اتضح هذا الأسبوع أن لدى الحزب الديموقراطي مخزوناً كبيراً من التأييد بين النخب الثقافيّة في العالم العربي. حالة من التفجّع انتابت طيفاً واسعاً في الإعلام العربي (السعودي والقطري التمويل في غالبه) أسىً وحزناً على خسارة هيلاري كلينتون. لم يكن واضحاً أن لهيلاري كلينتون (التي حازت دعم المؤسّسات المُهيمنة في صنع السياسة الخارجيّة وشركات النفط والسلاح التي تموّل مراكز الأبحاث في واشنطن) هذا الرصيد الوافر في الرأي العام العربي — أو في من يتحدّث باسم الرأي العام العربي المقموع. لكن فوز ترامب كان مُفاجئاً ربّما بسبب الثقة المفرطة باستطلاعات الرأي. واستطلاعات الرأي، كما العلوم السياسيّة، ليست علماً لا بل هي متطفِّلة على العلوم. لا يجب أن تكون مهمّة «العلوم السياسيّة» التنبؤ واصطناع العلميّة، كما حذّرت حنة ارندت. لكن شركات استطلاع الرأي هي «بزنس»، وهي تدرّ الملايين على شركات منتشرة في طول البلاد وعرضها. والاستطلاعات كانت غير متناسقة، ولم ينسجم بينها في توقّع حظوظ ترامب في الفوز إلّا الشركة التي أعدّت الاستطلاع لحساب «لوس أنجلوس تايمز» وجامعة جنوب كاليفورنيا. لكن حديث نقد الاستطلاعات هو حديث آخر.

والتحليل العربي للانتخابات، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، عبّر عن إيمان عميق بالفصل الأيديولوجي والسياسي بين الحزبيْن المتنازعيْن في أميركا، مع أن الشعب الأميركي يتحرّك بليونة ورشاقة بين الحزبيْن في الانتخابات. لكن لأوباما سحره بين العرب: نهلة الشهّال، في حديث تلفزيوني، أثنت على ثقافته و»هضامته» وحتى على «أناقته» (ما حكاية الإعجاب بأناقة الحكّام؟ أذكر أن ياسين الحاج صالح أشاد بأناقة رفيق الحريري في تفجّعه الخنسائي عنه). والشباب العربي على مواقع التواصل يتناقل صور لأوباما وزوجته وصديقه جو بايدن، ويتنهّدون إعجاباً بشخصه. تخال أن أوباما هذا هو غير ذلك الذي تنهمر قنابله وصواريخه فوق رؤوس الآمنين والآمنات في العالم العربي والإسلامي. وأوباما لم ينهِ حروب بوش كما وعد، لا بل زاد عليها. لكن هناك مَن يقطن في لبنان ويحاجج مقيماً في أميركا أن الحزب الديموقراطي هو أصلح له، أي إن هناك من يقيم في العالم العربي ومَن يستثمر في الصراع بين الحزبيْن كأن الأمر ذو ارتدادات إنسانيّة عالميّة. والقول بانعدام الفروقات بين الحزبيْن هو مثل الإيمان بعمق الفروقات بيْن الحزبيْن، أي إنه ينزع إلى المفاضلة بين أجنحة الطبقة الحاكمة عينها.
تستطيع أن تردّ فوز ترامب إلى فشل الحزب الديموقراطي ليس في محاولته المنهكة لجذب الجمهوريّين، بل في محاولته منذ صعود بيل كلينتون لمنافسة الحزب الجمهوري في تقويض «البرامج الاجتماعيّة» وفي ما يُسمّى هنا «تقليص الدولة». أكثر من ذلك، إن الحزب الديموقراطي حاول في عهد كلينتون وعهد هيلاري أن ينافس الحزب الجمهوري في التمثيل الأفضل للناخب الأبيض. وهناك نظريّة للمؤرّخ في جامعة ألسكا، كنيث أورايلي، في كتابه «بيانو نيكسون: الرؤساء والسياسات العنصريّة من واشنطن حتى كلينتون»، الذي يصل فيه إلى خلاصة أن كل الرؤساء الذين تعاقبوا خاضوا حملاتهم الانتخابيّة على أساس عقيدة تسلّط وتفوّق البيض على السود. ومع أن الكتاب صدر في عهد كلينتون، يمكن أن نضيف إليه بسهولة عهدي بوش الأبن وأوباما. قد يكون أوباما أقلّ رئيس تحدّث عن العنصريّة البيضاء ضد السود في السنوات الماضية لأنه كان حريصاً على عدم استعداء الناخبين البيض. وخطب أوباما عن التوتّر العرقي هي خطب تُبرِّئ دوماً الرجل الأبيض من المسؤوليّة عن العنصريّة، وهي أيضاً شهادة براءة ذمّة للبيض من أوّل رئيس أسود (لكن هذا الرئيس لا يمكن أن يتحدّث عن الأعراق من دون تذكير جمهوره بجدّته البيضاء).

