تظهر هذه الدراسة مسار تيار صوفي إسلامي حاول، كما غيره من التيارات، أن يفتح المجال أمام حرية المعتقد وحرية التصرف في مواجهة رجال دين متزمتين، وصل بهم الأمر الى قمع الفكر وحرية التعبير، والقضاء على المنطق والفلسفة والعقل، على أساس أن كل ما ينتجه هذا الأخير بدعة يجب وأدها في المهد. ما حصل في باكستان مؤخراً من قتل صوفيين على يد داعشي ينتمي إلى المذهب الوهابي هو مثال لهذا التيار الذي ما فتئ يمنع المجتمعات العربية من التقدم



تهدف هذه الدراسة إلى إلقاء بعض الضوء على التاريخ الاجتماعي لسورية بشكل عام، ودمشق بشكل خاص، خلال القرن السابع وصولاً إلى منتصف القرن الثامن للهجرة، ومقارنة هذا الماضي مع واقعنا الحاضر في بداية القرن الواحد والعشرين.

من الناحية السياسية، الصورة كانت شديدة الاضطراب؛ فداخلياً، كان الملوك الضعفاء يتعاقبون على حكم المناطق السورية التي كانت تشمل حلب وحمص وحماه وبعلبك، يقاتل بعضهم بعضاً باستمرار، يشكلون الاحلاف وينقضونها، يؤيد واحدهم أحد جوانب الصراع لفترة من الزمن ليعود في ما بعد ويؤيد الجانب الآخر. ولقد سجل مؤرّخو تلك المرحلة أمثلة عديدة عن الأمراء الأيوبيين، وهم إخوة في معظم الاحيان، يتصارعون من أجل الاقاليم التي يريد كل منهم ضمّها الى إمارته (1). أما خارجياً، فثمة قوتان تهددان وجود هؤلاء الملوك الصغار: أولاهما الصليبيون الذين كانوا يحاولون الوصول الى الاراضي المقدسة عبر تركيا وعبر مصر عن طريق البحر (2)، وثانيتهما الخطر الداهم والبارز الآتي من التتار تحت قيادة جنكيز خان.
يذكر المؤرخون الدمشقيون بخوف واضح الخطرين معاً، ولا يفوتهم توجيه اللعنات الى العدو مهما كان نوعه (3): «في هذه السنة عمّ البلاء وعظم العزاء بجنكيز خان المسمى بتيموجين لعنه الله تعالى، ومن معه من التتار قبحهم الله أجمعين».
ولفد ساهم رجال الدين، الوعاظ والخطباء على حدّ سواء، بشكل بارز، في إعداد الناس للحرب. فسبط ابن الجوزي على سبيل المثال، وهو واعظ ومؤرخ معروف، حرّض الجموع بحماسة ضد الصليبيين، وكان الناس يتجاوبون باندفاع مع دعواته (4).
كان الخليفة في ذلك الوقت الناصر لدين الله الذي تبوّأ السلطة وهو في الثالثة والعشرين من العمر في عام 575 للهجرة، واستمر في الحكم حتى عام 622، مسجّلاً بذلك أطول مدة لأي خليفة عباسي آخر. في ذلك الحين، كان مركز الخليفة لا يزال قوياً وقادراً على إدارة شؤون العراق، بالرغم من أن جلال الدين ابن خوارزم شاه قد بدأ بالاستقواء عليه، وعدم إطاعة أوامره دائماً (5). بعد ذلك أصبح الظاهر، وهو ابن الخليفة الناصر، خليفة لمدة سنة، ثم تولى المستنصر بعده الخلافة، وأخيراً دخل هولاكو مدينة بغداد وأحرقها عام 656 للهجرة خلال حكم المستعصم (6).
على الصعيد الاجتماعي، كانت الحركات المنشقة تتفشى على أنواعها في مختلف أرجاء المشرق العربي، وقد اعتبر السنّة حركات هذه الاقليات خطراً عليهم وحاربوها دون هوادة؛ ومن هذه الحركات الدعوة الاسماعيلية التي لاقت إقبالاً ملحوظاً في عدة مناطق من سورية (7).
