تتيح الفترة (ولو القصيرة) المنقضية على انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية إمكانية بلورة تفسير أكثر تكاملاً (ونضجاً) لمجمل التطورات التي صنعت الحدث واقترنت به. يتيح ذلك، بدوره، تحديداً أكثر دقة للسياسات والتوجهات، قيد البلورة، التي تتلاحق محطاتها في المشهد السياسي اللبناني الراهن.


ليس من العلمية والمنطق في شيء أن نعتبر ما حصل في الـ3 أشهر الماضية امتداداً بسيطاً وجامداً لمحصلات الانقسام الذي طبع نشوء وصراع تحالفي 14 و8 آذار (خصوصاً بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانسحاب القوات السورية من لبنان، مرغمة، أوائل عام 2005). بالمقابل، ليس من العلمية والمنطق أيضاً تجاهل تأثيرات تلك المرحلة خصوصاً في الشق المتمثل بتأثير وتفاعل الصراع الإقليمي في الوضع الداخلي اللبناني، وخصوصاً منه الصراع في سوريا. فالواقع أن رجحان كفة المحور الروسي ـ السوري ـ الإيراني في ذلك الصراع، قد مارس تأثيراً بارزاً لمصلحة انتخاب العماد ميشال عون، تحديداً، رئيساً للجمهورية اللبنانية (لم تكن خصوصية انتخاب عون تنطبق على ترشيح النائب سليمان فرنجية رغم أقدمية الأخير في التحالف مع فريق «الممانعة» وخصوصاً مع السلطة السورية وحزب الله).
تبني أكثرية فريق 14 آذار، السابق، لترشيح العماد عون، قد جعلته ممكناً تطورات داخلية أيضاً. الشق الداخلي منها وجد بعض أسبابه في قلة حيلة هذا الفريق لجهة ضعف مرشحيه لموقع الرئاسة. قائد حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع كان مرشحاً مبدئياً ولم يكن مرشحاً فعلياً، نظراً إلى عدم توفر المواصفات قبل الأصوات. الآخرون، من المرشحين، افتقروا إلى حيثية ترشيحية متجاوزة لصعوبات ونواقص ترشيح جعجع. انحصر الترشيح الفعلي بين عون وفرنجية قبل حصول التطورات الأخيرة المتلاحقة في سوريا لمصلحة السلطة الشرعية التي يمثلها الرئيس بشار الأسد. يمكن القول، مع التحفظ الضروري، أنه لو تبنى «حزب الله» دعم ترشيح فرنجية بعد ترشيح هذا الأخير من قبل رئيس تيار «المستقبل»، لتمّ انتخاب قائد «المردة» رئيساً للبلاد في أواخر صيف 2015.
في التطورات الداخلية، أيضاً، الحاضرة بنسبة مؤثرة في حسم الترشيح لمصلحة عون، ثلاثة عوامل «داخلية»: الأول التنازلات التي قدمها عون ذات اليمين وذات الشمال، وبشكل خاص لكل من «القوات اللبنانية» و«تيار المستقبل». وهي تنازلات كشفت حجم ما يمثله الموقع بالنسبة إلى العماد عون على المستوى الشخصي. كذلك كشفت قدرة عون وفريقه على المناورة، دون المجازفة، نظراً إلى قوة عون في تياره من جهة، ورمزية موقع الرئاسة في مسيرته الشخصية والحزبية، بما جعل هذا الموقع «حلماً» يمكن أن يبذل من أجل بلوغه أي ثمن! التعبئة الطائفية كانت أداة أساسية في تغطية التنازلات والمناورات. والطائفية (والمذهبية لاحقاً)، تقليدياً، سلاح مجرّب وفعَّال في أيدي أطراف النظام السياسي اللبناني: القدماء منهم والجدد.
