قبل أكثر من خمسة عشر عاماً، كانت دراسة الإعلام في سوريا متوقفة على المتفوقين في الفرع الأدبي، والذين يحصلون على أعلى درجات في الثانوية العامة، وكانت هناك جامعة يتيمة في العاصمة دمشق «قسم الإعلام ــ كلية الآداب»، وتضم على الأكثر 150 طالباً من مختلف المحافظات السورية.

الدراسة كانت بمعظمها «نظرية» تعتمد على دراسة متنوعة لمقرّرات عديدة، وكان التطبيق العملي للدراسة نادراً أو معدوماً.

من النظريات الإعلامية التي كانت تُدرّس حينها، نظرية «قارب النجاة في التنمية الاقتصادية»، ولهذه النظرية بُعدان متناقضان، الأول سلبي يقول إن الدول الغنية تعيش في قارب مزدحم وأن بقية الدول تغرق في الجوع، ولذلك لا تسمح لها بالصعود إلى القارب لكي لا تغرق جميعاً، والبُعد الآخر يكون من الطرف الأضعف، وهو أن الدول الفقيرة تتطلع إلى نموذج اقتصادي عملي ناجح يشترك معه في الأيديولوجيا لكي ينتشله إلى قارب النجاة عن الفقر والجوع.
وهكذا فعلاً كانت الحياة العملية لخريجي معظم الجامعات السورية. فكان على كل جامعي البحث عن القارب الذي ينجيه من الفقر ويحميه من الغرق بمستنقع البطالة.
وبعد سنوات دخلت سوريا في حرب دامية غير متوقعة، وأصبح مصير بلدٍ كامل تحت سيطرة من يملك القارب «أياً كانت الرّياح التي تسيّره»، وأضحى العنف سيّد الموقف بين السوريين، فمنهم من عزاهُ إلى «مؤامرة» صهيونية إسرائيلية أو غربية، ومنهم من قال بأن التطرّف والإرهاب المتمثل بـ«داعش» هو السبب الرئيسي، بالإضافة إلى من طالب بالتغيير و«الثورة» على نظام الحكم.
من أبرز الأساتذة في قسم الإعلام الدكتورة فريال مهنّا، التي كانت تبتكرُ طرقاً جديدة في التدريس، مشددةً على «الموهبة» والحيادية في الإعلام، وفي إحدى المحاضرات ما قبل الحرب، ميّزت مهنّا بين دائرة العنف الكُبرى ودلالاتها في العشائر والقبائل والطوائف، ودائرة العنف الصُغرى التي تتحرّك في قواعدٍ معينة تبدأ من الأسرة التي يسري بها كعنفٍ كامن، حينما تمارس هذه الأسرة مجموعة من المفاهيم ينتجُ عنها العنف، بالإضافة إلى عنفٍ آخر مخفيّ يرتبط بالتجاهل والقطيعة والهجر والتقليل من الأهمية بالنيل من الكرامة والشعور بالدونية.
حينها شدّدت مهنا على أننا كمجتمعات عربية لا نزال نعيش في قيم العبوديّة، ولم نقدم أي تفسيرات على أننا نعيش في حقبة أُخرى حينما نضفي على «الطّاعة» صفة المُطلق والأزلي، معتبرةً أن هذا الأمر هو أساس المشكلة في العقل العربي والإسلامي الذي يجب أن يجد حلولاً للخروج من هذه المعضلة التي تهدّد المجتمع، حينما تأخذ «الطاعة» صفة القدسية، والتي ينشأ عنها صفة «الامتثالية» التي بدورها كرست حالة «السكونيّة» بحجة الحفاظ على استقرار المجتمع وسلامته، الأمر الذي يعزز مفهوم الأحادية التي ستولّد العنف.