كيف حلّ ترامب المعضلة الديموغرافيّة

يعاني الحزب الجمهوري من أزمة وجوديّة متصلة بالتغيير الديموغرافي في البلاد. ثبّت ريتشارد نيكسون دعائم ترسيخ الحزب الجمهوري في الجنوب، والاستيلاء على الناخبين الديموقراطيّين البيض فيه (كان الحزب الديموقراطي هو معقل العنصريّة والفصل العنصري في الجنوب) من خلال ما سُمّيَ «استراتيجيّة الجنوب». وكان الحزب الجمهوري في وضع لا بأس به في السبعينيات والثمانينيات — لم يُعكّر عليه إلّا ولاية واحدة لجيمي كارتر— لكن نسبة البيض في تناقص مستمرّ في البلاد. ففي منتصف الثمانينيات كانت نسبة الناخبين (والناخبات) البيض تبلغ نحو ٨٥٪ فيما بلغت في الانتخابات الأخيرة نحو ٦٩٪. ولأن اقتراع السود واللاتينيّين والأسيويّين هي لمصلحة الحزب الديموقراطي (وإن كانت نسبة التأييد منهم لهيلاري أقل من تلك النسب التي نالها أوباما في عام ٢٠٠٨ و٢٠١٢،) فإن مرشّح الحزب الجمهوري يحتاج بصورة ماسّة إلى جذب تأييد النساء. وهنا المفارقة التي وقعت فيها هيلاري كلينتون: هي كانت (مثل أي مرشّح رئاسي ديموقراطي) تحتاج إلى ما لا يقلّ عن نسبة ٤٠٪ من البيض (تخطّاها أوباما إلى نسبة ٤٣٪ في عام ٢٠٠٨ ووصل إلى نسبة ٣٩٪ في عام ٢٠١٢، لكنها لم تنل منها هيلاري إلاّ نسبة ٣٧٪ وهي غير كافية، خصوصاً أن نسبة تأييدها بين اللاتينيّين انخفضت من ٧١٪ من عام ٢٠١٢ لمصلحة أوباما إلى ٦٥٪ لمصلحتها في هذه الانتخابات. وهذه النسبة مذهلة بناءً على الحملة العنصريّة غير المستترة التي شنّها ترامب على المهاجرين من أصل لاتيني: أي إن نحو ثلث اللاتينيّين صوّتوا لترامب. وانخفضت نسبة تأييدها بين طلّاب الجامعات (بين ١٨ و٢٩ سنة) من ٦٠٪ لمصلحة أوباما في عام ٢٠١٢ إلى ٥٥٪.