خلال القرن السابع للهجرة، أصبحت المؤسسة الصوفية شعبية جداً ومزدهرة للغاية؛ ففي بعلبك ودمشق وُجدت عشرات المراكز الصوفية التي دُعيت بالخوانق والزوايا. وقد شهد ابن جبير المرحلة التي كانت تُعتبر فيها الصوفية طريقاً مرغوباً ومتّبعاً: «وأما الرباطات التي يسمونها الخوانق فكثيرة وهي برسم الصوفية، وهي قصور مزخرفة يطّرد في جميعها الماء على أحسن منظر يبصر، وهذه الطائفة الصوفية هم الملوك بهذه البلاد لأنهم قد كفاهم الله مؤن الدنيا وفضولها، وفرّغ خواطرهم لعبادته من الفكرة في أسباب المعايش، وأسكنهم في قصور تذكّرهم قصور الجان» (8).


الحريري صادق ابن الفارض إلا أنه لم يتبع صوفية هذا الأخير


ولقد كانت هذه المدارس الصوفية مختلفة بعضها عن بعض الى حدّ أن السنّة كانوا يدعمون ويؤيدون بعضها بينما هم يقاتلون ويرفضون البعض الآخر على أساس حكمهم على تعاليم كل طائفة صوفية، وفلسفتها ونزعتها وطرائقها؛ وأي طائفة صوفية تحاول الانحراف عن المذهب السنّي كانت تتعرض للإدانة والاضطهاد. لقيت بعض هذه الطوائف الدعم من الشعب، واستطاعت الانتشار بالرغم من المعارضة الحكومية والدينية. الحركة الحريرية كانت واحدة من هذا البعض.
تهتم هذه الدراسة بمصدر الإقبال الشعبي على الدعوة الحريرية في إطار الجو الفكري العام لتلك المرحلة، وسأحاول وصف العناصر التي جاءت بها الحركة بعد انتشارها، وتحديد الدور الذي لعبته خلال الفترة التي نعالجها، أي منذ نهاية القرن السادس للهجرة حتى منتصف القرن الثامن.
مؤسّس هذه الحركة هو الشيخ علي الحريري، أبو محمد بن أبي الحسن بن منصور الدمشقي المولود في بصر إحدى قرى حوران، ويُنسب الحريري الى قبيلة بني زمان وتنتمي عائلته الى الارستقراطية من سلالة الأمير قرواش حاكم الموصل، والمتوفى عام 444 هجرة. والده تاجر معروف هاجر من البصرة في العراق الى حوران (9).
توفي والد الحريري وصاحبنا ما زال طفلاً، فانتقل الى دمشق ليقيم مع عمه الذي أتقن حياكة الحرير، فتعلم الحريري هذه الصنعة وبرع فيها، لكنه سرعان ما تخلى عن صنعته هذه واتبع مذهب الصوفية على يد علي المغربل تلميذ الشيخ رسلان التركماني الجعبري (10). إلا أن مصدراً آخر يقول إن الحريري بدأ كأحد أتباع الحركة الرفاعية، ودرس على يد الشيخ علي البصري الحريري الرفاعي (11)، ثم أصبح هو نفسه شيخاً. فتح الحريري زاويتين، واحدة في دمشق على قمة جبل قاسيون المطل على المدينة، والثانية في بصر بحوران، وبدأ يلقّن مريديه دعوته الصوفية الخاصة.
تعرضت الحركة الحريرية منذ بدايتها لإدانة عنيفة من قبل المسلمين التقليديين باعتبار أنها النوع الخاطئ من الصوفية. بدوره، لم يخف الحريري ثورته على التزمّت الذي كان السنّة يطبقون بواسطته القانون الشرعي، وفرض على أتباعه ارتداء الاثواب المصنوعة من الحرير.
