إن تحليل سياسات دونالد ترامب الخارجيّة ليس علماً أبداً، أو هو علم بقدر ما أن ضرب الرمل هو علم. ليس للرجل خلفيّة سياسيّة وهو لا ينتمي إلى أي من التيّارات النافذة في أي من الحزبيْن النافذيْن. حتى هويّته الحزبيّة مستحدثة لأنه كان أقرب إلى الحزب الديموقراطي في بداياته وفي اقتراعه، لكن المجال لم يكن مفتوحاً أمامه في ذلك الحزب لخوض الترشّح الرئاسي (لكن التنقّل بين الحزبيْن هو أمر عادي هنا، لأن الفروقات الأيديولوجيّة أقل مما هي عليه بين حزبيْن متنافسيْن في ديموقراطيّات أخرى).


كما أن حالة العداء التي استفحلت بينه وبين أوباما (الذي سخر منه أكثر من مرّة — والعنصر الشخصي مُقرِّر عند ترامب الذي لا يتحمّل النقد أو السخرية من أي كان، إلى درجة أنه أقام دعوى قضائيّة ضد الكوميدي، بيل موهر) منعته من خوض المعترك السياسي على قائمة الحزب الديموقراطي. لكن ترامب أصبح رئيساً للبلاد، وقد بدأ للتوّ باتخاذ قرارات لا تعني فقط سكّان هذه البلاد، بل تعني أيضاً كل سكّان الأرض.
لم يسبق أن وصل شخص مثل ترامب إلى سدّة الرئاسة الأميركيّة. هذه بلاد محافظة تحبّذ الشخصيّات التقليديّة المعروفة.


الصراع بين المستشارين سيؤثّر في نتائج
صنع القرار
لم يصل أعزب، مثلاً، إلى سدّة الرئاسة إلا مرّة واحدة (جيمس بوكانن، في عام ١٨٥٧، ويظن المؤرخون أنه كان مثليّاً). ولم يصل مطلّق إلى الرئاسة سوى مرّة واحدة (رونالد ريغان)، فيما غفر الجمهور الأميركي لترامب طلاقيْه الاثنيْن. لكن هناك حالة غليان بين السكّان البيض في هذه البلاد وهناك حالة من تفاقم الوضع المعيشي لملايين من السكان البيض (والملوّنين طبعاً)، الذين يصبحون عرضةً سريعة للاستغلال والتحريض من قبل المتطرّفين. وتقييم توجّهات ترامب في السياسة الخارجيّة يزداد صعوبة لأنه ليس كاتباً ولا قارئاً ولا خطيباً ذا سجلّ في مواضيع الأمن القومي. رونالد ريغان، مثلاً، كان معروفاً كحاكم لولاية كاليفورنيا في الستينيات، وهو جال البلاد منذ حملة باري غولدووتر في عام ١٩٦٤ لتعريف الناس بشخصه وبسياساته. وجورج دبليو بوش تحالف مبكّراً مع الجناح اليميني المحافظ في الحزب الجمهوري واعتنق السياسة الخارجيّة للمحافظين الجدد. هذا ليس ترامب. هو لم يتحالف إلا مع نفسه ومع مصالحه عبر السنوات والعقود، وكان على صلة (مالية واجتماعيّة) — مثل كل الأثرياء — مع أقطاب في الحزبيْن.
