يعتقد العسكريون دائماً أنهم الأقدر على إنقاذ الأوطان في أوقات المحن الكبرى. ربما وجدوا بالتنقيب بين صفحات التاريخ ما يعضد ظنهم هذا، لكن تلك الفرضية ليست دائماً الأكثر صحة عندما تصطدم بحقائق الواقع ورهانات المستقبل.


في قراءة لـ«30 يونيو» من خارج معسكر ثورة 25 يناير، من صحافي راحل كان محسوباً على فريق توريث السلطة لجمال مبارك ابن الطاغية المخلوع، وصف الاحتجاجات الشعبية آنذاك بأنها «ثورة الدولة»، ربما كان التجهيز للتظاهر ثم الحراك الجماهيري بعده في أحد أوجهه مرتبط بأجهزة أمنية، لأن الرغبة الشعبية في إطاحة حكم الإخوان تلاقت مع مصلحة ما اصطلح على تعريفه عقب ثورة يناير بالدولة العميقة، لكن الأكيد أن ما حدث بعد 30 يونيو كان بالكامل إرادة حكومية محضة، وحدث إقصاء لكل القوى المدنية بداية من فض اعتصام رابعة حتى رحيل حكومة حازم الببلاوي، وأُديرت الدولة من حينها عبر الأجهزة الموروثة من زمن الطاغية المخلوع حسني مبارك، تلك الأجهزة التي استعادت أدواتها للعنف المقنن عافيتها القمعية في سنة حكم الإخوان المشؤومة، عقب ترنحها إثر ضربات ثورية عنيفة وغير متوقعة بداية من 28 يناير 2011 حتى مارس من العام نفسه، أعقبها حالة من الارتباك والمحاولات الخبيثة في إجهاض الثورة، وتجلت في التحالف مع القوى الدينية لكسر عزيمة المتظاهرين المطالبين بمدنية الدولة.