من المحتمل أن يكون الحريري قد اتخذ هذا الموقف لتمييز مذهبه عن المذاهب الاخرى، أو لأنه عمل في صناعة الحرير قرّر أن يكون الحرير كساء جماعته. وكان الحرير مسموحاً للمرأة وممنوعاً عن الرجل. قادت هذه «البدعة» الى إثارة غضب أبي شامة الذي عقب في «الذيل»: «تبعه طائفة من الفقراء وهم المعروفون بالحريرية أصحاب الزي المنافي للشريعة» (12).
بعد ذلك أصدر ابن تيمية فتوى حول لبس الحرير قال فيها: «وأما لبس الرجال الحرير كالكلوبة والقبا – فحرام على الرجال» (13).
ويمكن فهم ثورة الحريري بشكل واضح على ضوء أعمال تقليديي ذلك العصر، فلقد ركز التقليديون جهودهم على إصدار كمية مذهلة من الفتاوى الشرعية التي تناولت التفاصيل الصغيرة والحميمية التي لا يستطيع أن يتصورها إنسان، بحيث لم يتركوا هامشاً أو حرية للإنسان العادي في حياته اليومية؛ من هؤلاء التقليديين ابن الحاجب، ابن عبد السلام، ابن الصلاح، تقي الدين السبكي، وعلى رأسهم ابن تيمية (14).
لم يُلزم الحريري نفسه بطراز واحد من الملبس، بل جرّب أنواعاً عديدة. ويُروى أنه ارتدى ثوباً قصيراً كان عرضة لسخرية الناس كما يبدو من هذين البيتين من الشعر (15):
«قد لبسوا الصوف لترك الصفا مشايخ العصر لشرب العصير
وقصروا للعشق أثوابهم شر طويل تحت ذيل قصير»
لم تقتصر غرابة أطوار الحريري على الملابس وحدها، لكنها ظهرت أيضاً في إعجابه بالشبان ذوي الوجوه الحسنة، فكان يستقبلهم في منزله، الأمر الذي أدى الى اتهامه بالشذوذ الجنسي؛ لذلك يقول الكتبي في موقع من كتابه إن الحريري يرتدي ثياب امرأة، ويقول في موقع آخر إن رجلاً دخل حمام الحريري فوجده محاطاً بشبان عراة (16). تجدر الاشارة هنا الى أن هذا الاتهام جاء في سياق القرن السابع للهجرة، حيث يعمد العديد من كتّاب السير في تلك الفترة الى ذكر هذا أو ذاك من الحكام الذين كانوا يفضّلون وجود الغلمان في قصورهم (17)، كذلك فإن أحد مثقفي ذلك العصر كان يصف حبّه لغلام معين بنفس الطريقة التي يصف بها مثقف آخر حبه لامرأة ما. مثالنا على ذلك أن إبراهيم بن سهل الاسرائيلي، وهو يهودي المذهب، كان مغرماً بغلام يُدعى موسى، لكنه بعد أن أشهر إسلامه وجد من الأفضل له أن يعشق غلاماً مسلماً، فتخلى عن موسى لصالح محمد (18):
«يقولون لو قبلته لاشتفى الجوى أيطمع في التقبيل من يعشق البدرا
تركت هوى موسى لحب محمد ولولا هدى الرحمن ما كنت اهتدي
وما عن قلى حبي تركت وانما شريعة موسى عُطلت بمحمد»
ويذكر الراوي هذه الابيات من دون تعليق، ويكتفي بالقول: عسى أن ترقد روحه بسلام.
