كان لي شرف حضور حفل إطلاق كتاب "نهوض لبنان" في السراي الكبير في 5/10 والحصول على نسخة منه ومن ثمّ قراءة العديد من فصوله. لا شك أنّ المشاركين في كتابة الفصول هم من خيرة خبراء لبنان في الاقتصاد والإنماء والعلوم والسياسة، وأنّ أبحاثهم وخُلاصاتهم تستحق المتابعة من قِبل المجلس الاقتصادي الاجتماعي عن طريق إحياء ندوات لمناقشة كل موضوع على حدة مع الفاعلين في القطاعات المختلفة والمسؤولين في الوزارات، لعلّ في ذلك ما يُفضي إلى تبنّي توصيات واتخاذ قرارات وإصدار مراسيم وقوانين تنقل لبنان من وضعه الحالي المتردّي إلى لبنان المستقر الذي يتوق إليه كل مواطن.


لفتني بشكلٍ خاص معالجة أوضاع القطاعات الإنتاجية، الصناعية منها والزراعية والتي يشكل العاملون فيها والمعتاشون منها غالبية سكان لبنان. فقد غابت نظرية حماية الإنتاج الوطني من المنافسة الخارجية غياباً كاملاً من دون أن يحلّ محلّها أي توصية أو استنتاج يحفّز الاستثمار ويخلق فرص عمل فيها سوى مطالبة الدولة بالمساندة وإحياء برامج التحسين، الأمر الذي ما زلنا ننتظره منذ استقلال لبنان من دون جدوى.
فعبثاً حاولنا ونحاول رفع مستوى الإنتاج الوطني والاستثمار في القطاعات الإنتاجية في ظلّ منافسة شرسة من المستوردات المدعوم إنتاجها وصادراتها من بلدان صناعية متقدّمة كدول أوروبا والولايات المتحدة والصين وتركيا وغيرها. والدليل الذي ورد في إحصاءات الكتاب هو العجز التجاري المتفاقم سنةً بعد سنة وتراجُع مستوى التصدير وزيادة البطالة وهجرة الرساميل والكفاءات.