عبّرت حملة ترامب عن مخاوف عنصريّة للبيض من التغيير الديموغرافي الهائل في البلاد. إن مستقبل الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة بعد بضع سنوات فقط ــ عندما يستمرّ الازدياد في نسبة اللاتينيّين والمهاجرين الملوّنين بين السّكان ــ ينعكس حاضراً في ولاية كاليفورنيا التي أصبحت مستقلّة تماماً في خياراتها السياسيّة مقارنة بباقي الولايات. وليس هذا بناءً على توجّه ليبرالي عام للبيض في الولاية. لا، إن التغيير السياسي نتج من زيادة نسبة الملوّنين بين سكّان الولاية: فنسبة البيض باتت أقلّ من النصف (٤٢٪ من السكّان) فيما زادت نسبة اللاتينيّين إلى ٣٧٪، ونسبة الآسيويين هي ١٥٪ ونسبة السود هي ٧٪، أي إن نسبة الملوّنين تزيد على نسبة البيض. وتغيّرت كاليفورنيا من ولاية انتخبت بنسب كبيرة رونالد ريغان مرتيْن في ١٩٦٧ وفي ١٩٧١ إلى ولاية يصعب فيها على الجمهوريّين الوصول إلى مناصب تمثيليّة على مستوى الولاية. هذه النتيجة باتت مستحيلة لأن الثقل الاقتراعي للبيض تقلّص كثيراً ولا يفوز بمركز المحافظ مَن يهمل أو يهين السكّان اللاتينيّين. (وكانت أهواء اللاتينيّين منقسمة بين الحزبيْن حتى عام ١٩٩٤ عندما قاد المحافظ الجمهوري للولاية بيت ويلسون، قانون حرمان المهاجرين «غير الشرعيّين» من الخدمات الاجتماعيّة. رأى اللاتينيّون في هذا القانون تعرّضاً مباشراً لهم، ما أدّى إلى هجرتهم زرافات ووحداناً من الحزب الجمهوري لمصلحة الحزب الديمقراطي (يُستثنى من هذا التصيف اللاتينيّون من أصل كوبي لأنهم — خصوصاً المسنّين منهم — يقترعون بطريقة لا تتطابق مع اقتراع باقي الأميركيّين من أصول تعود إلى بلدان مختلفة في أميركا اللاتينيّة).
لم يعمد ترامب إلى جذب الملوّنين كما توقّع البعض. على العكس، هو أهان اللاتينّيين في أوّل خطاب ترشيحي له، ووصف المهاجرين من المكسيك بـ»المغتصبين» و»المجرمين». لكن حملة ترامب اعتمدت على تحميس الناخبين البيض وتجييشهم. لم تكن الحملة العنصريّة البيضاء خفيّة على أحد، وهو عرف كيف يلعب بمخاوفهم وأهوائهم، تارة عبر تلميحات معادية للمهاجرين - كل المهاجرين - وطوراً عبر تحقير الأقليّات المسلمة والمكسيكيّة وحتى اليهوديّة (هناك تيّار معادي للساميّة في حملة ترامب، وشارك هو فيها، لكن الصهاينة — كعادتهم — يسكتون عن معاداة السامية عندما تصدر عن مؤيّدي دولة العدوّ الإسرائيلي). عرف ترامب أن تحميس البيض (وذكورهم باتوا العمود الفقري للحزب الجمهوري) سيؤدّي النتيجة، خصوصاً أن هيلاري لم تستطع أن تحمّس القاعدة (لأسباب شخصيّة وجندريّة) كذلك فإنّ ترامب فعل ما فعله رونالد ريغان في الثمانينيات عندما جذب إلى صفّه العمّال الصناعيّين (أو البيض من ولايات كانت في ما مضى صناعيّة لكن التجارة الحرّة قضت على مصانعها). هذه الوصفة حقّقت لترامب النجاح من دون الاستعانة بوصفة اعتداليّة لتعزيز حظوظه بين الملوّنين والنساء. والنساء البيض انجذبن إلى عامل التجييش العنصري المبطّن لأن العرق الأبيض هنا شعر بالهزيمة والإحباط، ورفع لهم ترامب شعار «لنجعل من أميركا عظيمة مرّة أخرى». وشعار الحنين للعودة إلى الماضي (العنصري والذكوري والنخبوي المقيت — مثل شعار «الزمن الجميل» في لبنان) ينتاب الكثير من البيض هنا، من الأثرياء ومن الفقراء ومن أبناء الطبقة الوسطى وبناتها. إنه الحلم بقطف ثمار كانت حكراً على أقليّة طبقيّة وعنصريّة وذكوريّة صغيرة.
