أريد لتداعيات الربيع العربي أن تتفاعل ربما لعشر سنوات قادمة، بحسب ما صرّح أكثر من مسؤول أميركي وغربي، وبحسب ما تمخض من رغبة إسرائيلية، بما يرسم ملامح شرق أوسط جديد يغرق في الفوضى الخلّاقة، فلا تبقى فيه قوى عربية قادرة على تهديد الكيان العبري في أيّ وقت، في ظل تنامي قوى مرفوضة إقليمياً وعالمياً، ليتم عبر تناميها توفر مبررات التدخلات العالمية والإقليمية، وبما يجعل الساحات المحلية عرضة للتآكل الذاتي طوال الوقت.


يدرك جون كيري وزير الخارجية الأميركي، انتماء كل تطور في الصراعات العربية الراهنة للربيع العربي، لذا قالها بالفم الملآن، ولكن بعد تطورات حلب والموصل، أن أميركا لم تبدأ الربيع العربي ولم يكن بوسعها وقفه! وما لم يقله كيري أنه كان بوسع بلاده تحريك تناقضات الواقع العربي في ضوء تطورات الربيع لتحويل براعمه التونسية إلى محرقة موصلية بنغازية تدمرية عدنية، وهي تحاول جهدها إدامة المحرقة حتى وهي ترتدي معاطف الدفاع المدني، ويتجلّى ذلك حتى فيما يظهر للعلن من إشاعة أجواء الإحباط في سوريا والعراق، أو من أخطاء قصف مفتعلة، أو من إعاقة تقدّم القوات النظامية في مراحل حساسة تحت زعم مراجعة الخطط العسكرية.