كيف يمكن للعنف أن يجد بيئةً خصبة، إلا بوجود الظُلم والفساد؟


يبدو ذلك الحديث مُفسراً لما حدث لاحقاً في سوريا، كما أضافت مهنّا مفهوماً آخر له علاقة بتوليد العنف وهو «الفساد» بكل أنواعه وامتداداته، وهو من أخطر أشكال العنف الكامِن، حين يكون هذا الفساد مدعماً بالطاعة والامتثالية، مؤكدةً أن هناك تواطؤاً إعلامياً لتكريس العنف في المجتمعات العربية والإسلامية بدءاً من نشرة الأخبار إلى الدراما.
ألا يبدو كلام مهنا تفسيراً للواقع الإعلامي والاجتماعي والاقتصادي السوري الحالي، الذي تفرد له عشرات الجرائد والتلفزيونات وعشرات الإعلاميين، مجالاً للبحث والتمحيص؟! وكيف لنا فهمُ كميّة العنف الصادرة من السوريين دون النظر والإشارة بوضوح «دون مواربة» إلى تلك العوامل؟
كيف يمكن للعنف أن يجد بيئةً خصبة، إلا بوجود الظُلم والفساد، والسكوت عن الحقوق المسلوبة لفئة واسعة من البشر؟ فمن المعروف بأن الفساد والفقر هما الرحم الذي يولّد التطرّف والإلغاء، والخوف يولّد حالة متطورة من العبودية، التي يستخدمها الفاسدون لتثبيت قوّتهم على آلاف الشباب الذين تعبت عائلاتهم في تعليمهم وتربيتهم، ليموتوا في الحرب، وفي نهاية المطاف لا نجد إلا تكاثراً لظاهرة الإرهاب والتطرف، كما تشتدّ سيطرة فئة قليلة من «المُسيطرِين» الفاسدين على مفاصل الاقتصاد، وذلك ينطبق على جميع المتحاربين في سوريا بلا استثناء.
وتتعالى حالياً الأصوات الإعلامية لمكافحة السرقة، وظهر مصطلح «التعفيش» في الحرب السورية مثلاً، شمّاعة لتحميل فئة قليلة من المقاتلين «الفقراء بالأصل» سبب طول فترة الحرب، حتى أصبحت موضة الحديث عن السارقين «الصغار» شيئاً أساسياً، متناسين الفاسدين الكبار مسبّبي الحرب الفعليين، الذين يجلسون في مكاتبهم وبيوتهم وفنادقهم الفخمة، يَحمون أولادهم من الموت برفاهية الحياة، ويرسلون بمواعظهم إلى الجميع، ويتغزّلون بثقافة «الموت» والتضحية من أجل الوطن، ويمارسون انتصاراتهم الوهمية على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الوقت نفسه يمنعون الحياة عن معظم الناس؟
ربما ما يحدث في سوريا أشبه بفيلمٍ سينمائي بعيدٍ عن الواقع، فلا يمكن الحديث عن الحقيقة التي يعرفها السوريون، ويخافون من الحديث عنها خوفاً من «الموت»، وبحثاً عن الحياة، متمسكين بأحدِ أطراف القارب الذي يُنجيهم من الموت المجانيّ على يد الفاسدين الذين ما زالوا يَرمون الجميع إلى مستنقع الموت بحُجة «الحياة»؟!
لا يمكن للإعلام والسينما والثقافة في زمن الحروب التعبير عمّا يحصل، إلا بعد انتهاء الحرب وخروج «أبطال الحروب» الوهمييّن في مجالاتِ الإبداع الزائف مستخدمين الخوف والقمع، في وقتٍ يحتاج كلّ سوري إلى «معجزة» للبقاء على قيد الحياة، هنا تعجز الكلمات عن وصف «ماذا يحدث».
تبقى الإشارة إلى فيلم «الحياة معجزة» (2004) للمخرج الصربي (البوسني الأصل)، أمير كوستاريتسا، الذي يروي حكاية عاشقين محكومٌ عليهما بالفراق، حيث يغرم لوكا الصربي ببوسنيّة جميلة خُطفت عام 1992، في الوقت الذي اندلعت فيه الحرب ووقع فيه إبنه في الأسر. واللافت في صورة سينما كوستاريتسا خصيصاً في هذا الفيلم، التشابه إلى حد ما «خُفي» عن أحداث الحرب اليوغسلافية والسورية، والتقارب هذا ربما نراه بكلام المخرج العالمي في افتتاح الفيلم حين قال: «إن الخلفية السياسية في الفيلم في منتهى الأهمية، لم يكن ممكناً تصويرُ مثل هذه القصة في زمن الحرب، ففي وقت الحروب لا يمكن الحديث عما حدث بالفعل، خوفاً من الموت».
وإلى حين انتهاء الحرب في سوريا، أيُّ تفاصيلٍ وإثباتات وأي حديث وانتقاد «للسارقين الصغار» يعتبر «دفاعاً» لا أكثر للتغاضي عن مسببي الحرب الجشعين ومُشعلي نيرانها التي لا تنطفئ، وليس على السوري سوى الوصول إلى ضفّة النجاة عبر السباحة، إلى حين أن تُغرق الحرب القارب «الوهمي» الذي يتفاخر الفاسدون في ركوبه، ويتغنّون في انتصارهم على من يبقيهم على قيد الحياة.
* كاتب سوري