الاحتجاب النهائي للسفير ليس مشكلة صحيفة بل مشكلة وطن ما زلنا نكابر ونرفض القبول بفشل نظامه وما فتئنا نحاول إصلاحه، تارة بالطائف وتارة أخرى بالدوحة، بلا طائل. الصحافة اللبنانية كلبنان تحتاج إلى تغيير بنيوي لأن «ترقيع» البنية الحالية لم يعد مجدياً أو حتى ممكناً.


والدليل على هذا القول هو فشل كل المحاولات «لترقيع» الواقع وعدم تمكن صحيفة كبرى كالسفير من الاستمرار بالصدور.
لبنان وصحافته هما بمثابة امرأة حامل يعتقد أهلها أن انتفاخ بطنها هو ورم عابر، فكلما أتتها آلام المخاض عولجت بحقن مسكنة تخفف الألم وتؤخر الولادة. هذه الامرأة أمام حلين لا ثالث لهما: إما الولادة أو الموت.
العلاج يبدأ بالقبول بالتخلي عن التمسك بالنظام الطائفي/العشائري الذي يحكم عمل لبنان ومؤسساته المأزومة، والقبول بالنظر في بدائل وإمكانية إيجاد نظام جديد ينظر إلى اللبنانيين كمواطنين متساوين في نظام الحوكمة والحصول على المعلومات، لا كطوائف وعشائر متنافرة ومتناحرة.
احتجاب السفير هو إطلاق النفير بأن صحافة لبنان التي نفاخر بأنها «صحافة العرب» مهددة بالتوقف تباعاً. الصحافة اللبنانية كلبنان بحاجة إلى قرار شجاع يعترف بفشل نظامه الحالي ويتبنى نظاماً جديداً واقعياً.
يدعي البعض بأن سقوط صرح «السفير» هو نتيجة حتمية لتطور التقنيات الإعلامية التي أدت إلى بروز الصحافة الاجتماعية الحديثة وبالتالي إلى عدم تمكن الصحف الورقية من المنافسة في سوق تتضخم فيها التكاليف وتتشتت فيها القدرات البشرية.
لا يمكن الإنكار أن بزوغ الصحافة الاجتماعية الحديثة كان له أثر كبير على الصحافة الورقية إلا أنّ الأمر يتجاوز تغيّر التقنيات الصحافية إلى ضرورة إدراك «أرباب» المهنة أن لا مجال لاستمرار الصحف الورقية إن لم تعالج نظرتها إلى مسؤوليتها المهنية والاجتماعية وإلى نظام عملها ضمن نظام دولة تديرها الطوائف وعشائرها ونقابة غير فاعلة (إن لم نقل فاشلة) يكاد ينحصر عملها في نشاطات بروتوكولية والحد من المنافسة المهنية حماية للصحف الهابطة.
يدعي جمال غصن في بداية تشرين الأول الماضي أن أزمة الصحافة ليست في إغلاق الصحف بل إنها في تغييب الصحافة عن الصحف، وبأن «الصحافة الأقوى في لبنان كانت صحافة الطوائف، وكان لكل طائفة صحيفة وأن المجتمع الصحافي اليوم هو أشبه بنادٍ خاص منعزل جغرافياً واجتماعياً عن الشعب،... يكتبون عن بعضهم البعض ولبعضهم البعض». في هذا القول توصيف صحيح لأزمة الصحافة اللبنانية.
أزمة الصحافة اللبنانية الحالية ليست حديثة العهد بل بدأت في الخمسينيات من القرن الماضي نتيجة لتَدفّق الأموال على لبنان ولنمو الدور السياسي والتجاري لصحافة لبنان في العالم العربي، فقد تسابق العديد من رجال السياسية والتجارة إلى دخول المجال الصحافي عن طريق إصدار أو تمويل الصحف، كما تدخلت قوى ومصالح خارجية في تمويل بعض الصحف اللبنانية، فازداد عدد الصحف بشكل غير معقول بالنسبة إلى عدد السكان في لبنان وإلى الحجم المتواضع للميزانيات الإعلامية في لبنان، مما حدا بالدولة اللبنانية، تحت ضغط من أصحاب الصحف، إلى إصدار المرسوم الاشتراعي رقم 74، بتاريخ 3/4/1953، الذي وضعت من خلاله قيوداً شديدة على منح تراخيص إصدار مطبوعات دورية سياسية تكاد ترقى إلى مرتبة المنع. وازدياد عدد الصحف على نحو كبير أدّى إلى دخول الطُفيليين إلى معترك الصحافة والى ارتهان بعض الصحف للمُعلن أو للممول سواء أكان سياسياً أم تاجراً.


