اهتماماً خاصاً بموضوع الدستور العراقي النافذ، فهي تعتبره الأساس الثاني لها، حيث تقرر «الالتزام بالدستور كمرجعية والعمل به دونما انتقائية والاستعداد لإجراء التعديلات الدستورية وفق الآليات التي نص عليها الدستور ذاته...». ويتكرر ذكر الدستور في الفقرة الرابعة كسقف للعملية التفاوضية بين الأطراف المحددة بعد إطلاق المبادرة. إن الكلام عن الدستور هنا كأساس للمبادرة وسقف للتفاوض عليها، يجعل المبادرة برمتها مجرد لف ودوران وإعادة إنتاج بائسة للنظام الحاكم ذاته. أما إبداء الاستعداد، مجرد «الاستعداد لإجراء التعديلات الدستورية وفق الآليات التي نص عليها الدستور ذاته» فهو ضحك على الذقون لا أكثر، لأن إجراء أي تعديلات دستورية جذرية أو حتى بسيطة وغير متفق عليها بصفقة بين اللاعبين الكبار شبه مستحيل بسبب وجود فيتو أو تابو المحافظات الثلاث (وللتذكير، فإن الإقليم الكردي يتألف رسمياً من ثلاث محافظات) التي يمكن لثلثي كتلتها الناخبة إسقاط التعديلات حتى لو صوّتت لمصلحتها جميع المحافظات العراقية الأخرى الخمس عشرة بموجب الفقرة ج من المادة الدستورية 142. هذا الواقع هو ما جعل أحد النشطاء على مواقع التواصل هو السيد نصير غدير نعيمة يكتب ضد المبادرة من منظور نقدي جدي، لكنه يقفز على موضوع التعديل الدستوري. وحين يسأله سائل عن السبب، يعترف بوضوح «أنا تعمدت إغفال تعديل الدستور... ونعم، هذا لا يتحقق على أيدي هؤلاء للأسف، وللأسف هو بحاجة إلى الضمانات الدولية». وأعتقد أن الكاتب يلمح بعبارة «ضمانات دولية» إلى ضرورة موافقة واشنطن التي أطلقت العملية السياسية ودستورها أو إعطائها ضمانات لأطراف العملية المحليين وهو تعويل في غير محله، ولن يعني في المقام الأخير سوى إعادة إنتاج النظام ولكن بموافقة أميركية ودولية «غربية» نافلة.
إن إصرار «مبادرة التسوية» على اعتبار الدستور أساساً لها، وهو سقفها التفاوضي الملزم، وربط التعديل الدستوري بآلياته الداخلية التعجيزية، يجعل من الصحيح القول إن هذه المبادرة جاءت لتعقيد الوضع العراقي وليس لتسوية أي شيء فيه، أي أنها ستكون بوابة صغيرة لمتاهة جديدة في المتاهة الأكبر التي بناها الاحتلال الأميركي والتي لا يمكن للضحية التي أدخلت إليها الخروج منها إلا بكسرها!
بالعودة إلى ما كتبه السيد هشام الهاشمي، نرى أنه يجزم «إن العراق من دون المحاصصة القومية والطائفية سوف يقع في أزمات كبرى وكارثية، ابتداءً من التمرد المسلح والفساد الاقتصادي، وصولاً الى حرب أهلية أخرى». ورغم تشاؤم هذه النظرة، إلا أنها تعطي، بشكل غير مباشر، الحق للقائلين بأن متاهة المحاصصة الطائفية لا يمكن الخروج منها إلا بكسرها، ويضيف الهاشمي وهو على صواب هذه المرة «إن قصة التسوية التأريخية العراقية ليست صحيحة، بل هي مضللة، ولها آثار سياسية خطيرة حين تشجع المكونات الكبيرة على القيام بمغامرات التلاعب بحقوق الأقليات». وهذا يعني، إذا مددنا هذا المنطق إلى نهاياته التلقائية، أن لعبة المكونات ستجلب المزيد من الخراب والخطورة والتضليل إذا استمرت واستمرت معها عملية فبركة الحلول الخاطئة والقائمة على أسس النظام الخاطئة ذاتها. وعلى الرغم من هذا التشاؤم والغموض اللذين يطبعان تحليل الهاشمي، وهو تحليل يفتقر إلى أي بديل آخر وإعادة إنتاج النظام الذي ينتقدها ضمناً، فالكاتب يقترب من إحدى الحقائق التفصيلية حين يكتب أن «معنى القول إن التسوية التاريخية الحالية هي المناورة بالجمهور الانتخابي الشيعي وفصائله المسلحة، لتحقيق مصالح مشتركة مع الغرب والعرب، وإضعاف هيمنة شبح إيران.. ولكن عندما تحين لحظة الحقيقة وهي تنفيذ بنود الوثيقة، سينتفض رجال من داخل البيت السياسي الشيعي على بنودها، فالاتفاق يصادر طموح الأحزاب الصاعدة وحلفاءها بالكامل وهذا غير مقبول». يمكن أن نستنتج من هذه الفقرة الملتبسة لغة ومضموناً، أن الكاتب قد يرى في المبادرة مجرد مناورة انتخابية، تقرب النظام من الغرب ودول الجوار العربية، وتضعف ارتهانه لإيران، ولكنه يخشى أن يتمرد على المبادرة ونظامها بعض الأطراف «داخل البيت الشيعي» راعي المبادرة. ورغم أن هذا المضمون يثير تحفظات أسلوبية ومضمونية كثيرة، منها أنّ النظام ليس بعيداً سياسياً عن الغرب ودول الجوار العربي أصلاً، والأمر قد لا يتعدى شيئاً من التشنج الدبلوماسي بين بغداد والرياض والدوحة هو من بقايا تجربة حكومة نوري المالكي وقد خفَّ كثيراً، أما احتمال انتفاض بعض الأطراف الشيعية على المبادرة ورغم كونه وارداً، إلا أننا يمكن أن نتصور تمرداً إيجابياً من داخل هذا البيت تقوم به أطراف أقرب الى الحل الوطني كالتيار الصدري. وهذا ممكن جداً في ضوء تحفظات هذا التيار على المبادرة بما يوسع من احتمالات الانقلاب على نظام المحاصصة برمته، ولكن تحليل الهاشمي يأخذ بالاحتمال الآخر أي «التمرد السلبي» خوفاً على المصالح الطائفية، وهو لهذا السبب لا يضيف شيئاً لهذا التحليل الذي يدور على نفسه داخل منطق النظام ولا يستطيع أن يتصور أي مخرج آخر من المتاهة الأميركية في العراق إلا إعادة إنتاجها، إنتاج المتاهة!

* كاتب عراقي