لكن من مصلحة الحزب الديموقراطي أن ينسب نزوع ملايين البيض في عدد من الولايات الصناعيّة (سابقاً) إلى وتر العنصريّة. لكن هذا تفسير وحيد: العنصريّة هي تعبير عارض لمرض عضال آخر. إن الحزب الديموقراطي هو الذي نبذ جمهوره من الطبقة العاملة ومن المراتب الأدنى من الطبقة المتوسّطة عبر سياسات متصالحة مع عقيدة الحزب الجمهوري، أو حتى عبر المزايدة على الجمهوريّين: من قوانين مشدّدة لفرض أحكام طويلة على متعاطي المخدّرات من الفقراء، إلى تقليص خدمات الرعاية الاجتماعيّة للمعوَزين، إلى تعظيم سلطات الشرطة وتزويدها بسلاح الجيوش، إلى القضاء التدريجي على سياسات «العمل الإيجابي» الذي كان يستهدف رفع مستوى النساء والأقليّات في التنافس الاقتصادي، إلى دعم الشركات الكبرى المتعدّدة الجنسيّة على حساب حقوق العمّال في البلاد. كل هذه السياسات كانت جزءاً من البرنامج الذي فاز فيه بيل كلينتون بالرئاسة، مرتيْن. ولم يكن صدفة أن يرتبط اسم الفشل الذي لحق إدارة بيل كلينتون (خصوصاً في الصعيد الاقتصادي، وخصوصاً بعد أكثر من عقد على نهاية ولايته، لأن الأزمة الاقتصاديّة الكبرى في عام ٢٠٠٨ كانت من صنعه ومن صنع الجمهوريّين على حدّ سواء). والبيض المُتضرّرين من السياسات النيوليبراليّة هم الذين انجذبوا لحملة برني سندرز مبكراً. أي إن الحزب الديموقراطي في انتهاجه لسياسات نيوليبراليّة نفّر جمهوره التقليده من العمّال وذوي الدخل المحدود، وأرخى من عصبه الحزبي التقليدي، ما جعلهم عرضة لدعاية الحزب الجمهوري.

الشخصانيّة في الانتخابات

يتأثّر السلوك الاقتراعي الأميركي بالعامل الشخصاني في المعركة الرئاسيّة. إن النظام الرئاسي الأميركي فريد من نوعه: فهو نظام رئاسي يحتلّ فيه الرئيس موقعيْن في الأنظمة البرلمانيّة. هو في آن واحد الرئيس التنفيذي للحكومة، وهو أيضاً رمز البلاد ووحدتها، أي هو الملك ورئيس الحكومة معاً. والاختيار بين مرشحَي الحزبيْن هنا يخضع لمعايير غير سياسيّة. الرئيس الأميركي هو شخص يدخل إلى مخادع الناخبين والناخبات عبر الشاشات بصورة يوميّة. هو يصبح في سنوات حكمه فرداً من أفراد العائلة، وعليه لهذا أن يكون قريباً من قلوب الناس. والعامل الشخصاني يُقلّل من المُقرِّر الأيديولوجي للناخب، وهو مسؤول أيضاً عن رخاوة التحزّب في البلاد. أي إن هناك مَن ينتقل من ضفّة إلى أخرى بناءً على سحر مرشّح ضد آخر. هذه كانت الهالة التي ساعدت آيزنهاور في حملته في عام ١٩٥٢ مع أنه لم يكن قد تولّى منصباً سياسيّاً قبل تبوّئه منصب الرئاسة (انتقل من القوّات المسلّحة إلى رئاسة جامعة كولومبيا).
قد تكون الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة هي الوحيدة التي يُسأل فيها المواطنون عن تفضيلهم بيْن رجليْن (هم دائماً من الرجال قبل هذه الانتخابات) لاحتساء الجعة: يُسأل المواطن، مَن تفضّل بينهما كي تذهب معه إلى حانة؟ وغالباً ما يكون التفضيل الاجتماعي موازياً للتفضيل السياسي. وهذا ممكن هنا بسب رخاوة التحزّب. والفوز في الانتخابات الرئاسيّة يشهد دوماً نزوحاً لفريق من الناخبين والناخبات من حزب إلى آخر. وعلى المُرشّح أن يوازن بين ضرورات إسعاد الناخبين في الانتخابات داخل كل من الحزبيْن (أي إن هيلاري سعت إلى إرضاء الليبراليّين في انتخابات الحزب الديموقراطي، فيما سعى ترامب إلى إسعاد المحافظين في الحزب الجمهوري). لكن نقلة هيلاري من الليبراليّة إلى الوسط (حسب الوصفة السياسيّة الشهيرة لريتشارد نيكسون) لم تكن موفّقة كما نقلة ترامب من المحافظة إلى المحافظة. أي إن ترامب حقّق نصراً مزدوجاً: لم يلبِّ ضرورات الوصفات السياسيّة التقليديّة حول ضرورة الميل نحو الوسط لتوسيع القاعدة الانتخابيّة، وفي هذه النقلة محاذير لأنها تضعف من قدرة المرشّح على تحميس القاعدة الانتخابيّة الحزبيّة وتعبئتها. وقد وصلت هيلاري مُنهكة إلى الانتخابات النهائيّة بعد أن أفقدها برني سندرز الكثير من رصيدها الليبرالي المنفوخ.