لن تكتفي إسرائيل بالضمانات الروسية ألّا تنعكس تطورات المشهد عليها سلبياً


رغم دخول قطاعات واسعة من الشعوب العربية في حالة الشقاق الداخلي رغبة منها للخلاص من طغيان الأنظمة واستبدادها، ووصل الأمر بها إلى أن تتساوق مع الخطط الصريحة للأجنبي، إلّا أن أجزاءً لا يُستهان بها أخذت تستيقظ من أوهام تغيير ضبابيّ تحفّه غيوم هائلة من دخان الدمار اليومي في كل بقعة من بلاد العرب، وهي غيوم تلبدت في ظل مقارنة أخذت تطرح نفسها بقسوة، بين طغيان النظام الرسمي، وبين مسلسلات الذبح الهوليودية في ميادين أمراء حرب يدفع ثمنها النفط الخليجي، حتى وإن اكتوى بلظاها بين الفينة والأخرى.
وكذلك الحال في ديار السلطان التركي الطامح بأمجاد الخلافة العثمانية، وقد فتحت كل أطرافها، بل وصدرها، ليعلوها الزاحفون نحو الحلم المقدس، فإذا بارتدادات الفخ السوري تدوي في اسطنبول وأنقرة صبح مساء، في ظل تعاظم المشروع الكردي بعد أسطورة كوباني وما تلاها، ليجد أردوغان نفسه مكرهاً على التساوق مع المشروع الروسي المتنامي على أطلال التعثّر الأميركي، وقد نجح هذا المشروع في قضم الأنوية الصلبة للمسلحين، وكان آخرها معقلهم الأكبر في حلب، حيث تلاشت كل قراءات التقسيم، أو الضم شمالاً وجنوباً.
جاء التطوّر المدوّي في حلب في ظل تفاقم الصراعات الداخلية بين فصائل المسلحين المنسجمة فكرياً، ولكنها مختلفة أميرياً، لتقف المنطقة برمتها على أعتاب مرحلة جديدة، بات فيها محور الممانعة المتحالف مع الروسي يرسم بدايات خريطة جديدة، في ظل ترقّب إسرائيلي متحفّز، لا يخفف من روعه إلّا تصدّر الروسي للمشهد، والروسي لا يعنيه من أمر الكيان العبري إلّا ضمان الحياد المطلق، أو لعله حياد يميل قليلاً لتبقى تل أبيب في سلام.
لن يكتفي الكيان العبري بالضمانات الروسية أن لا تنعكس تطورات المشهد عليه سلباً، في ظل تنامي قدرات حزب الله، ومن خلفها الراعي الإيراني وهو يسجّل كل يوم نقاطاً ثقيلة في المياه المشتعلة بالتراث والتكنولوجيا. صحيح أن الإسرائيلي يعاني من ترهّل في قدراته العسكرية، وهو ترهّل ظهرت ملامحه في هروب مئات من جنوده أمام فدائيّ واحد يقود شاحنة مدنية وسط تجمعاتهم العسكرية في قلب القدس، لكن هذا الإسرائيلي ومع تسلمه لسرب من طائرات f35 المتطورة، وفي ظل الخواء العربي المحيط، ولعله التضامن الخليجي في مواجهة المقاومة بكل أشكالها وأقطارها، فإن هذا الإسرائيلي ما زال يتحرّك وفق عقلية (الضربة الاستباقية- خير وسيلة للدفاع الهجوم).
إن فشل الرهان الإسرائيلي على إدامة الانتحار العربي-العربي، سيقوده لسرعة الاعتماد المباشر على نفسه لضمان حياة نظرية (العربي الجيّد هو العربيّ الميّت) وهو في غمرة الحدث السوري، ومن خلفه تطورات المشهد على الفرات العراقي، بما يعنيه من تغيرات جيواستراتيجية يقف فيها الإيراني ليستثمر كل تطوّر، حتى لو ظهر فيها الأميركي بطلاً في الجوّ ومن خلف الستار العراقي في أحيان أخرى، فإن الإسرائيلي يدرك خطورة الفضاءات الجديدة التي يمكن أن تتحرك في ظلها المقاومة اللبنانية والفلسطينية، وهي فضاءات عسكرية-سياسية، وربما يحفها سياق دولي ناهض تحاول فيه روسيا أن تتلمّس مصالحها في ظل تغيّراته، وهي تدرك حساسية البعد الإسرائيلي، ولكن روسيا تعلمت من درسيّ ليبيا القذافي وعراق صدام أن مصالحها فوق كل اعتبار.
لن يطول الزمن أمام اختراع الإسرائيلي لمبررات التدخل الواسع في لبنان، وليس تسليح حزب الله ببعيد، فهو أصل الأزمة منذ بدايتها، فقد هُزم الإسرائيلي عام 2006 أمام الصمود اللبناني، وقد تقرر عبر لجنة فينوجراد أن يستعيد الإسرائيلي زمام المبادرة خلال خمس سنوات، جاءت خاتمة السنوات الخمس عام 2011 حيث اشتعل الصراع الذي دخله حزب الله دفاعاً عن خاصرته، ليقف الإسرائيلي منبهراً وهو يرى خصمه اللدود يخوض معركة قاسية تحت أنظاره، ولا يمنعه ذلك من التدخل النوعي المحدود متى شاء.
لكن أما وقد أخذ الصراع العربي يتراجع، ولم يعد للضربات الإسرائيلية المحدودة أثراً مفصلياً، فيما تعاظمت قدرات حزب الله أضعافاً مضاعفة كمّاً ونوعاً وخبرة، في ظل استقرار تام في الساحة اللبنانية، وهو استقرار أمني - سياسي أخذ يقنع بسلاح حزب الله كضمان للسلم الأهلي في مواجهة الاحتراب القادم من الخارج، سواء كانت حروفه عربية أو عبرية، فإن الحرب الإسرائيلية تبدو اليوم خيار الضرورة لإعادة عقارب ما بعد حلب للوراء.
وقد يبدو التناغم الأميركيّ في ظل رئاسة ترامب القادمة مع الروسي، خيار تهدئة في الملف العربي باعتبار مواقف ترامب الحاسمة نظرياً ضد التطرّف الإسلامي، وهو تطرّف اعتلى المشهد السوري - العراقي، ربما الأمر كذلك، ولكن تطرّف ترامب المعلن لم يكتفِ ببعض المسلمين، ليطال عامتهم، بما يؤكد أن أميركا في ظل عقلية ترامب مرشحة أكثر للانغماس في الصراع ضد المسلمين، وخاصة ضد الطرف المرشح للانتصار في الصراعات الداخلية الراهنة، في ظل عاملين أساسيين، أولهما العامل الإسرائيلي الضاغط، والمتحفّز طوال الوقت ضد أعدائه الثلاثة الرئيسيين، وقد أعلن عن خطورتهم بالترتيب: حزب الله - إيران - غزة، وهو عامل حاسم في ظل انكباب ترامب المتسارع في مصلحة الإسرائيلي، بشكل غير مسبوق في التاريخ الأميركي الرئاسي.
العامل الثاني هو نظرة ترامب لإيران، وتهديده لها بإلغاء الاتفاق النووي، وتحذيراته لها عسكرياً في مياه الخليج العربي، وهي تهديدات أخذت تظهر حتى قبل تسليم أوباما للرئاسة عندما بادر الأسطول الأميركي بفتح النار على سفن إيرانية مؤخراً.
تبدو خريطة الصراع الراهنة مرشحة لتغيّرات هائلة بعد حلب والموصل، ولعل شهور ترامب الأولى في البيت الأبيض، في ظل خطط إسرائيلية جاهزة لتجاوز قرارات الأمم المتحدة فلسطينياً، عبر خلق وقائع إقليمية جديدة، ميدانها الفسيح لبنان-سوريا، بما يفتح الباب على مصراعيه لكل الاحتمالات من باب المندب حتى معبر رفح، ويبقى السؤال الملّح؛ هل ينجح ثنائي ترامب - نتنياهو ومن خلفهما رعاع الخليج في احتواء ما أفرزته تطورات حلب والموصل؟ وهل سيدفع ذلك محور الممانعة لليقين أن الاشتباك الميداني المباشر مع الإسرائيلي أمر لا يمكن تجاهله طوال الوقت، وربما يكمن فيه الحل الحاسم للخروج من مأزق الاحتراب الداخلي؟
* كاتب وباحث فلسطيني