يصف ابن إسرائيل (19)، وهو تلميذ الحريري، مكان العزلة بأنه مليء بالمروان، ويضيف قائلاً إن الحريري نفسه كان جميل المحيا (20):
آمن يهيم به الجمال صبابة فكأنما رب الجمال جميل
بادي الجمال ترى في كل جارحة منه شموساً وأقماراً وأغصانا
والذي يثير الاهتمام الشديد في هذا المجال أن هؤلاء الشبان ذوي الوجوه الحسنة ينتمون الى الارستقراطية الدمشقية، وقد جذبتهم هذه الحركة، فلم يكترثوا لاعتراضات أهلهم وأساتذتهم. فما الذي وجدوه جذاباً في الحركة الحريرية؟
يمكن استنتاج الأسباب التالية من المصادر المختلفة حول سيرة الحريري كأساس لانجذابهم نحو هذه الحركة:
1ـــ ينحدر الحريري نفسه من عائلة ارستقراطية، فقد كان غنياً، جميلاً، شديد الاهتمام بمظهره الخارجي (21)، وهو يؤثر المخاطرة كما أنه مطبوع على صلف. عُيّن الحريري في منصب الحاكم لبعض أنحاء دمشق، فأتاح له هذا المنصب فرصة الاتصال والاختلاط بالارستقراطية الدمشقية التي لم ترفضه كما يبدو من النصوص، أقله في الفترة الاولى. مع ذلك لم يحتفظ بهذا المنصب لفترة طويلة : «لقد حكم علي الحريري أرض الجبل، لكنه لم يبقَ طويلاً هناك» (22).
2ـــ يبدو أن طريقته لم تكن تفرض أي نوع من الخشونة كما الطرائق الصوفية الاخرى. على العكس تماماً، كان الحرير هو اللباس الرسمي، بالرغم من كونه مادة مكلفة (23)، ومن مِن غير أبناء الطبقة الارستقراطية يستطيع تحمّل هذه التكاليف؟
3ـــ يجب ألا يغرب عن بالنا أن أبناء الارستقراطية في ذلك الوقت كانت لديهم أفضل الفرص للحصول على التعليم العالي، وتبوّأوا أفضل المراكز التي تؤهلهم النظر في القضايا الفلسفية والتساؤل حول أسس المذاهب السنية المتشددة. لذلك وجدوا في الحركة الحريرية منفذاً للتعبير عن اهتماماتهم من دون قيود. فالالتزام بالمدارس الدينية السنية آنذاك كان يعني التخلي عن الفلسفة التي كانت تُحارب بشدة من قبل رجال الدين والفقهاء، وبالتالي، التلامذة الذين لم يشعروا بالاكتفاء العقلي من جراء التعليم الديني توجهوا صوب الحركة الحريرية لأنها مثلت مركزاً منفتحاً لحرية الفكر.
4ـــ أخيراً، الجاذب الأكبر لحركة الحريري كان إيمانه المطلق بحرية الانسان.
مع أن الحريري صادق ابن الفارض (23)، إلا أنه لم يتبع صوفية هذا الاخير بشكل دقيق، فمعظم الكتّاب (24) يصفون الحريري بأنه مؤمن بالحلولية، لكن إذا ما أمعنا النظر أكثر لوجدنا أن الحريري يذهب أبعد في هذه المسألة الفلسفية الى طرح وجودي من نوع: لماذا على الانسان أن يناضل كي يصل الى الله؟ لماذا هو غير مساوٍ لله؟ عبّر الحريري عن خيبة أمله بالنظرية الحلولية، لأنها تفترض وجود عابد ومعبود، وهذا في رأيه وضع غير عادل للإنسان (25). الأبيات النادرة التي وصلتنا من الحريري تؤكد هذه الفكرة (26):
«وما أعرف لآدم طاعة إلا سجود الملائكة
وما أعرف آدم عصي ربه بعظم الرحمن»
هكذا أصبح الانسان هو هدف الحركة الحريرية، ويقال إن الحريري أجاب رجلاً جاءه سائلاً نصيحة حول أي من الطرق الصوفية توصل الى الله، قائلاً ليس عليك أن تبحث بعيداً، بل ها أنت قد وصلت (27).