ثمة سبب ثانٍ قد مارس تأثيراً لا جدال فيه، على معظم القوى السياسية، لمصلحة انتخاب عون رئيساً للجمهورية. إنه استشعار ما بلغه الوضع الداخلي من تردٍّ وشلل وتعطيل. انعكس ذلك خسائر مباشرة، معنوية وسياسية، لجميع شركاء المحاصصة دون استثناء. البلاد بدت على حافة فشل كامل. التربُّص والفيتوات المتبادلة عطلت مؤسسات وآليات النظام التقليدية. هي عطّلت، إلى حدٍّ كبير، فرص النهب والسرقة والفساد بالشكل «التوافقي» الذي درجت عليه هذه الأطراف عبر تسخير مواقعها في السلطة السياسية والإدارية والأمنية... من أجل تحقيق مكاسب غير مشروعة. أكثر من ذلك، فالصراع على تلك المكاسب، الذي كانت تجرى تغطية فصوله وصفقاته بالتواطؤ والتضامن، صار مكشوفاً أمام المواطنين أكثر من أي وقت مضى. يقودنا هذا إلى السبب الثالث المتمثل في نشوء حركة اعتراض مدنية شعبية واسعة ضد أطراف السلطة جميعها. حصل ذلك في التحرك المدني بعد اندلاع أزمة النفايات وتحولها إلى أزمة مستعصية نظراً إلى الصراع الضاري على الصفقات والمكاسب المرتبطة بمشاريع جمعها ومكباتها ومعالجتها... لقد كان الاحتجاج الشعبي صاخباً ومستهدفاً كل شركاء المحاصصة. وهو كان مرشحاً للتصاعد خارج أي سيطرة. كذلك هو جاء في امتداد احتجاج المعلمين والموظفين في حركة صاخبة، هي الأخرى، جرى التنكر لحقوق أصحابها، ما ولَّد احتقاناً قابلاً للانفجار مجدداً في ظروف ملائمة. بعض نتائج هذا الاعتراض الشعبي تمثلت في الإصرار على المحاسبة والتعريض بالمسؤولين. بعضها الآخر عبّر عنه بعض نتائج الانتخابات البلدية وخصوصاً في العاصمة. معروف، أيضاً، أن مجرد إجراء الانتخابات البلدية، قد أسقط الذريعة الأمنية، المعلنة، لعدم إجراء الانتخابات النيابية، لدورةٍ كاملة وعلى مرحلتين. معروف أيضاً، أن التمديد قد طرح شرعية المجلس، وبات مادة سجال، حتى في صراعات أطراف السلطة أيضاً، ما أسهم، بدوره، في «هركلة» كل أطراف السلطة دون تمييز. الصراع الإقليمي الضاري بين مرجعيات القوى المحلية، والصراع الداخلي الذي تعطلت كل كوابحه السياسية، باتا عبئاً على الجميع وإن بدرجات متفاوتة. لُعب ذلك لمصلحة «صمود وصبر» العماد عون من أجل تحقيق حلمه في العودة إلى قصر بعبدا. ليست بعيدة من ذلك أيضاً، رغبة ومصلحة الرئيس سعد الحريري في العودة إلى رئاسة الحكومة كأولوية مصيرية بالنسبة إليه. كان، هو الآخر، مستعداً، أيضاً، لتقديم الكثير من التنازلات من أجل ذلك. جازف، ثم استفاد من انشغال قيادة المملكة السعودية بأزمة اليمن، ليعود فيحظى بالتبني السعودي الضروري الذي وفَّر له توازناً سياسياً لا غنى عنه في التعامل مع منافسين كانوا مستعدين لمواصلة «مسيرة الشهيد» على جثة وريثه السياسي الأساسي. يمكن القول إن أزمتين شخصيتين قد أسهمتا في توليد حلٍّ عام!
انتقلت وتنتقل الآن كل السلطة، بكل مكوناتها القديمة والجديدة، إلى وسطية سياسية يستظلها الجميع حالياً. الوحيد، نسبياً، الذي لم تطرأ تحولات أساسية على توجهاته هو «حزب الله» الذي لا أولوية سلطوية تحكم برنامجه الراهن. تسابق نحو هذه الوسطية المتطرفون قبل المعتدلين. المفارقة أن أصحاب الوسطية السابقين قد ظلوا خارج التركيبة السلطوية الراهنة. نذكر منهم الرئيسين السابقين ميشال سليمان ونجيب ميقاتي (الذي احتج على السطو على وسطيته وخصوصاً منها شعار «النأي بالنفس). «الوسطيون» الآخرون أمثال الرئيس نبيه بري والزعيم وليد جنبلاط، بقيا، جزئياً، خارج تسونامي الوسطية الراهنة رغم أنهما كانا من أرباب الشعار في المرحلة الماضية، وخصوصاً جنبلاط.
بعد تحقيق المصالح و«الأحلام» الشخصية، هدف الوسطية الراهنة هو محاولة تطبيع الوضع بحيث يتجاوز النظام السياسي الراهن كبوته وأزمته وانقساماته دون أن تُفرض على أطرافه تنازلات سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية. كذلك الهدف هو استئناف عملية المحاصصة بكل ما تنطوي عليه من نهب وفساد وفئوية، بشكل لا يترك للمتضررين فرص الاعتراض والاستفادة من التناقض والانقسام بين أطراف السلطة.
يراهن الوسطيون الجدد على تخدير أكثرية اللبنانيين وتمنينهم وخداعهم بما تحقق. يراهنون على تيئيس هذه الأكثرية من خلال تضامنهم المتجدد في وجه مطالب قطاعات اختارت، سابقاً، مواجهة السلطة في الشارع عبر الضغط السلمي والمشروع...
ماذا عن قوى الاحتجاج والتغيير. هذه القوى هي الصوت المبدئي للمتضررين من نظام المحاصصة في حالتي اتفاق أطرافه وخلافهم؟! كيف ستواجه المرحلة الجديدة.
* كاتب وسياسي لبناني