والحديث عن توجّهات ترامب في السياسة الخارجيّة يبقى في ظل التخمين لأننا نتعاطى مع شخصيّة لا خلفيّة سياسيّة معروفة لها، وأسلوبه في الحكم غير معروف لأنه لم يسبق له أن تسلّم منصباً سياسيّاً (تنفيذيّاً) من قبل. لكن يمكن القول إن من العناصر الأولى في تحديد سياسة ترامب الخارجيّة ستكون توجّهاته و«غرائزه» — كما كانت كوندوليزا رايس تقول عن انحيازات بوش (الخالية من المعرفة) في السياسة الخارجيّة. ترامب كان تاريخيّاً أقرب إلى الجناح التقليدي (الشرقي، نسبة إلى شرق البلاد) من الحزب الجمهوري. وهذا الجناح طُمس بعد صعود ظاهرة رونالد ريغان وبروز دور المحافظين الجدد (خصوصاً في عهد جورج دبليو بوش). جدّد جورج بوش (الأب) دور هذا الجناح التقليدي الشرقي لكن أمده كان قصيراً. ومن سمات هذا الجناح: ١) الانعزاليّة في السياسة الخارجيّة، والتركيز على حلّ المشاكل الداخليّة المستعصية والنفور من أي مشروع لـ«بناء الأمم» (أي التدخّل العسكري المباشر والطويل) في دول العالم (هذا لا يعني أن هذا الجناح كان تاريخيّاً مُسالماً بالضرورة لكنه كان أقل نزوعاً للتدخلّ الخارجي من القيادة الديموقراطية وحتماً من طموحات المحافظين الجدد. ٢) التوجّس من برامج الدعم المالي لدول العالم، وخصوصاً من دولة الاحتلال الإسرائيلي (يقترب هذا الموقف من مواقف الليبرتاريّين). ٣) الركون إلى رغبات شركات النفط والسلاح في السياسة الخارجيّة (وكانت هذه الشركات، مثلاً، تقول تاريخيّاً بخفض الدعم الأميركي لإسرائيل والتقرّب من دول الخليج، لكن ذلك كان في زمن كانت فيه دول الخليج على تضاد من دولة الاحتلال الإسرائيلي في السنوات التي كان فيها اللوبي الإسرائيلي يعارض صفقات التسلّح لدول الخليج. طبعاً، بعد ١٩٩١، باتت دولة العدوّ عبر لوبيها تناصر كل صفقات السلاح إلى دول الخليج لأن مصالحها باتت متوائمة ــ إن لم تكن متطابقة ــ مع دولة العدوّ. ٤) معارضة سطوَة اللوبي الإسرائيلي. لا نستطيع أن نقول إن ترامب عبّر بالضرورة عن كل سمات هذا الجناح التقليدي الانعزالي. هو كان من معارضي سياسة الدعم الخارجي، وثبت في معارضته وسخريته من أنظمة الخليج عبر السنوات، خصوصاً من الحكم السعودي (كما أنه عارض النفوذ الياباني في أميركا). يمكن القول إن معارضة آل سعود والدعوة إلى الاستيلاء على ثرواتهم ثمناً للدعم الأميركي لنظام حكمهم (الذي ما كان يمكن أن يستمرّ لولا الدعم العسكري الأميركي المباشر، كما كرّر ترامب) هو من ثوابت سياسته الخارجيّة. كما أنه كان مُجاهراً بمعارضة الحرب في العراق (بالرغم من تصريح واحد له فُهم منه أنه لم يعارضها في البداية) وبنقد حروب جورج بوش. لم يكن ترامب معارضاً للوبي الإسرائيلي لكن تصريحاته في بداية حملته الانتخابيّة (حتى فوزه بالترشيح الجمهوري) لم تلتزم بالخطاب الجمهوري الرسمي حول إسرائيل، خصوصاً أنه كرّر أكثر من مرّة دعوته إلى دور «حيادي» نحو الصراع العربي ــ الإسرائيلي. والكلام عن دور حيادي أميركي لم يعد مسموعاً منذ الستينيات (طالب به يومها ريتشارد نيكسون قبل فوزه بالرئاسة الأولى في عام ١٩٦٨) ويُعتبر تحديّاً للسياسة الأميركيّة (من الحزبيْن) في دعم احتلال إسرائيل. هذا لا يعني أن سمات خطاب ترامب عبر السنوات ستقرّر (وحدها أو جزئيّاً) سياساته الخارجيّة لأن هناك عناصر أخرى يجب أخذها في الحسبان.