وشخص ترامب جذب الجمهور إليه لأنه تكلّم بلغة بسيطة ومبسّطة، فيما لجأت هيلاري — مثل زوجها — إلى لغة المحامين المحتقرين. هيلاري، كما بيل، تريد أن لا تخسر أي قطاع بين الناخبين، فتفقد من هذه اللعبة كل القطاعات، أو حماسة كل القطاعات. عندما يحاول المرشّح أن يجذب الجميع يفقد سحره وقاعدته. لو أن هيلاري استطاعت أن تعبّئ القاعدة وأن تستخدم لغة وبرامج أقلّ وسطيّة لكانت قد قدرت على زيادة نسبة ناخبيها، وربما كانت استطاعت أن تحافظ على البيض العمّال الذين مالوا نحو ترامب في آخر مرحلة من الانتخابات. لكن هذا لا يقلّل من عامل العنصريّة الذكوريّة الذي أضرّ بهيلاري، خصوصاً أنها فشلت في تعبئة النساء، كنساء خوفاً من غضبة ذكورية. وأميركا متخلّفة عن معظم دول العالم في تمثيل النساء (وصلت النساء إلى القيادة السياسيّة في أكثر من ٧٠ دولة في العالم، كذلك فإن نسب النساء في الكونغرس هي من الأقلّ في العالم. وولاية أوكلاهوما منعت حتى الأربعينيات النساء من الترشّح في الانتخابات). ووصف الرئيس الأميركي بـ»القائد الأعلى»، يضفي على المنصب مسحة ذكوريّة غير خافية.

وهج أصحاب الثروات

ظاهرة ترامب هي — في جانب منها — ظاهرة عالميّة. يصعد صاحب مليارات إلى منبر الشهرة والنفوذ — سعياً وراء السلطة — ويشتري الإعلام (مثل برلسكوني أو رفيق الحريري)، أو هو يستعمل الإعلام بمهارة، مثل ترامب على مرّ سنوات طويلة، فيصبح مألوفاً من قبل الناس. هو مثل الممثّل الذي ينتخبه الناس لظنّهم أنه قريب منهم لأنهم رأوا رأسه العملاق على الشاشة (لكيرك دوغلاس نظريّة مفادها أن سحر ممثّلي السينما يكمن في حجم رأس الممثّل وجسده على الشاشة، فيظنّ الناس أنهم عمالقة، فوق الناس، ما يزيد من تقديسهم لهم). وفي عالم يُروّج لأنماط عيش المشاهير والأثرياء (كان هناك على قبل سنوات برنامج أميركي شهير اسمه «أنماط عيش المشاهير والأثرياء»)، فإن أصحاب الثروات (مثل ترامب أو الحريري) يخدعون الناس بثروتهم فيبيعونهم أحلام توحي أن وصول أصحاب المليارات إلى السلطة سيؤدّي إلى نقل ثرواتهم الخاصّة إلى الناس من خلال سياساتهم، فيما يعمد أصحاب المليارات (مثل برلسكوني والحريري) إلى سرقة أموال الناس وكنزها مع ثرواتهم الخاصّة.

معاداة الثقافة والنخب المثقّفة

لم يكن ماو تسي تونغ سيحتاج إلى ثورة ثقافيّة في هذه البلاد. لم يكن بحاجة إلى نقل طبقة المثقّفين إلى «مخيّمات عمل». تعم في هذه البلاد نزعة احتقار (صحيّة) وعداء نحو المثقّفين. وهذه النزعة صاحبت تأسيس الجمهوريّة والفصل الطبقي و»النوعي» (من قبل «الآباء المؤسّسين») بين الملّاك والمحامين والمتعلّمين وبين العامّة (البيض، حكماً لأن السود والنساء والملوّنين كانوا مستثنين بقصد) من المزارعين والعمّال والحرفيّين. ومعاداة الثقافة والمثقّفين متأصّلة إلى درجة أن صفة الثقافة تُرمى عادة ضدّ مثقّف مُرشّح: هذه عانى منها مايكل دوكاكس في عام ١٩٨٨ وعانى منها أوباما في عام ٢٠٠٨، وسخرت حملة جورج دبليو بوش من المُرشّح جون كيري في عام ٢٠٠٤ لأن كيري يتحدّث الفرنسيّة. مُرشّح يتحدّث بلغة أجنبيّة؟ يا للهول. يُبسّط المثقّف المُرشّح لغته هنا للظهور بمظهر البسيط، وبرع بيل كلينتون هنا في ارتياد مطاعم ماكدونلدز في عام ١٩٩٢ لأن هذا قرّبه من الناخب العادي وأبعد عنه شبهة النخبويّة.
