تاريخياً، شكلت إيطاليا الحالية أول مدرسة دبلوماسية حديثة من حيث تطور القواعد الدبلوماسية وتبادل السفراء والمفاوضات وتقنيات أخرى (وذلك منذ القرن السادس عشر تقريباً). وهو وضع فرضه واقع إيطاليا السياسي، فهي وإن كانت موحدة لغوياً، جغرافيا، ثقافياً ودينياً، إلا أن الوحدة السياسية الإيطالية متأخرة وتعود للقرن التاسع عشر (1861)، الأمر الذي فرض تطوير أدوات تبادل سياسي فعالة بين الجمهوريات المتقاربة في كل شيء تقريباً، إنما التي كانت تشكل وحدات سياسية منفصلة ومتصارعة بشراسة أحياناً كثيرة.


من بين هذه المدن ــ الدول والجمهوريات، الدولة البابوية التي كانت أول دولة تؤسس مدرسة متخصصة لتحضير الدبلوماسيين، وهي «مدرسة رجال الإكليروس النبلاء» التي أسسها البابا كليمان الحادي عشر سنة 1701 ولا تزال موجودة الى اليوم. وفي 1814 كرّس مؤتمر فيينا لـ«القاصد الرسولي» الصفة الشرفية كعميد للسلك الدبلوماسي. وأعاد مؤتمر فيينا سنة 1963 تكريس الأمر نفسه، بتأييد من العالم الإسلامي والاتحاد السوفياتي هذه المرة.
وإذا اعتبرنا الفاتيكان دولة فريدة من نوعها، وهي كذلك بحدودها ووضعها الحاليين منذ اتفاقية لاتران سنة 1929 التي حلّت «القضية الرومانية» العالقة منذ 1870، فإن دبلوماسيتها فريدة أيضاً كونها لا تعتمد كبقية الدول على معطيات من نوع حجم الدولة ومواردها السكانية أو الاقتصادية أو قدراتها العسكرية، بل على عناصر وعوامل أخرى تتيح لها المناورة عملياً بشكل قد يبدو إشكالياً لدولة لا تملك شيئاً مما ذكر.
العامل الأول هو الانتشار الكاثوليكي عالمياً وديناميكيته الديموغرافية. فالكاثوليك، الذين يقدّر عددهم بمليار و200 مليون، منتشرون ــ بشكل غير متساوٍ طبعاً ــ على كل القارات، وتشير التقديرات الديموغرافية إلى حدود منتصف القرن الحالي، إلى أن عددهم سيستمر بالازدياد، وخاصة في أفريقيا، آسيا وأميركا اللاتينية. هذا الانتشار وهذه التوقعات الديموغرافية تخفي أيضاً تناقضاً إشكالياً لجهة تركّز الكتل الديموغرافية الأساسية القابلة للنمو في أماكن خارج القارة الأوروبية، بموازاة مركزية موروثة للقارة على بقية مناطق العالم. بتناقض أو بغير تناقض، يتيح هذا الانتشار المؤسساتي للكنيسة عمقاً لوجستياً بمعرفة الأوضاع في بلدان عديدة والتأثير فيها بواسطة اندماجها في الحياة السياسية المحلية بشكل أو بآخر. ودبلوماسياً، يشكّل هذا الأمر عاملاً حاسماً في كثير من الأحيان في عمل القاصد الرسولي (أي السفير البابوي) في بلد معيّن، من خلال العلاقة مع الأساقفة والمؤسسات الكاثوليكية العاملة، محلية كانت أو أجنبية. ومن البديهي القول إنّ الفاتيكان يستثمر هذا الأمر الواقع.
العامل الثاني هو عامل الثبات والوقت ووحدة الخطاب في خطوطه العريضة. إذ يملك الفاتيكان خطاباً شبه ثابت من الثمانينيات وحتى قبل هذه الفترة، يركّز على حماية وجود المسيحيين بطبيعة الحال، إضافة الى الدفاع عن الحرية الدينية، كأفضل استراتيجية لضمان أوضاع المسيحيين في البلدان التي لا يشكلون فيها أغلبية، وخطاب إنساني عام يرفد سلطته المعنوية.
أخيراً، تبادُل التمثيل الدبلوماسي في العالم، إذ يملك الفاتيكان واحدة من أكبر الشبكات الدبلوماسية دولياً، قوامها تبادل التمثيل مع 180 دولة أي أكثر بـ12 دولة من الولايات المتحدة، وجهازاً دبلوماسياً محترفاً وفعالاً يسمح بلعب دور في ظروف معينة.