وشخصيّة ترامب ستلعب دوراً في تقرير مسار السياسة الخارجيّة إلى درجة ليست معلومة بعد. لكن إذا كانت تجربة قيادته لحملته الانتخابيّة هي مؤشّر، فإنه سيصرّ على إهمال نصائح مستشاريه وفعل ما يريد — وقول ما يريد — حتى لو كانت استطلاعات الرأي تنصح بعكس ذلك. لكنه أثبتَ أيضاً قدرته على التلوّن والنفاق عندما يريد: فالذي بدأ حملته الانتخابيّة باقتراح انتهاج «الحياديّة» في السياسة الأميركيّة نحو الصراع العربي ــ الإسرائيلي، عاد ونطق بالخطاب التقليدي السائد بين الحزبيْن. كما أنّ جهله بأمور السياسة الخارجيّة (إلى درجة أقلّ من جورج دبليو بوش) سيعني أنه يمكن له أن يستعين بنصائح وإرشادات مستشاريه. لكن شخصيّته المُسيطرة لا تسمح له بتسليم مقدّرات صنع القرار إلى نائبه، كما فعل بوش في إدارته الأولى.
العنصر الثاني سيحتلّه مستشارو الرئيس في شؤون السياسة الخارجيّة والدفاع، وهم أشخاص غير معروفين. وهنا عنصر المفاجأة في سياسته الخارجيّة: هو نبذ الذين نبذوه من خبراء السياسة الخارجيّة في الحزب الجمهوري، مما يضطرّه إلى الاستعانة بأشخاص إما مجهولين، أو معروفين لكن في غير مجال السياسة الخارجيّة. فقد وقّع ١٢٢ من خبراء الحزب الجمهوري في الدفاع والسياسة الخارجيّة عريضة ضدّه في الانتخابات الحزبيّة في آذار الماضي. وافتقار «فريق الانتقال» إلى خبراء في السياسة الخارجيّة ظهر في عدم تدريب وتحضير المرشحين للمناصب العليا في شهادات التثبيت أمام الكونغرس. وترامب لا يغفر إهانة، والكثير من الموقّعين على عرائض ضده كان قد وعد بعدم الخدمة في إدارته (بعضهم حاول خفية لكنهم جوبهوا بالرفض القاطع). وهو اختار مثلاً، نيكي هيلي، محافِظة ولاية جنوب كارولينا، كسفيرة إلى الأمم المتحدة، مع قلّة باعها في السياسة الخارجيّة. وهي تنطق بالخطاب الجمهوري المحافظ، كلمةً كلمةً. لكنها لن تقرّر السياسة بقدر ما ستنفّذها. لكن كون ترامب غير مدين للقطاعات والتيّارات النخبويّة التقليديّة في الحزب الجمهوري، باستثناء فئة اليمين المسيحي الصهيوني، يجعله أكثر حريّة في حركته وصناعة قراره. أما وزير الخارجيّة، ريكس تيلرسن، فهو من خلفيّة اقتصاديّة نفطيّة، وقد زُكي لمنصبه من قبل وزير الدفاع الأسبق روبرت غيتس (القريب من التيّار الجمهوري التقليدي، أكثر مما هو من فريق المحافظين الجدد) وكونداليزا رايس (التي تقع في منزلة بين المحافظين الجدد وبين التيّار الجمهوري التقليدي في السياسة الخارجيّة).