والمفارقة أن الملياردير ترامب نجح في التقرّب من الإنسان العادي أكثر بكثير من غيره. المعركة كانت بين صاحب مليار أو ملياريْن (ترامب يبالغ كثيراً في حجم ثروته، ولهذا هو يرفض نشر وصولاته الضرائبيّة) ضد مرشّحة تملك مع زوجها ما لا يقلّ عن ١٥٠ مليون دولار (جنوا معظمها من سلالات النفط والغاز). لكن هيلاري تتحدّث بلغة النخبة، فيما لم يستعمل ترامب إلّا بسيط الكلام وفضّل الكلام العفوي على الخطب المكتوبة (وهذا غير مألوف هنا في الانتخابات الرئاسيّة، ونجح ساندرز أيضاً في الكلام العفوي البسيط). وكان ترامب يزهو أن يأتي بطعام الوجبات السريعة إلى طائرته الخاصّة، وكاد الناخبون البيض في الولايات الصناعيّة (سابقاً) يصيحون: يا إلهي. إنه ذو دخل محدود مثلنا.
لكن الغضبة الشعبيّة نحو النخبة تمثّلت في تبلور إجماع نخبوي (بين أقطاب الإعلام وأساتذة الجامعة وكتّاب الرأي وأبواق مراكز الأبحاث (المُموّلة خليجيّاً وصهيونيّاً) إلى جانب هيلاري. كان هذا التراصّ النخبوي سيؤدّي إلى ردّ فعل عكسيّ. وكلّما سخرت النخبة من شعبويّة وبلاهة محطة «فوكس نيوز»، زاد عدد مريديها (معظمهم الساحقة من البيض الذكور). والمؤسّسة الحاكمة، خصوصاً في جناح صنع السياسة الخارجيّة، تآزرت في نصرة هيلاري، خصوصاً أن حملتها الانتخابيّة كانت صريحة في توجّهاتها الحربيّة التي فاقت حروب عهد أوباما.
الإعلام العربي أجرى مفاضلة بين هيلاري وترامب. ليس هذا مجال التعليق على المفاضلة التي تحتاج إلى معالجة منفصلة، لكن الإعلام السعودي انتقل من خندق هيلاري إلى خندق ترامب بين ليلة وضحاها، فيما كتّاب الإعلام القطري يصرّون على أن إعلام النظاميْن السوري والإيراني رحّبا بترامب، متجاهلين (بأوامر) الترحيب الكبير الذي تغدقه «الشرق الأوسط» يوميّاً على ترامب.
حاول الديموقراطيّون في أميركا، وحتى أنصارهم في العالم العربي، تسويغ تأييد هيلاري كلينتون (ذات برنامج التوسّع الحربي) تحت شعار «الاختيار بين أهون الشرّيْن». وكانت هذه حجة نوم تشومسكي في دعوته لتأييد هيلاري. لكن في مقالة لها بعنوان «المسؤوليّة الشخصيّة تحت حكم الديكتاتوريّة»، تقول حنة أرندت: «عندما تواجه شرّيْن، هكذا تقول الحجّة، فإن واجبك أن تختار الشرّ الأقلّ، لأن من عدم المسؤوليّة رفض الاختيار بينهما. والذين يدينون المغالطة الأخلاقيّة لهذه الحجّة، يُتهَمون بأخلاقيّة خالية من الجراثيم، وهي أخلاقيّة منافية للظروف السياسيّة... لكن سياسيّاً، فإن ضعف الحجّة هذه يكمن في أن الذين يختارون أهون الشرّيْن، ينسون بسرعة أنهم اختاروا شرّاً».
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)