ولمواجهة الاسلام التقليدي والمتزمت، عبّر هذا الايمان بحرية الانسان عن نفسه بأشكال مختلفة؛ أحد الأشكال كما شاهدنا من قبل، ارتداء الحرير، ومن الاشكال الاخرى، معارضة الحريري للشيوخ التقليديين الذين كانوا يخيفون الناس قائلين: إذا لم تطيعوا أوامرنا ذهبتم الى جهنم، لكن إذا أديتم فريضة الصلاة كذا مرة في النهار، وأقمتم كافة الشعائر، فستكون أرواحكم في سلام. ثار الحريري على رجال الدين، وتساءل لماذا يجب أن تكون لديهم سيطرة على حياة الناس. وإزاء قرفه من أساليب شيوخ الدين الملتبسة، ادّعى ذات يوم الردة الى اليهودية، وأن مصيره جهنم، كي لا يأتي اليه أتباعه وهم يظنون أنه سيوصلهم الى الجنة (28).
كيف كان أتباع هذا المجتمع الفريد يمضون أيامهم؟ ما هي النشاطات التي كانوا يقومون بها؟ وما هو التركيب العام لحركتهم؟
من أهم النصوص القيمة التي تجيب عن هذه التساؤلات شهادة تلميذ الحريري المعروف بابن إسرائيل؛ فمن خلال وصفه يمكننا أن نكتشف أن أتباع الحركة كانوا أحراراً بالكامل للقيام بأي شيء يريدونه. لم تكن ثمة «طريقة» صوفية محددة، ولقد ترك الحريري كل عضو ليجد نفسه أو ربه بالطريقة التي تريحه. هكذا، نجد من ناحية رجالاً لا هدف لديهم إلا التمتع الحسّي بالحياة، يشربون الخمر، ويمضون لياليهم بالاستماع الى الموسيقى والرقص، أي إنهم يعيشون حياة الطرب والملذات؛ ومن ناحية أخرى، مثلت زاويته ملجأً حقيقياً للمتصوفين المعذبين من جراء سعيهم للوصول الى الله؛ يمضون لياليهم يقظين، يؤدون الصلاة بشكل مستديم غير آبهين بالعالم الخارجي (29):
«دار إذا حل ذو من بساحتها رأى غرائب لا تُحصى وأفنانا
فعابد قد أسال الفقر مهجته دمعاً وأصلاه خوف النار نيرانا
أو حلها عاشق والخان مرتعه يلقى الندامى بها شيباً وشبانا
فواحد في رياض الأنس منبسط يجر للتيه أذيالاً واردانا
بادي الخلاعة لا يرجو النعيم ولا يخشى الجحيم ولا تلقاه محزانا
وفاقد أرعشت كفيه مقلته وولهته فهدت منه أركانا»
بالطبع يمكن استعمال الغناء والرقص من أجل الغرضين معاً: كمتعة بحد ذاتها أو كوسيلة مساعدة من أجل الوصول الى الله. ومن المعروف أن زوايا الحركة الحريرية كانت تضج بالموسيقى والرقص طيلة الوقت (30)، وهذا ما يؤكده ابن إسرائيل (31).
يدين ابن تيمية الغناء والرقص اللذين يمارسهما المتصوفون: «أما اتخاذ التصفيق والغناء والضرب بالدفوف والنفخ في الشبابات والاجتماع على ذلك ديناً وطريقة الى الله وقربه، فهذا ليس من دين الاسلام وليس ممّا شرعه لهم نبيّهم محمد صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من خلفائه» (32).
لم تقتصر الحركة الحريرية على أبناء الطبقة الارستقراطية فقط، بل تعدّتها الى العامة أيضاً، الذين كانوا يؤمنون بالكرامات والمعجزات. وكانت ظاهرة المعجزات منتشرة انتشاراً كبيراً في ذلك الزمان، واعتبرها الناس دليل قداسة، والرجل الذي يُعرف عنه أنه يقوم بالمعجزات يحظى باحترام كبير، بغض النظر عن مؤهلاته الأخرى (33). ويقال إن الحريري كان يتمتع بالقدرة على صنع المعجزات التي رواها عنه عامة الشعب ورجال الدين على حدّ سواء.
