قطيع القرش يمخر عباب البحر ضمن معادلة تفاهم عليها أفراد القطيع، فكل واحد منهم مفترس، لكن العهد بينهم ألّا يفترس أحدهم غيره من أفراد القطيع.

تجد بهم رائحة الدم وطعمه ويزدادون افتراساً، لكنهم يلتزمون التفاهم، فلا تمتد أسنان أحدهم المنشارية إلى جسد عضو الفريق، أو عنصر من عناصر القطيع. وفي الولايات المتحدة درجت عادة قطيع الأغنياء وأصحاب الاحتكارات على عدم افتراس احتكار للاحتكار الآخر. بل درجت العادة التي نمت وتطورت مع تطور رأس المال الأميركي على التوصل إلى معادلات حول تقاسم الأرباح وتوزيع حصص دماء الشعوب على الاحتكارات. لكن "التطور والتراكم" أديا إلى بروز احتكارات فاقت بأرباحها حصص الاحتكارات الأخرى، وذلك تحت تأثير قوانين العرض والطلب في الأسواق محلياً وعالمياً. فحللت الاحتكارات لنفسها ما لا تجيزه الأخلاق وما لا تسمح به المبادئ الإنسانية الأساسية. فلم تعد للإنسان قيمة لدى هؤلاء إلا بمقدار ما يدرّ سحق رأس الإنسان عليهم من مال.
وبرزت في خلال القرن الماضي، ومنذ الحرب العالمية الأولى، احتكارات الصناعات العسكرية ثم الصاروخية ثم الإلكترونية. وحافظ احتكار النفط ومشتقاته على مكانته، فيما تراجعت قيمة احتكارات أخرى رغم أنها بقيت ضمن نادي المحتكرين.
وأصبح لدى هذه الاحتكارات أهداف بعيدة المدى تغذي أحلامهم بها مطامعهم وأطماعهم في مراكمة مزيد من الأرباح، وتحولت الحروب أداة لهذه الاحتكارات لتبيع الأسلحة والصواريخ والطائرات والدبابات دون رادع يردعهم عن التسبب بقتل الملايين من أبناء البشر. وأصبحت الحروب وسيلتهم لزيادة الأسواق التي يتحكمون بها ويحكمونها، ولم يتوانوا عن وضع مصير الكرة الأرضية برمتها تحت الخطر من أجل ربحهم وصراعهم مع قطعان القروش الأخرى.