نتحدّث عن إمبراطوريّة عسكريّة منتشرة في أكثر من ٧٠٠ قاعدة
لكن شركة «إيكسن» التي قادها لسنوات تيلرسن، ليست شركة عاديّة. وكتاب ستيف كول، «الإمبراطوريّة الخاصّة: إيكسون-موبيل والقوّة الأميركيّة»، يضع الشركة العملاقة في موقعها الحقيقي، إذ يكشف أن للشركة إدارة استخباراتيّة خاصّة بها (مركزها في إرفنغ تكساس) يعمل بها مسؤولون سابقون في الحكومة الأميركيّة، ومهمتهم تقديم تحليلات عن الأوضاع الديموغرافيّة و«الضبط السياسي» ومجال العمل وغيرها من «الأساسيّات» في بلدان العالم. وتعمل الشركة أحياناً باستقلاليّة عن الحكومة سعياً وراء ربحها: ١) حافظت على علاقة ممتازة مع بوتين بالرغم توتّر علاقته مع إدارة أوباما. ٢) توصّلت إلى اتفاقيّة مع الحكومة المحليّة في كردستان العراق، متحديّةً رغبة وزارة الخارجيّة الأميركيّة. وشهادة تيلرسن في الكونغرس قبل أيّام تطابقت مع ترامب أحياناً وتعارضت معه أحياناً أخرى (كان أكثر تقديراً لحلف شمال الأطلسي كما أنه أبدى ملاحظات سلبيّة عن بوتين وموقفه ضد إيران توافق مع الموقف التقليدي للحزبيْن، ورفض سياسة منع المسلمين عن أميركا). لكنه وافق ترامب في التعبير عن موقف عدائي من الإسلام، ومن إيران، عندما ساوى بين «القاعدة» (التي أصبحت حليفة على الأرض مع إدارة أوباما) وبين تنظيم الإخوان المسلمين و«بعض العناصر في إيران». لكنه في موقفه من الحرب السوريّة بدا متوافقاً مع موقف ترامب في الحملة الانتخابيّة (خصوصاً قبل فوزه بالتشريح، عندما كان يتكلّم بعفويّة تنمّ عن تطلّعاته من دون «فيلتر» سياسي). وقال تيلرسن إن الأولويّة ستُكرّس لهزيمة «داعش»، وإن التصدّي للمهمّة تلك ولإسقاط الأسد يتناقضان. وعليه، فإنه قال إن «الأولويّة الواضحة» ستكون لهزيمة «داعش»، لكنه أضاف حول مهمّة إسقاط الأسد: «قبل أن نقررّ إذا كان ذلك ما نريد بالفعل، علينا أن نجيب عن السؤال: ماذا سيحدث بعد ذلك»؟
لكن فريق ترامب متنافر: فالمرشح لإدارة وكالة المخابرات المركزيّة يأتي من صفوف الكونغرس، وله باع طويل في التحريض ضد الإسلام وهو قريب من اليمين المسيحي، مثله مثل دان كوتس (السيناتور السابق) الذي سيتولّى منصب مدير الاستخبارات القوميّة (أي المدير الذي يُشرف على عمل كل وكالة استخبارات الـ١٧، وينسّق بين تقاريرها خدمة لنصح الرئيس الأميركي). لكن مستشار الأمن القومي، مايكل فلن، لا يسهل تصنيفه، فهو ديموقراطي التحزّب لكنه كان من أوائل الذين ناصروا ترامب (لعلّ ذلك انتقاماً من أوباما الذي عيّنه مديراً لـ«وكالة استخبارات الدفاع» قبل أن يتخلّص منه بسبب عناده وسوء إدارته و«إهماله للحقائق» إذا ما تناقضت مع عقيدته). كما أنه ينشط في حركة «تحرّك من أجل أميركا» (وهي منظمّة صهيونيّة معادية للإسلام والمسلمين، وقد تأسست على يد اللبنانيّة الصهيونيّة، بريجيت غبريل - اسم مستعار لنور سمعان، التي زعمت في أوّل كتاب لها («لأنهم يكرهوننا») أن «المسلمين» في لبنان شنّوا حرباً عليها في جنوب لبنان مما اضطرّها لقضاء سنتيْن في ملجأ). وفلِن وصف الإسلام بأنه «أيديولوجيا» و«سرطان» وليس ديناً. وفي كتابه «ميدان القتال»، الذي صدر في السنة الماضية، ينزع فِلن إلى ضرورة إعلان حرب عالميّة (ثالثة) ضد الإسلام، أو ضدّ ما يصفهم بـ«حركة خلاصيّة جماهيريّة من الأشرار»، الفصل الأوّل من كتابه). لكنه يربط اعتباطاً بين هؤلاء الأعداء وبين فنزويلا وروسيا والصين وكوريا الشمالية. ويقترح إنشاء حلف ثلاثي في الشرق الأوسط يجمع بين ديكتاتوريّة السيسي (الذي يثق به لـ«إصلاح» الإسلام) وبين الأردن ودولة العدوّ الإسرائيلي (ص. ١٧٧). والكتاب من تأليف مشترك بين فلِن ومايكل لديدين (وهو من ألد أعداء الشيوعيّة التاريخيّين ومن أقطاب المحافظين الجدد). لكن فلِن يتمتّع بعلاقة حسنة مع الحكومة الروسيّة. وتظهر بصمات ليدين في الكتاب في نظريّة المؤامرة التي تجمع بين النظام الإيراني وبين كوريا الشماليّة (ص. ٧٧). لكن هل سيستطيع فلِن (المعروف بفظاظته الإداريّة) بحكم قربه من الرئيس في البيت الأبيض، أن يسرق السياسة الخارجيّة من يد تلرسن، الحديث العهد بالعمل الحكومي؟ هذا سيتوقّف على مدى إمساك ترامب بمقدّرات صنع السياسة الخارجيّة.