المعجزات التي نقرأ عنها لا تلبّي أي حاجة أساسية، فهي مجرد شهادة على القدرة الماورائية. ومن المعجزات التي تُروى عن الحريري أن ثلاثة رجال قدموا لزيارته وهم يضمرون رغبات ثلاث، ولكن ما إن دخلوا عليه حتى حقق لهم رغباتهم من دون أن يكونوا قد أعلنوا عنها بعد (34). معجزة أخرى شاهدها المؤرخ المشهور كمال الدين عمر بن العديم، مؤلف كتاب «تاريخ حلب»، والذي كان يكره الحريري، لكنه، بعد أن شهد المعجزة، قال إن هذا من عمل الشيطان وليس من عمل الله (35). الحريري نفسه يذكر أنه صنع معجزة عندما كان في الخلوة المقدسة التابعة لعمه أحمد الرفاعي قائد الحركة الرفاعية المشهور(36).
لقد كانت المعجزات ظاهرة مقبولة لدى جميع الطوائف الاسلامية (37)، ومع ذلك كان التقليديون يصرّون على الشيخ الذي يمتلك مثل هذه القوى ألا يظهرها للناس (38). وكانوا يحذرون من وجود نوعين من المعجزات؛ تلك المنبعثة من الله، وتلك الآتية من الشيطان (39): «وليس في شرط ولي الله أن يكون معصوماً لا يغلط ولا يخطئ... يجوز أن يظن في بعض الخوارق أنها من كرامات أولياء الله تعالى وتكون من الشيطان».

الهوامش

ابن كثير، عماد الدين اسماعيل بن عمر، البداية والنهاية في التاريخ. القاهرة، مكتبة السعاده، 1932، الجزء 13، صفحة 21، 95، 108، 123، 124. ويقول ابن كثير في الصفحة 123: «استهلت سنة ست وعشرون وستمائة وملوك بني أيوب متفرقون مختلفون قد صاروا أحزابا وفرقا».
2. ابن كثير، المرجع نفسه، الجزء 13، صفحة 16، 36، 45، 63.
3. ابن كثير، المرجع نفسه، الجزء 13، صفحة 82.
4. ابن العماد، ابو الفلاح عبد الحي، شذرات الذهب في أخبار من ذهب ، القاهرة، مكتبة القدسي، 1913، الجزء الخامس، صفحة 18.
5. حول خوارزم شاه راجع الذهبي في العبر في خير من غبر، الكويت، 1966، الجزء الخامس، صفحة 81 و86.
6. ابن كثير، المرجع نفسه، الجزء 13، صفحة 106-108، وحول التتر في بغداد راجع صفحة 200-205.
7. راجع مصطفى غالب في أعلام الاسماعيلية ، بيروت، دار اليقظة العربية، 1964، وخاصة فصل «القرامطة والاسماعيلية» ، صفحة 48-61، وفصل «سلمية»، صفحة 62-81. أيضا، كتاب الاعتبار لاسامة بن منقذ، مطبعة جامعة برنستون، 1930.
8. ابن جبير، أبو الحسن محمد ابن أحمد، رحلات ابن جبير، طبعة لايدن، 1907، صفحة 284.
9. راجع أبو الهدى الصيادي، قلادة الجواهر في ذكر الغوث الرفاعي واتباعه الاكابر، بيروت، المطبعة الادبية، 1883، صفحة 321. يعدد الصيادي تسلسل نسب الاب، بينما يقول الكتبي، محمد بن شاكر بن أحمد في فوات الوفيات، القاهرة، مطبعة السعاده، 1951، الجزء الثاني، صفحة 88: «ان الام هي من سلالة الامير قرواش بن هشام الدولة مقلد بن المصيب، الذي حكم الموصل والكوفة والمدينة، وكان يهتم بالادب كثيرا، كما انه ترك بعض الشعر.
