من المعلوم أن دول النظام الرأسمالي تدعي دوماً بأنها ملتزمة بحرية تداول المعلومات من دون أي رقابة، وأن لكل مواطن الحق في التعبير عن رأيه، ضمن حدود القوانين الجنائية المعمول بها. لكننا لاحظنا في العام الماضي أن الغرب أطلق حملة هستيرية أطلق عليها اسم «عصر ما بعد الحقيقة»، ارتبطت أساساً بحملة هيلاري كلنتون الرئاسية، التي انتهت بفشلها الذريع.


الغرب الناتوي الاستعماري اتهم بكين وموسكو على وجه التخصيص بأنها كانت وراء اختراق مواقع المرشحة الفاشلة، ونقل رسائلها التي تحوي أموراً يعاقب عليها القانون الجنائي الأميركي بالسجن، ومعلومات عن علاقاتها مع المجمع الصناعي-الحربي ورأس المال المالي في وول ستريت إلى «وكيليكس» بهدف ترجيح كفة المرشح الجمهوري دونالد ترامب.
الهستيريا الجماعية التي أصابت الغرب الاستعماري تجاه روسيا والرئيس بوتين، الذي وصفته المرشحة الفاشلة بأنه مثل هتلر، سببها الحقيقي هو انتهاء سيادتها الإعلامية وأن قلة فقط تصدق دعاياتها السياسية والاقتصادية والأخلاقية المبتذلة. وكنا تناولنا موضوع «إعلام الكذب» في ألمانيا وغير ذلك في عرض سابق، وثمة مؤلفات جدية عديدة لا تزال تصدر عن الموضوع. لذلك فإن لجوء مواطنين في الغرب إلى وسائط الإعلام/ التضليل الجديدة، أي فيسبوك وتويتر ووكيليكس وروسيا اليوم التي تبث بلغات كثيرة، للاطلاع على الآراء الأخرى، أمر طبيعي ونتيجة منطقية لاستهبال وسائل التضليل الرسمية مواطني تلك الدول الذين صاروا يميلون إلى اليمين المتطرف. إعلام الطبقات الحاكمة انتهى دورها بسبب تحولها إلى أبواق للحكام وسياساتهم، تماماً كما يحدث في كثير من بلادنا.
الغرب الذي يعدّ نفسه محتكراً الحقيقة المطلقة في مختلف شؤون العالم، لجأ إلى أسلوب عادة ما يلصقه بـ»دول الموز»، التي تتبع سياسات مستقلة عنه، ألا وهو تشكيل وزارات «إعلام» أو ما يمكن تسميته تشكيل «وزارات الحقيقة» أو «وزارات احتكار الكذب». ولدينا هنا مثالان من واشنطن وبرلين.
لنبدأ بواشنطن حيث وقّع الرئيس أوباما يوم 23 كانون الأول من العام الماضي، أي نحو شهر قبل انتهاء ولايته، قانون National Defense Authorization Act for fiscal year 2017/ قانون تفويض الدفاع القومي للسنة المالية 2017، يحوي نصاً سمي Portman-Murphy Counter-Propaganda Bill/ وثيقة بورتمن - مورفي لمواجهة نشر الأكاذيب، تطالب وزارة الخارجية بإقامة «وزارة الحقيقة» لمواجهة الدعاية القادمة من جهات معادية ومنها الصين ودول أخرى! ثمة تبعات عديدة لهذا القانون الكيدي منها منع نشر الآراء المخالفة («للحقيقة» القادمة من واشنطن) في وسائل الإعلام الوطنية والمحلية.
لنتذكر أن أدوات الغرب الاستعماري، ومنها المحرك غوغل وموقع فيسبوك، المشارِكة في التجسس على كل سكان العالم، وهي الحقيقة الموثقة التي كشفها سنودن، قرروا المشاركة في حملة احتكار نشر الأكاذيب بمحو كل خبر أو تعليق يرون أنه مخالف لرأيهم وسياساتهم.
أما حكام ألمانيا، الذين فوراً ما يصابون بأي هبل ينتشر في الولايات المتحدة، بادروا بدورهم إلى اتهام موسكو بأنها تدخلت في انتخابات عام 2015، وأنها تعد العدة للتدخل في الانتخابات العامة في العام الجاري. لذلك نشهد تصاعد حملة حكومية المنشأ مطالبة بتأسيس «مركز دفاع ضد الأخبار الملفقة/Fake News Abwehrzentrum›، لمواجهة ما يطلقون عليه «عصر ما بعد الحقيقة» يعني الاستسلام. هذا رغم حقيقة أن المكتب الصحافي للمستشارة الألمانية يوظف 500 مستخدم، ثم يدعون بأن ليس لديهم وزارة إعلام وتضليل!
«المركز» المقترح هدفه، تضليل فئتين من السكان على نحو خاص، هم الأتراك، وألمان روسيا المقيمون في البلاد الذين يشكلون مجموعة كبيرة من المسموح لهم المشاركة في الانتخابات الوطنية. بعض سياسيي ألمانيا من الأحزاب الحاكمة يطالب بوضع قانون يغرم ناشر «الأكاذيب»، من منظور الطبقة الحاكمة طبعاً، نصف مليون يورو في حال عدم إزالة الخبر «الزائف» من الموقع الرقمي ضمن مهلة 24 ساعة، وهذا ما سيحصل، في ظني.
مرحبا بعضوية الغرب الاستعماري في معسكر دول الموز الشمولية الذي يمنع أي إعلام/ تضليل مستقل ويهيمن على وسائل الإعلام/ التضليل التقليدية بما يمكنه من تملك «احتكار الكذب»، ولا تختلف عنه ثورات الناتو وثواره ومُفتوه الذين ينشرون فتاوى الفتنة والتكفير ويشرعون الدمار وقتل الأبرياء وإبادة مجموعات سكانية بأكملها، استجابة لطلب مندوبي رئيس شعبة في وزارة الخارجية من مشايخ الخليج الفارسي... أذناب لندن.