أما وزير الدفاع الجنرال جون ماتيس، فهو جنرال تقليدي ذو رؤية تقليديّة للسياسة الخارجيّة (تقول «إيكونومست» إن دول العالم تعوّل عليه لإحداث توازن في السياسة الخارجيّة في عهد ترامب). وتمرّس ماتيس في شؤون الشرق الأوسط عندما قاد «القيادة الوسطى» للقوّات المسلّحة الأميركيّة، وهي التي تغطّي منطقة الشرق الأوسط (وللقوّات الأميركيّة المسلّحة قيادات تغطّي كل الكرة الأرضية، فيما تنفي أميركا عن نفسها تهمة الشهيّة للسيطرة العالميّة والكونيّة). وفي سنوات قيادته تقرّب ماتيس من أنظمة الخليج، وأقام في قطر، وشارك حكومات المنطقة العداء لإيران. هذا العداء أدّى إلى تصادمه مع إدارة أوباما لأنه طالب بإلحاح الموافقة على ضرب أهداف إيرانيّة (رفض أوباما طلباته خشية انفجار حرب إقليميّة). لكن ماتيس أزعج اللوبي الصهيوني عندما أدلى بشهادة قال فيها إن عدم تطبيق «حل الدولتيْن» يضرّ بالمصلحة الأميركيّة ويعرّض القوّات المسلّحة الأميركيّة في الشرق الأوسط إلى الخطر. وهو قارن وصف الاحتلال، فيما إذا استمرّ، بمحاكاة نظام «الأبارثيْد». ويجمع ماتيس في شخصيّته بين صفة «الكلب المسعور» (التي أعجبت ترامب الذي يعتبر الجنرال بَتِن، جنراله المفضّل) وشخصيّة «المثقّف الراهب» (لأنه خلافاً لأترابه بقي عازباً، وجمعَ الكتب).
لن تكون سياسة ترامب الخارجيّة نتاجاً خالصاً لنصح وإرشاد هذه الشخصيّات المتنوّعة والمتنافرة، أو حتى للصراع فيما بينها. لنتذكّر دوماً أننا لا نتحدّث عن دولة عاديّة بل عن إمبراطوريّة عسكريّة منتشرة في أكثر من ٧٠٠ قاعدة حول العالم. أي أن مجموعة من المصالح الاستراتيجيّة والمؤسّسات المتنفّذة لا تتغيّر بتغيّر الرئيس. تابع أوباما سياسات وحروب بوش، لا بل هو زاد عليها ووسّعها. إن العلاقة بين قدرة الرئيس الأميركي على مخالفة مشيئة القيادة العسكرية والاستخباريّة وخبرته العسكريّة هي علاقة مباشرة. أي أن قدرة أوباما وترامب قليلة مقارنة بجون كنيدي الذي حارب وتميّز في الحرب العالميّة الثانية. ومصالح الإمبراطوريّة المترامية الأطراف، التي تتخطّى موالي الإدارات، هي العنصر الثالث في تقرير السياسات. أي إن الثوابت تطغى وسيصعب على الرئيس معارضتها (مثل موقفه من حلف شمال الأطلسي).