10. ابن العماد، المرجع نفسه، الجزء الخامس، صفحة 448، يقول ان وفاة الشيخ رسلان التركماني حدثت في العام 699، لكنه غير متأكد من التاريخ اذ يقول حوالي 699 والتي قد تعني في سياق القرن السابع للهجرة، والحقيقة ان الشيخ رسلان لا يمكن ان يكون توفي الا قبل العام 651، لأنه في ذلك التاريخ دفن ابن علي الحريري في قبر الشيخ رسلان. راجع الصفدي، خليل بن ايبك في الوافي بالوفيات، اسطنبول، مطبعة الدولة، 1931، الجزء الرابع، صفحة 183. وفي العام 677 دفن ابن اسرائيل، احد تلامذة علي الحريري، هناك أيضا. بالاضافة الى ذلك، فان حقيقة كون الحريري تلميذا للمغربي الذي بدوره تلميذ رسلان، يجعل من غير المعقول ان يتوفى رسلان بعد وفاة تلميذ تلميذه. ويعترف ابن العماد انه اخذ تاريخ حياة رسلان من الميناوي، عبد الرؤوف، الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية، القاهرة، 1938. ولسوء الحظ، فان الجزء الاول فقط من هذا الكتاب موجود، وهو يصل الى سنة 400، لذلك لا يمكن التأكد من سيرة الشيخ رسلان. وعلى كل حال، يبدو رسلان كواحد من ابرز المشايخ الصوفية في دمشق.
11. ابو الهدى الصيادي، المرجع نفسه، صفحة 366. أيضا، لويس ماسينيون، «الحريرية» في الموسوعة الاسلامية، طبعة لايدن، 1965، الجزء الثالث، صفحة 223. أيضا، اليافعي، عبدالله بن اسعد، مرآة الجنان وعبرة اليقظان، حيدرآباد، دائرة المعارف، 1919، الجزء الثالث، صفحة 410، حيث يذكر حدوث معجزة بواسطة أحمد الرفاعي شهدها ابن أخيه علي الذي هو علي الحريري بالذات.
12. أبو شامة، عبد الرحمن، تراجم رجال القرنين السادس والسابع المعروف بالذيل على الروضتين، القاهرة، 1947، صفحة 180.
13. ابن تيمية، احمد تقي الدين، الفتاوي الكبرى، القاهرة، دار الكتب الحديثة، 1965، الجزء الرابع، صفحة 435. الواقع ان ابن تيمية لم يحرم لبس الحرير على الرجال فقط، بل شدد أيضا ألا يميز الصوفيون انفسهم بالملابس إلا اذا كانت علامة على التقشف كلبس الصوف الخشن مثلا. راجع ابن تيمية، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، دمشق، المكتب الاسلامي، 1973، صفحة 46.
14. السبكي، تاج الدين عبد الوهاب، طبقات الشافعية الكبرى، القاهرة، مطبعة الحسينية، 1906، الجزء السادس، صفحة 146.
15. ابن العماد، المرجع نفسه، الجزء الخامس، صفحة 35-36.
16. الكتبي، المرجع نفسه، الجزء الثاني، صفحة 89.
17. ابن العماد، المرجع نفسه، الجزء الخامس، صفحة 244.
18. ابن العماد، المرجع نفسه،الجزء الخامس، صفحة 244.
19. حول تاريخ حياته راجع ادناه.
20. اليونيني، قطب الدين موسى بن محمد، ذيل مرآة الزمان، حيدرأباد، دائرة المعارف العثمانية، 1960، الجزء الثالث، صفحة 428. أيضا، الكتبي، المرجع نفسه، الجزء الثاني، صفحة، 93.
21. الكتبي، المرجع نفسه، الجزء الثاني، صفحة 88. يؤيد اليونيني هذا القول: «وكان الشيخ علي حاكما لدمشق في ذلك الوقت». اليونيني، المرجع نفسه، الجزء الثالث، صفحة، 432.