حلّ الأزمة
يبدأ بتحمل الدولة
ونقابة الصحافة
مسؤوليتهما فيها


قضى هذا المرسوم الاشتراعي بعدم جواز إعطاء رخص، أو امتيازات، جديدة لمطبوعات دورية سياسية إلا لمن يملك صحيفتين من نوع الصحيفة المطلوب إصدارها، تتوقفان نهائياً عن الصدور لقاء الترخيص المطلوب. ونصّ المرسوم على أن هذا الشرط يستمر إلى أن يصبح عدد المطبوعات الدورية السياسية في جميع الأراضي اللبنانية خمساً وعشرين مطبوعة يومية وعشرين مطبوعة موقوتة.
لم يؤدِّ هذا المرسوم إلى الحدّ من عدد الصحف اللبنانية كما كان مرجواً بل زاد من تمسّك أصحاب الامتيازات الصحافية بامتيازاتهم وإلى تداولها في السوق السوداء.
في العام الذي تم فيه إصدار المرسوم المذكور كان عدد المطبوعات الدورية السياسية لا يتجاوز 45 مطبوعة. وبالرغم من استمرار سريان مفعول المرسوم 74، فإنّ جدول نقابة الصحافة لعام 2016 يشير إلى أن عدد المطبوعات السياسية اللبنانية قد أصبح (بقدرة قادر) 110 دورية سياسية (تشمل 57 صحيفة يومية، 49 مجلة أسبوعية وأربع مجلات شهرية) بالرغم من أن عدد السكان في لبنان هو في حدود أربعة ملايين نسمة وتوزيع المطبوعات ومداخيل مبيعاتها محدود لا يُغطي الأعباء المالية المترتبة عليها. ومقارنة عدد الصحف اللبنانية بعدد السكان في لبنان وحجم الميزانيات الإعلامية المتواضع يبيّن صعوبة، إن لم يكن استحالة، استمرار الصحافة في عملها ما لم تتدبّر لنفسها مصادر إضافية للتمويل.
المهم هنا ليس في مخالفة مرسوم الترخيص بل في أن الهيئة العامة لنقابة الصحافة اللبنانية تتحكم بها أغلبية كبيرة من أصحاب امتيازات صحف ضعيفة لا يمكنها الصمود أمام المنافسة المهنية مع الصحف القوية. وبالتالي فإن نقابة الصحافة انصرفت إلى حماية الصحف الضعيفة وعرقلة نمو الصحف الناجحة بفرضها قرارات تحدّ من حرية الصحيفة في تقرير عدد صفحاتها وسعرها وكذلك عدد أيام الأسبوع التي تصدر فيها.
هذا الوضع أدى إلى تطوير نظام عمل الصحف في لبنان على شاكلة النظام الطائفي/العشائري في لبنان. فاختارت الصحف التركيز على «التخصص» في التوجه إلى فئة واحدة من التيارات السياسية والإثنية والطائفية من الجماعات المتنافرة، وبالتالي فشلت في أن تكون منبراً مسؤولاً لحوار بنّاء بين هذه التيارات. وفشلت في ردم الجسور بين المواطنين وفي إيجاد التوافق الوطني الذي من دونه لا يمكن للمجتمع أن يبدأ مرحلة النمو الحقيقي. فكانت النتيجة أن أصبحت صحافة طائفة أو عشيرة بدل أن تكون صحافة وطن.
والدولة اللبنانية نأت بنفسها عن التدخل في أمور نقابة الصحافة، فلم تبادر (أو تجرأ) على تطبيق قانون الإعلام اللبناني الذي يقضي بإلغاء امتيازات الصحف التي لا تصدر بانتظام وبالعدد المنصوص عليه في هذا القانون. وبوجود عدد كبير من الصحف المأزومة يستحيل عليها تمويل دعم للجميع.
معالجة أزمة الصحافة في لبنان لا يكون بالمحافظة على نظامها البنيوي الحالي والسعي وراء ممولين «طارئين». الحل هو في اتخاذ قرار شجاع قد يكون غريباً عن ثقافتنا ولكني أرى فيه إنقاذاً للصحافة. هذا الحل يبدأ بتحمل الدولة ونقابة الصحافة مسؤوليتهما في هذه الأزمة، فتبادران إلى تطبيق نصوص قانون الإعلام المتعلقة بإلغاء امتيازات الصحف المخالفة لعدد أيام صدورها وبالحدّ من عدد الصحف عن طريق فرض دمج للصحف ذات التوجهات المختلفة مما يساعد على تمكنها من زيادة انتشارها (طائفياً وجغرافياً). والحد من عدد الصحف إلى عدد مقبول يمكن للدولة أن ترصد ميزانية لدعم تمويل الصحف المتبقية لمدة معينة (خمس سنوات مثلاً) يتم بعدها تقييم وضع كل صحيفة من حيث ملائمتها مهنياً واقتصادياً.
*أستاذ الدراسات الإعلامية في الجامعة الأميركية في بيروت