جبل الجلبوع الذي لعِبَت يوماً العذراوات الكنعانيات والعامريّات، بين زنابقه النادرة المازجة أبدع الألوان في تُوَيجاتها، وكثيراً قبل أن يسرق «وليم هاين» اسمها لتُسمّى باسمه، والذي حمى ميمنة جيوش عين جالوت ورواها لتوقف زحف تتار تلك الأيام، ينتصب اليوم وفي حلقه غصّة، وقد زرع تتار اليوم في خاصرته أسلاك شائكة تدمي حريّة أحفاد الظاهر.

أولئك الأحفاد، الحركة الأسيرة الفلسطينيّة، هؤلاء البشر الذين حملوا، كما كل أسرى الحريّة في شتّى البقاع، أغلى قيمة يملكها الإنسان: الروح، على الأكفّ دفاعاً عن شعبهم في وجه تتار اليوم، كل بطريقته، وفقط بمحض الصدف ظلّت لهم هذه القيمة، مستبدلة نفسها بالقيمة الثانية مكانةً: حريتهم. أولئك الآلاف المنسيّون من غالبيّتنا، يسجلّون يوميّاً على أسمائهم عشرات «براءات الاختراع والاكتشاف» وفي شتّى أوجه الحياة، وسلاحهم في غالب الأحيان بطون خاوية وإرادات عالية.
يستطيع علماء علم الاجتماع، إن كان بعد عندهم شك، أو حاجة لبيّنة إثبات على الطاقة الكامنة في الإنسان على التأقلم في كلّ ظرف، بل والبدء، إن كان واعياً، أسرع مما يُتصوّر في التأثير في الاقليم ومن ثمّ التغيير فيه ومهما قسا، يستطيعون أن يذهبوا لدورات استكمال عند أولئك الناس ليخرجوا بالبينّة القاطعة الدامغة في القدرة الجبارة تلك، ولن يبخل أولئك عنهم بالبيّنات.
بعد أن تأقلمت أنا الآخر «الأسير الأمنيّ» الجديد، والحقّ أقول أسرع ممّا تصورت وليس فقط بحكم نيّتي المسبقة، وإنما بحكم نوعيّة أولئك الناس الذين كنت ألقاهم محامياً أو نائباً، وها أنا ألقاهم شريكاً. صرت أجلس أحياناً في «الفورة»، وأروح أتخيّل هذا الأسير الأمني الدائر في الساحة عكس عقارب الساعة تقليداً، وبعد لم يكد يشفى من جراحات الزنازين الانفراديّة، أتخيّله في شروده مفكراً: «أنت محتَلّ أرضي، وقد استطعت أن تحتلّ حريّتي، في مواجهة غير متكافئة بيننا لتجعلها اليوم بيني وبين سجّانك، فأنت المسؤول عن قطع رحلة حياتي الطبيعيّة الفرديّة، ولن أعفيك من تبعات ذلك وستحمل غالياً ثمن أسري، وإن أمهلت يوما مورّثوك ثلاث سنين بعد أن لوّنوا دجلة والفرات بحبري عام 1258م، لأقتصّ منهم في عين جالوت عام 1261م، فيمكن أن أمهلك اليوم أكثر ولكني سأغبّ حتى الثمالة من رأس نبع عين جالوت، وسلاحي أحدّ ممّا تتصور، صبراً وجوعاً وعلماً كذلك أفقدتني إياه بعد أن خرّبت معاهدي».
كان وجه عميد الأسرى، الموجِّه العام، مشعّاً عندما جاءني معيداً عليّ ما كان هو وغيره أسمعوني أنا الشريك الجديد، ولكن هذه المرّة، وباختلاف النبرة، يقول: «أنت تعرف، أنه عندما بدأت تعجّ السجون الإسرائيليّة بالمقاومين بعد الـ1967، كانت ظروف الاعتقال أصعب من أن توصف، وكان لا بدّ من التغلّب عليها ليس صموداً فقط وإنما تحسينا، ولم يكن الأمر ليتأتى لولا أن امتشقنا سلاحنا المتوفر، ألا وهو بطوننا، رغم أن هذا النوع من السلاح يؤلم من يمتشقه أكثر مرّات من الموجه ضده، لكنه يفتك به في النهاية فيخضع.
وها أنا أزفّ لك، أننا استطعنا أن نعيد استلال الحقّ في التعليم الجامعيّ، الذي كنّا استللناه سابقاً لكن الانتفاضة الثانية ونتائجها جعلت المحتلّ ينتزع منا هذا المكتسب، صحيح أننا أعدنا المكسب وبعد نضال عقد من الزمن، وإن ليس بموافقة سلطات السجون ولكن بصمتها، ونريدك في اللجنة التعليميّة ومدرسّا!».
مع إطلالة العام 2016 افتُتحت «جامعة الجلبوع» فرعاً لجامعة القدس العربيّة، وبصف من 23 طالباً نحو «البكالوريوس» في الخدمة الاجتماعيّة، وما أحوج أبناء شعبنا مستقبلاً لعمال اجتماعيين من مثل أولئك الذين جعلت منهم حياة الأسر خبراء اجتماعيين تنقصهم الشهادة ليس إلا، وكان علينا أربعة مدرسين أن نشقّ لهم الطريق إليها، ومرّت الأيام وخلال 9 أشهر قطعنا مع الطلاب ثلاثة فصول، آخرها كثّفته لأن رحلتي وإياهم كانت على شفا الانقطاع ولم أغادر قبل أن أنهيت لهم المنهاج المقرّر وزودتهم بعلامات الفصل الثالث.
كادت الدمعة تفرّ من عينيّ حين ودعوني بـ«احتفال» خاص، وكتبوا ما تيسّر لهم من كلمات ملقين بعضها في حفل الوداع، فقد كتب أحدهم:

تأقلمت أنا «الأسير الأمنيّ» الجديد أسرع ممّا تصورت

«كانت الأمنية والرغبة أن أستفيد منك أكثر وأتعلم منك أكثر، من خلال أسلوبك المميّز والرائع، ولكن شاءت الظروف وكما هي عادة السجون أن تختزل هذه المدة وأن أتواجد في قسم آخر... فأطلب منك أن تساعدني في التعلم عبر مجموعة من الوظائف سأجتهد لحلها وفهمها كما يبغي وكما أرغب في التعلم والفهم... وفي كل الأحوال لك الشكر والاحترام وكان شرفا لي أن أكون أحد طلابك...».
وآخر: «لقد علمتني أن الفلسطيني سيبقى فلسطينياً وإن حاولوا سلخه عن هويّته، وأن النضال وعلى اختلاف أشكاله يصب في صالح الوطن، وأن الحلم وإن طال تحقيقه يبشرّ بقربه، وأننا لسنا وحدنا هنا وإن تخلى عنا الجميع وذهبوا، فلا بدّ يوماً بأن يعودوا، وأن الدين أو العرق أو المذهب أو المعتقد ليس إلا فرداً وأن الوطن أكبر من أن يكون فرداً... لقد كنت لي، يا والدي الطيّب، رغم كل الظروف التي عشناها بقساوتها معلّماً صادقاً ترى بي أملاً قادماً، وسأكون بإذن الله...».
وثالث: «لقد كنت يا... بنظري رجلاً بزمن قلّ به الرجال. كنت مثلاً أعلى وقدوة حسنة... إنني استفدت منك بكل فرصة جلسنا بها معك، وكنت أنتهز الفرصة للصيد في بحر معرفتك وخبرتك للحياة، وفي كل مرّة كنت أرى مدى حدة نظرك، وعمق طرحك للأمور... وأنا أقول لك وبكل تواضع لقد كان لي الفخر بأن أتعرف على رجل بقدرك...».
أمّا «القصيدة» التي تعاونوا على نصّها وأختار هنا بعضها، فألقاها أحدهم نيابة وفي صوته بحّة: «... عروبيّ وحبّه للوطن في الدم ساري... جميلك يا... في قلوب طلابك على طول الزمن... نفخر فيك دوم وما علينا لوم... وهذه شهادة حق نقولها في السرّ والعلن.
وإذا كتب ربنا والتقينا يوم... سنحملك على الأكتاف ونصيح ونقول:
هذا علم صاحب قلم... أديب السياسة وسياسي الأدب... إذا إحنا أحببناك وبقلوبنا سكناك فليه العجب؟
علمتنا المبتدأ وعلمتنا الخبر... علمتنا البلاغة وفهمتنا الفصاحة... علمتنا الفاعل والمفعول... علمتنا الفعل الماضي المعلوم والمبني للمجهول!
باختصار، علمتنا «كيف نحكي وشو نقول»... علمتنا الانحناء ممنوع من الصرف.
وعلمتنا الجد والاجتهاد في كل ظرف... زمان كان ومَكانْ. وعلمتنا التضحية مبتدأ أول وحبّ الشعب مبتدأ ثانْ...».
ربّ قاريء يقول: وما وجه هذا الكلام ؟!
هذا الكلام أنقله لأنه يشرّفني أولاً، ولكن الأهم لأنه دليل على الطينة التي جُبل منها هؤلاء الأبطال، ولأن جُرما نرتكبه حين ننسى مثل هؤلاء وراء الأسلاك وفي الزنازين عزّلا إلا من «بطونهم» سلاحاً. وأنقل هذا الكلام لأنه عن أناس قدّموا أغلى ما يملك بشرّي فداء لشعبه، وما زال يحلم أن يخدم شعبه «خدمة اجتماعيّة» فوق خدماته الجليلة التي يقدّمها، وأقوله لأن فيه: أن ثمرة التضحية دائما أنضج وأكبر، فالتضحيات التي بذلها هؤلاء وما زالوا يبذلون تهزم أعتى الأسلاك.
أقول هذا الكلام تحيّة وعلى الملأ لمن يستحق أكرم التحيّات، ووعداً عندي لكم الكثير وما دامت «أم رشدي الباقوية»، ومنذ أكثر من ثلاثين عاماً تجرّ نفسها على كرسيّ العجلات وجهاز الأكسجين معلّق بجانبها، لترى من خلف الزجاج «صغيرها».
* كاتب فلسطيني