22. كان الحرير الدمشقي مشهورا وغالي الثمن. راجع الادريسي، نزهة المشتاق: ذكر الشام. لايبزيغ، 1828، صفحة 10. أيضا، فاليري فيليكس، الحج، لندن، 1822، الجزء الثاني، صفحة 784 (باللغة الانكليزية). أيضا، الشيرازي، عبد الرحمن، نهاية الرتبة في طلب الحسبة، القاهرة، 1946، الفصل 27، صفحة 71. أيضا ابن الاخوة، معالم القربة في احكام الحسبة، الجزء 12، الفصل 32، صفحة 141.
23. ابن خلكان، وفيات الاعيان وانباء ابناء الزمان، القاهرة، 1948، الجزء الثالث، صفحة 126.
24. ماسينيون، لويس، «الحريرية»
25. ابن تيميه، مجموعة الرسائل والمسائل، القاهرة، 1922، صفحة 65.
26. الكتبي، المرجع نفسه، الجزء الثاني، صفحة 89.
27. الكتبي، المرجع نفسه، الجزء الثاني، صفحة 89.
28. الكتبي، المرجع نفسه، الجزء الثاني، صفحة 89.
29. اليونيني، المرجع نفسه، الجزء الثالث، صفحة 427-428.
30. الذهبي، المرجع نفسه، الجزء الخامس، صفحة 231.
31. اليونيني، المرجع نفسه، الجزء الثالث، صفحة 430. أيضا، اليافعي، عبدالله بن اسعد، نشر المحاسن الغالية في فضل المشايخ الصوفية أصحاب المقامات العالية. القاهرة، 1961، صفحة 308 وما يلي. هذا المصدر مهم جدا لأن مؤلفه صوفي وهو ضليع بالمفردات الصوفية.
32. ابن تيمية، مجموعة الرسائل الكبرى، القاهرة، المطبعة العامرية، 1905، صفحة 311.
33. ابن العماد، المرجع نفسه، الجزء الخامس، صفحة 278-279، 280، 289، 295، 322، 345-346.
34. ابن العماد، المرجع نفسه، الجزء الخامس، صفحة 232.
35. الكتبي، المرجع نفسه، الجزء الثاني، صفحة 90، وهو يعدد مصادره على الشكل التالي: « وذكر بهاء الدين يوسف ابن أحمد العجمي أن القاضي مجد الدين بن العديم نسب القصة الى والده». ومجد الدين هذا هو أحد أبناء كمال الدين ابن العديم المؤرخ المشهور، أما بهاء الدين فهو ابن عم كمال الدين. راجع ابن العديم، كمال الدين عمر، تاريخ حلب، دمشق، المؤسسة الفرنسية في دمشق، 1951، صفحة 20 من المقدمة.
36. اليافعي، مرآة الجنان، الجزء الثالث، صفحة 410.
37. الهامش رقم 33 يعدد الشيوخ الذين كانوا يقومون بالمعجزات وهم ينتسبون الى عدة طوائف صوفية.
38. بالرغم من ان شيخ الاسلام ابو عبدالله محمد بن ابي الحسين اليونيني الحنبلي كان يمتلك قوى خارقة الا انه كان يصر أيضا « على ان المختارين يجب الا يتباهوا بمعجزاتهم» راجع ابن العماد، المرجع نفسه، الجزء الخامس، صفحة 294.
39. ابن تيميه، الفرقان بين اولياء الرحمن، صفحة 54. ويقول ايضا في كتابه المعجزات والكرامات وانواع خوارق العادات ومنافعها ومضارها، القاهرة، 1930، صفحة 19: «يعتمد العديد من رجال الصوفية والزهاد على الاحلام، وحالات العقل والتخيل، بينما خيالاتهم لا تمت الى الحقيقة واوهامهم غير حقيقية
(يتبع)
* أستاذة جامعية