إذا أُريدَ الانتقال نحو الدول النامية فلا بدّ من تحفيز الإنتاجية

كيف يمكن تحسين النوعية وتخفيف كلفة الإنتاج في القطاعات الإنتاجية من دون المرور بمراحل الخبرة المتراكمة على مرّ السنين وفي ظلّ المنافسة الداخلية التي هي الضامن للحؤول دون استغلال للحماية الجمركية.
إذا أُريدَ لِلبنان أن ينتقل من فئة الدول دون النامية إلى دولة نامية ثمّ متطورة ثمّ صناعية فلا بدّ من تحفيز قطاعاته الإنتاجية وإلّا سيبقى دولةً تأكل ممّا لا تزرع وتلبس ممّا لا تصنع وتُصدِّر خيرة شبابها للعمل والنهوض باقتصاد الدول الأخرى.
لم يأتِ الكتاب على ذِكر الاحتكارات والامتيازات القائمة في لبنان في مجالات محدّدة، منها إنتاج الإسمنت والكابلات الكهربائية وشركة طيران الشرق الأوسط، ناهيكم عن أرباح المصارف التجارية على حساب الدَّين العام المتراكم، مع أنّه للإنصاف أتى على ذِكر مساوئ الوكالات الحصرية.
إنّ أسوأ ما تضمنّه الكتاب حول القطاعات الإنتاجية هو ما ورد في خاتمته حول "إعادة بناء الصناعة والزراعة" وتأكيد على ضرورة ضمان تطبيق الاتفاقات التجارية القائمة وزيادة عددها وتوفير الدعم من خلال الحوافز ومقاومة دعوات زيادة الحماية وتسريع إجراءات الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية.
إنّ هكذا استنتاج للنهوض بالقطاعات الإنتاجية اللبنانية إنّما يستهدف تحسين قدرة لبنان لزيادة صادراته. حبذا لو كان ذلك ممكناً. لكنّ المستنتِج غاب عن تحليله سبب تراجُع الصادرات وزيادة الواردات وبالتالي زيادة عجز الميزان التجاري. إنّ السبب يعود إلى كلفة الإنتاج المرتفعة في لبنان لأسباب يعرفها الجميع وليس لغياب المهارات أو القدرات العملانية أو التردُّد في الاستثمار بل هرباً من المنافسة الشرِسة مع منتجات مستوردة من دول كلفتها أقل لأسباب تدنّي كلفة الطاقة والعمالة والدعم المباشر ودعم التصدير الأمر غير المتوفر في لبنان. وإذا أُريدَ من التوصية الاستثمار بالانفتاح والسّير بالعَولمة إلى آخر المطاف، فإنّ مطالبة القطاع الخاص بالسير في العمل بالقطاعات الإنتاجية إنّما هو ضرب من الخيال بدليل فشل هذه السياسة طيلة ربع قرن من اعتمادها. هذا ناهيكُم عن عدم قدرة الدولة على تحقيق أي من التوصيات المطلوبة منها، من دعم لِمنتجات ذات قيمة مُضافة عالية (ولا ندري ما هي؟) أو تبسيط البيروقراطيّة الإدارية أو استقرار البيئة المالية وغيرها. فإنّ الاعتماد على الدولة في أي من هذه الأمنيات هو ملهاة للإبقاء على سياسة خنق القطاعات الإنتاجية اللبنانية ودعم الاستيراد والإبقاء على حالة التخلُّف. أي أنها دعوة خبيثة تخدم المصدّرين والعدو على حدّ سواء.
كلُّ قائلٍ بأنّ الحماية الجمركية ستؤدي إلى رفع سعر المنتجات المَحميّة هو قولٌ باطل لأنّ زيادة سعر أي منتج مستورد هي دائماً مبرّرة لهؤلاء بحجة زيادة سعرها عالمياً؛ أما إذا جاء رفع السعر جزئياً لتحفيز الاستثمار وخلق فرص العمل فهو عملٌ باطل. يجب ألّا يخفى على أحد أنّ الغلاء أو الرخص هو مؤشر نسبي وليس مطلقاً. إنه نسبة إلى دخل الفرد. فما معنى المنتج الرخيص لمن ليست لديه فرصة عمل أو أنّ دخله متدنٍّ جداً.
كفانا تلطياً خلف العولَمة التي قادتنا إلى التراجع منذ اعتمادها في أوائل العقد الأخير من القرن الماضي. فلو كان مفعولها إيجابياً طيلة ربع قرن لبانَت النتائج الاقتصادية منذ سنوات. لكنها أتت بإقفال صناعات عديدة وتراجُع في إنتاج غذائنا حتى بِتنا نستورد 85% من طعامنا.
لقد آن الأوان لأن نغيّر من سياسة التعاطي مع القطاعات الإنتاجية بوضعِها تُنافس المستوردات وتتراجع أمامها للأسباب التي ذكرنا، إلى سياسة حمايتها حمايةً جمركية فاعلة تحفّز المستثمرين للاستثمار في المجالات المحميّة. لا يترتّب على الدولة في هذا الشأن إلّا التشريع الملائم من دون أي مطلب آخر منها. حينها سوف نرى اللبنانيين الناجحين في عالم الاغتراب يتوافدون إلى لبنان حامِلين معهم مدخراتهم وخبراتهم كي يستثمروا في المجالات المحميّة كي ينتجوا فيه ويبيعوا منتجاتهم في الأسواق اللبنانية التي تعتمد أصلاً على المستورَد منها من دون الحاجة إلى طَرق أبواب التصدير ومواجهة المواصفات المُغالى بها والعراقيل التي لا حدود لها.
هكذا، وهكذا فقط، يمكننا تحفيز الاستثمار في القطاعات الإنتاجية وتخفيف العجز في الميزان التجاري واستيعاب آلاف الكفاءات المهاجرة والحدّ من البطالة.
* كاتب لبناني