أما العنصر الرابع في تقرير السياسات في هذه الإدارة فسيكمن في المصالح الاقتصاديّة وخلق فرص العمل التي شكّلت صلب البرنامج الانتخابي لترامب. أي أنه سيربط بين المصلحة الاقتصاديّة الآنية وتحديد العلاقة مع الدول. وعليه، فإن الحكم السعودي سيجد نفسه مضطرّاً، في زمن التقشّف والخطط المستقبليّة، إلى إسعاد الرئيس الجديد عبر توقيع صفقات شراء أسلحة وطائرات بمليارات من الدولارات. لكن هذا صعب لأن النظام السعودي بذخ في شراء السلاح في العقد الأخير، وليس من مؤشر إلى أن هناك ارتفاعاً متوقّعاً في أسعار النفط. (سارعت الحكومة السعوديّة في توقيع عقد بشراء طائرات «بوينغ» في أوّل عهد كلينتون، بعد أن كانت قد وافقت على شراء طائرات «إيرباص». وساهم ذلك في توطيد العلاقة بين بندر بن سلطان والرئيس الجديد الذي كان قد انتقد الحكم السعودي قبل وصوله إلى السلطة). أي أن ترامب سيجعل العلاقة بينه وبين الدول عرضة للبيع والشراء، لكن هذا سيكلّف الدول الخليجيّة المزيد من النفقات التسليحيّة والاستيراديّة.
إن تولّي عدد من الجنرالات مناصب رفيعة في الإدارة الجديدة قد يُعزّز من نفوذ البنتاغون، على حساب وزارة الخارجيّة. لكن المنحى التقليدي للبنتاغون في السنوات الأخيرة هو أقلّ تأييداً للحروب من القيادة المدنيّة لأن الأولى هي التي تنفّذ أمر الحروب، فيما يجلس مسؤولو البيت الأبيض ووزارة الخارجيّة فوق مقاعدهم الوثيرة في واشنطن — حسب النقد العسكري للحماسة المدنية السياسية لنشر الحروب في تنفيذ السياسات الأميركيّة. لكن هذا محكوم بالضوابط الذي سيضعها، أو يزيلها، ترامب على فريقه الاستشاري. إن أسلوب الحكم من قبل الرئيس من شأنه أن يُقرّر طبيعة ونتائج صنع القرار الرئاسي. كلّما ابتعد الرئيس عن عمليّة صنع القرار، كلّما عظُم دور المستشارين، والعكس صحيح. إن عهد أوباما تميّز بتمسّك الرئيس بعمليّة صنع القرار في السياسة الخارجيّة، مما أضعف دور وزير الخارجيّة ومستشارة الأمن القومي.
والصراع بين المستشارين سيؤثّر في نتائج صنع القرار، بصرف النظر إذا كان الرئيس ممسكاً بزمام الأمور أم ملتهياً بالتغريد عن شؤون الفنّ والإعلام. وتوقّع الجنرال ديفيد بارنو (في مقالة مع نورا بن ساهل في موقع «وور أون ذا روكس») أن ينشب صراع بين ثلاثة أجنحة حدّدها توماس رايت في مقالة على موقع «فورين بوليسي» بعنوان «فريق الخصوم في فريق ترامب: ١) فريق «أميركا أوّلا». ٢) فريق المحاربين الدينيّين. ٣) فريق السياسة التقليديّة. لكن المشكلة في تصنيف رايت أن هذه التصنيفات متداخلة: ففريق «أميركا أوّلاً» يتقاطع غالباً مع فريق المحاربين الدينيّين. كما أن فريق السياسة التقليديّة لا يمكن تحديد معالمها لأن هناك من أقطاب الفريق، مثل تلرسن، ممن لم يحدّد موقفه بعد مع أن شهادة الأخير في الكونغرس كانت أقرب إلى السياسة التقليديّة للحزب الجمهوري من تصريحات وتغريدات ترامب.
خلاصة الموضوع أننا نجهل بالكامل أو بالتقريب توجهّات سياسات ترامب الخارجيّة. ليس فقط لأننا نتعامل مع شخصيّة غير عاديّة وغير مألوفة في الحياة السياسيّة الأميركيّة، بل لأنه زاد الغموض غموضاً بعد أن عيّن عناصر متنافرة وغير متناسقة في فريقه الرئاسة. لكن المعادلة الرياضيّة: أن كل رئيس أميركي يكون أسوأ من سابقه في السياسة الخارجيّة نحو بلادنا، تصلح نبراساً.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)