كلمة نقد واحدة كفيلة أن تحوّل صاحبها إلى عدو للدولة

برّر الراحل الأستاذ محمد حسنين هيكل دعمه ترشح عبد الفتاح السيسي للرئاسة، بمقولة «الرئيس الضرورة». آنذاك، كانت فكرة الحفاظ على هوية الدولة المصرية العلمانية تشغل بال الكثير من الفاعلين في صفوف القوى الوطنية «غير الخاضعين للفكرة الاستشراقية تجاه العرب والشرق أوسطيين»، عقب صعود الإسلاميين المدعومين من الإمبريالية الأميركية في دول «الربيع العربي»، والشاهد أن السيسي وصل إلى السلطة بدعم غير مسبوق بغية الحفاظ على كيان الدولة من المزاعم التي راجت وقتها عن خطط الإخوان وحلفائهم الرامية إلى تفكيك فكرة الوطن الجامعة وحصرها في المذهب والطائفة، لكن الأحداث المتسارعة في العامين والنصف الماضيين أثبتت أن مقولة الرئيس الضرورة كانت حقاً يراد به باطل، وأن الرئيس الضرورة باليقين بعد كل ما حدث ليس هو شخص الرئيس عبد الفتاح السيسي.
عامان ونصف العام تأكد خلالها الجميع من بؤس خيارات نظام السيسي. تساقط المؤيدون واحداً تلو الآخر ولم يبق في سفينة النظام إلا سدنة الاستبداد على مر العصور، والراقصون على حبال السلطة المأجورين، حمدين صباحي، الوجه المدني الأبرز شعبياً في معسكر المنتمين إلى ثورة يناير، انتقل من مقعد الاحتفال بافتتاح «تفريعة» قناة السويس في حضور السيسي إلى قاعات المحاكم للاحتجاج على اتفاقية تيران وصنافير وطاله من التشويه الكثير، والكاتب والإعلامي إبراهيم عيسى أحد أهم داعمي 30 يونيو يجلس الآن مسترخياً في منزله عقب وقف برنامجه بسبب انتقاداته للنظام الحاكم وتمسكه بمصرية الجزيرتين، بعد مناوشات حكومية على إثرها جرى إلغاء معرض أثاث سنوي شهير ينظمه مالك القناة التي كان يقدم عبرها برنامجه، وعدد ليس بالقليل من مقدمي برامج «التوك شو» الأكفاء كان حظهم مثل عيسى، جلسوا في منازلهم مبكراً بسبب تمسكهم بالمهنية في أداء الرسالة الإعلامية. والجرائد تدار بعقلية رجال الأمن وليس الصحافيين فيما يساق قيادات نقابة الصحافيين إلى المحاكم وتصدر أحكام حبسهم بتهمة هزيلة تتمثل في أداء مهامهم النقابية، بينما يبدو مجلس النواب وكأنه حديقة خلفية للحكومة وليس رقيباً عليها، ورئيسه أستاذ القانون يتعامل مع نواب الشعب على أنهم محض تلاميذ في مدرسة يضطلع هو بمنصب مديرها! يطرد من يشاء ويمنع الكلمة عمن يشاء، في غياب رقابة شعبية على ما يحدث تحت القبة عقب منع بث الجلسات على الهواء مباشرة بعد الفضائح المخجلة التي حدثت في الجلسات الأولى من النواب المؤيدين لنظام السيسي، فضلاً عن تعمد البرلمان إهدار القانون والدستور بعدم تنفيذ حكم القضاء النهائي في قضية تصعيد النائب عمرو الشوبكي بدلاً من آخر أُبطلت عضويته.
يحار المرء أحياناً وهو يتأمل الخطوات الحكومية في التعامل مع قضايا داخلية مُلحّة. عقلية منغلقة لا تثق إلا في أتباعها ومنافقيها، كلمة نقد واحدة كفيلة أن تحوّل صاحبها بين ليلة وضحاها إلى عدو للدولة وعميل في مرتبة متقدمة بالطابور الخامس ومشارك في مؤامرة كونية ضد الوطن. ويأخذ مكانه بجوار آلاف المعتقلين بلا جريرة غير التظاهر، وهو الحق المكفول دستورياً. المواطنون يكتوون بنار الغلاء الفاحش فيما النظام الحاكم مشغول في بناء مشروعات عوائدها الاقتصادية غير معلومة، ويشكك اقتصاديون في جدواها في الوقت الراهن، من عينة شق «تفريعة القناة» والعاصمة الإدارية الجديدة، وثالثة الأثافي الاقتراض من البنك الدولي وما يترتب عليه من خضوع كامل لإملاءات اقتصادية يتحملها الفقراء، وظهرت بشائرها في الغلاء غير المسبوق وقوانين على شاكلة «القيمة المضافة» و«الخدمة المدنية» وخطوات اقتصادية مثل تعويم العملة، وتحويل تلك المصيبة إلى فتح عظيم على ألسنة الثعالب المدجنة في البرامج الحوارية، فيما تبقى الرعونة المتكررة في تصريحات الرئيس إشكالية تستعصي على الفهم، بما تخلفه من زوابع لا تليق بمنصب حاكم أقدم دولة مركزية في التاريخ، فضلاً عن أن الدولة المصرية المأزومة اقتصادياً في غنى عنها في الوقت الراهن. هذا بينما يتمدد الفكر السلفي الوهابي تحت دعاوى المظلومية في أرجاء الوطن، وكان آخر مشاهده الحادث الآثم في الكنيسة البطرسية المُنفذ بواسطة انتحاري، في تطور نوعي مخيف للعمليات الإرهابية في مصر.
لا ننكر أنّ هناك خطوات في الشأن الخارجي حكيمة وتعبّر عن رسوخ الدولة المصرية في محيطها العربي، بالتحديد في سوريا وليبيا واليمن، لكن في الوقت نفسه تحدث مواقف أخرى تناقض السابقة خاصة في التعامل مع الكيان الصهيوني، والحضور المُريب للمدعو محمد دحلان ورجاله في القاهرة ومحاولات تلميعه في صحف من المعروف أن أجهزة أمنية تديرها «من الباطن»، وأيضاً ما يخص تنازل نظام السيسي عن جزيرتي تيران وصنافير وما استتبع تلك الاتفاقية الجريمة من حماقات حكومية كثيرة.
بالمحصلة النهائية، داخلياً وخارجياً نظام السيسي غارق حتى أذنيه في هلوسات المؤامرات ومشغول عن توفير احتياجات المواطن الأساسية بتجنيد السفهاء من مذيعي التلفزيون وكتبة الصحف للردح لمعارضيه سواء شخصيات أو دول، في الفضائيات وعلى صفحات الجرائد. نظام يعتمد العقل الفضائحي البدائي المُساق بتقارير الأجهزة الأمنية سيئة السمعة عبر ضلوعه في تسريب مكالمات هاتفية للنشطاء والشخصيات العامة، لترهيب كل من يتجرأ ويجهر بمعارضة الهراء البادي في إدارة الدولة، والتخبط الاقتصادي وتردي الأحوال المعيشية.
فشل السيسي في الحفاظ على الدعم الشعبي وأهدر المليارات التي انهمرت على خزينة الدولة بعد 30 يونيو، وتغوّلت في عهده الأجهزة الأمنية وعادت المشاهد الكريهة للقتل داخل أقسام الشرطة، ما يُحيلنا على أن مقولة الرئيس الضرورة تحولت إلى ورطة للدولة، أو ربما كانت تعني ضرورة المحافظة على الاستبداد وتعميم الفقر على المصريين وتعميق الانقسام المجتمعي.

* روائي وصحافي مصري