الولايات المتحدة ستستمر
في السعي
إلى جني
أكبر الأرباح بطرق
مختلفة

ودرجت العادة في الولايات المتحدة أن تتحكم هذه الاحتكارات وأموالها بالحزبين الجمهوري والديموقراطي. لا بل نستطيع القول إن تنافس الاحتكارات هو الذي دفعها إلى تنمية هذين الحزبين والحفاظ عليهما ميداناً للصراع بينهم بدلاً من اللجوء إلى السلاح داخلياً، وجرى الاتفاق بينهم (دون أن يكون ذلك مكتوباً وموقعاً) على أن يوظف الاحتكاريون بالتنافس "وربما بالتناوب" رئيساً للولايات المتحدة يشكّل عنواناً رئيسياً لكبير الموظفين في الإدارة الأميركية، الذي يوكل إليه الاحتكار الفائز "أو الاحتكارات"، حماية مصالح الذي موّل حملته وعيّنه على رأس البيت الأبيض.
الرئيس في الولايات المتحدة هو موظف كبير، أو كبير الموظفين لدى هذه الاحتكارات. وإذا خرج هذا الموظف عن القاعدة وحاول أن ينفذ ما في ذهنه من أفكار وبرامج لمصلحة الشعب، تبدأ الضغوطات القاتلة، وإن لم تنجح هذه الضغوطات، يضغطون على الزناد فيقتلون كبير الموظفين الذي شق عصا الطاعة.
وفوجئ العالم هذا العام 2016 بأن الأميركيين انتخبوا دونالد ترامب. ويحق لهم أن يصابوا بالدهشة، فقد كان واضحاً أن الشعب لم يصوت للجمهوريين – فقد فرض ترامب نفسه مرشحاً، فما كان من الجمهوريين إلا أن هرولوا محاولين اللحاق بترامب والإمساك بعربته المنطلقة، ووافق ترامب أن يتبنى الحزب الجمهوري ترشيحه للرئاسة! ترامب هو أول مرشح للرئاسة انتقل من موقع من يوظف الرئيس إلى أن يتسلم الرئاسة بنفسه ويصبح سيد نفسه وسيد قراره. وحوّل ترامب بفوزه الحزب الجمهوري وأغلبيته في الكونغرس إلى موظفين لديه قبل أن يجلس في المكتب البيضاوي. ليس هذا فحسب، بل بدأ يتصرف وينشط كرئيس قبل أن يلملم أوباما ثيابه من غرفة نومه في البيت الأبيض. وأهم ما فعله هو أنه أجرى محادثات وتوصل إلى اتفاق مع بوتين. ولا شك في أن الجميع يعرف أن العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة هي حجر الرحى في السياسة الاستراتيجية للولايات المتحدة.
ترامب الذي كان من نادي القرش الذي يعيّن رئيس الولايات المتحدة موظفاً لدى الاحتكارات، أصبح هو رئيساً، أي لم يعد الرئيس موظفاً، بل صاحب القرار. لذلك فإن الاستنفار بعد فوزه لم يقتصر على الاحتكارات الأوروبية المرتبطة بالاحتكارات الأميركية (التي تقرر لها حصصها من السوق العالمية)، بل عمّ الاستنفار الاحتكارات الأميركية التي تشاهد أحد أعضائها يتبوأ مركز الرئاسة، وهذا يعني عدم قدرتها على إدارة سياسته وتقرير مواقفه نيابة عنه!
وهنا تكمن أهمية ترامب وأهمية الاتصال به مبكراً والتفاهم معه حتى قبل أن يصل إلى المكتب البيضاوي، لذلك بدأ بوتين بمباحثات معه قبل انتقاله إلى البيت الأبيض.
ترامب من النمط الذي إذا أعطى وعداً قام بالمستحيل لتنفيذه، ولذلك من المهم أن تكون وعوده على الجانب الصحيح من المعادلة وإلى جانب الحق والعدل. وثقته بنفسه لا حدود لها، لكنه يعلن أن أي قرار يتخذه سيكلف مالاً، ولذلك لا بد من التدقيق والحساب ومراجعة الحساب. ويقوم بهذه الأعمال عادة (في شركاته) محترفون من الدرجة الأولى، (وذلك لضمان الربح). لذلك، سيدرس كل قضية بالطريقة التي يدرس فيها أي مشروع من مشاريع شركاته التي يحرص دائماً على أن يكون ناجحاً ومربحاً ومثمراً. وهو يعلم أن السوق له قواعده أيضاً، والقاعدة الأساسية هي "عش ودعهم يعيشون". لكن حسب قناعاته، إن مهارتك وقدرتك وكفاءتك وبعد نظرك هي الصفات التي تؤهلك لأن تربح أكثر.
ولذلك نفهم تماماً ماذا كان يقصد عندما قال: "نريد محاربة داعش، فلماذا نسعى إلى إسقاط بشار الأسد؟". ونفهم معنى كلامه بأنه سيطرد ملايين من المهاجرين غير الشرعيين، رغم أن أجهزة الإعلام المعادية له عمّمت كلامه ناقصاً، فلا بد أن نركز على الجزء الذي لم يركز عليه الإعلام الذي ما زال أداة الذين يوظفون الرؤساء، إذ أضاف ترامب "من ذوي السجلات الإجرامية ومهربي المخدرات والمتاجرين بها". إنه يشنّ حرباً على آفة المخدرات وأدواتها. لكن السؤال هنا يبرز بقوة: إذا استمر ترامب في اتخاذ قرارات نابعة من قناعات العمل لمصلحة الولايات المتحدة وإعادة بناء بنيتها التحتية المهترئة، وإعادة النظر في نظام التعليم... إلخ، فمتى يشنّ قطيع القرش الهجوم عليه لوضع حدّ لسياسته التي تخدم أميركا، لكنها لا تخدم مصالحهم القائمة على شنّ الحروب وامتصاص دماء الشعوب؟ لا بد من القول هنا: لقد أمر بن غوريون باغتيال جون كينيدي لأنه كان يخدم مصلحة الولايات المتحدة، واستخدم المافيا لتنفيذ ذلك، ثم قام الموساد بتصفية 11 رجل مافيا شاركوا في الاغتيال، فهل سيسمح ترامب بنشر ملف اغتيال جون كينيدي؟ وهل ستقف إسرائيل مكتوفة الأيدي إذا ما قرر ترامب ــ على سبيل الفرضية ــ أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية يجب أن تزال؟ لقد اتصل نتنياهو أكثر من 12 مرة يطلب موعداً فورياً من ترامب... حتى الآن، فلماذا يريد هذا اللقاء العاجل؟ إنه يريد أن ينتزع وعداً من ترامب، فهل من قائد عربي يطلب لقاءً ليأخذ وعداً من ترامب حول إنهاء الاحتلال الإسرائيلي؟ وسيواجه ترامب في حليف الولايات المتحدة تركيا، خصماً لما يسعى إليه الحليف التركي في سوريا والعراق ولما يطمع به. ترامب لا يتردد ولن يتردد في ضرب الإرهاب، لكنه لا يريد خلق أزمات حتى لدول تتحالف مع المنافسين التقليديين للولايات المتحدة، مثل روسيا والصين.
ومن الجهة الأخرى، سيواجه ترامب تعقيدات معاندة حلفاء الولايات المتحدة في الجزيرة العربية، خاصة بشأن التدمير المنهجي لليمن. إذ إن حلفاء أميركا في الجزيرة يموّلون الإرهاب في سوريا ويسلّحونه، ويدمّرون اليمن الذي شقّ عصا الطاعة للوهابيين في الجزيرة. وهنا سيجد ترامب أن عليه أن يقيم شراكة غير مسبوقة مع روسيا لمحاربة الإرهاب ولتقاسم النفوذ في الشرق الأوسط (وستصل الأمور إلى حدّ الطلب من روسيا التدخل في اليمن وليبيا). إن معرفتنا بشخصية ترامب مهمة كي تكون توقعاتنا أقرب إلى الواقع. وهنا لا بد من التأكيد أن دراسة إسرائيل و"ايباك"، وربما دول أخرى لشخصية ترامب هي أعمق وأكثر تشعباً، لكننا نراهن على أن معرفة الخطوط العريضة للعوامل التي تؤثر في قرارات ترامب ومعرفة أنه هو صاحب القرار وليس حزبه أو الاحتكارات، أمر مهم يجنبنا الوقوع في شبكة تعقدها الأبحاث المستفيضة والمعقدة.
كل هذا يعني أن الولايات المتحدة ستستمر في السعي إلى جني أكبر الأرباح بطرق مختلفة، لكن هذه الطرق ستكون مختلفة عن طرق بوش وكلينتون وأوباما... ستكون طرق دونالد ترامب.
* كاتب وسياسي فلسطيني