تتميز دبلوماسية الفاتيكان بالتكتم على تحركاتها وبالعمل في الظل

لا شك إذاً أن الفاتيكان يلعب دوراً دبلوماسياً على الساحة الدولية، وهو دور لم يستطع، مثلاً، الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، تجاهله كما حاول أن يفعل منذ انتخابه في 2012، فانتهى به الأمر إلى زيارة الفاتيكان (خلال الصيف الماضي). وهو دور يظهر بوضوح في بعض ما رشح من رسائل الخارجية الأميركية المسرّبة عبر «ويكيليكس»، والتي قد تعبّر عن حقيقة الدور الذي يلعبه الفاتيكان ودبلوماسيته تحديداً. فالرسائل تُظهر بشكل واضح اهتمام الدبلوماسية الأميركية بـ«وزن» كلام البابا في البلدان الكاثوليكية تقليدياً، كما تشير إلى أن الفاتيكان من الدول النادرة جداً التي لديها حضور بشكل أو بآخر في كل أنحاء العالم. تُضاف إلى ذلك، المعلومات التي تجمعها الممثليات الدبلوماسية الفاتيكانية والرهبانيات حول العالم. وتُضيء الرسائل المسرّبة أيضاً على جوانب معيّنة لمقاربة الفاتيكان للموقف من مجموعة ملفات شرق أوسطية مثل العلاقات مع سوريا أو إيران.
وتتميز دبلوماسية الفاتيكان بالتكتم على تحركاتها وبالعمل في الظل، ما يصعّب رصد حركيتها من الخارج، وخاصة في ظل سريّة قسم من الأرشيف العائد لفترات سابقة. إنما في بعض الأزمات، يظهر دور الدبلوماسية الفاتيكانية أكثر. ومن هذه الأزمات أزمة الصواريخ الكوبية في 1962 عندما وجّه البابا يوحنا الثالث والعشرين رسالة «السلام في الأرض»، نشرتها «البرافدا» السوفياتية في صفحتها الأولى.
بعد يوحنا الثالث والعشرين (1958 ــ 1963)، كان بولس السادس (1963 ــ 1978) أوّل من أرسى تقليد السفر والخروج من الفاتيكان، وهو زار عدداً من الدول، وعمل على التقارب مع بطريركية القسطنطينية، إضافة إلى خطابه الشهير في الأمم المتحدة سنة 1965.
وبالمقارنة مع حبرية يوحنا بولس الثاني (1978 ــ 2005)، يبدو نشاط سلفه هزيلاً، لكن الأمر مرده إلى طول حبرية يوحنا بولس الثاني ونشاطه الاستثنائي. وقد تميّزت حبريته بنشاط دبلوماسي كبير، كالتوسط في حل النزاع بين الأرجنتين وشيلي حول «قناة بيغل» سنة 1979، وبين الأرجنتين وبريطانبا خلال حرب المالوين سنة 1982. لكن النشاط الأبرز كان لا شك الدور الذي لعبه البابا البولوني في بلده مع «نقابة سوليدارنوسك»، والذي ساهم في خلق صعوبات للاتحاد السوفياتي في بولونيا، إضافة إلى الدور الذي اضطلع به الفاتيكان في تفتيت يوغوسلافيا السابقة، بتحالف مع الألمان والأميركيين تحديداً، بهدف خلق دولة مستقلة للكروات الكاثوليك وإن على حساب انهيار يوغوسلافيا وما رافقه وما تبعه من نتائج سياسية وديموغرافية بالنسبة إلى الصرب خاصة. إضافة أيضاً إلى زيارة البابا لكوبا في كانون الثاني 1998، وموقفه من «حل الدولتين» في الشرق الأوسط وعلاقته بمنظمة التحرير الفلسطينية، من دون أن ننسى الموقف الحازم من اجتياح العراق عام 2003.
أما حبرية بنديكتوس السادس عشر القصيرة نسبياً (2005 ــ 2013)، فلم تتميز بنشاط دبلوماسي خاص، عدا ربما إقامة علاقات كاملة مع روسيا نهاية 2009، مهدت لانفتاحة أكبر بين الفاتيكان وبطريركية موسكو، ظهرت نتائجها بعد سنوات في 2016.
ومن الملفات التي كان للفاتيكان أخيراً دور فيها، أو لا يزال له دور فيها، ملف المفاوضات بين الحكومة الكولومبية ومتمردي الفارك. بدأت المفاوضات سنة 2012 مع دور مهم للفاتيكان فيها ــ إضافة الى كوبا والأمم المتحدة ــ أدى إلى توقيع اتفاق في 23 حزيران 2016 وضع حداً لخمسين سنة من حرب العصابات بين المتمردين الشيوعيين والحكومة الكولومبية. وبالرغم من أنّ الاتفاق دونه عقبات كثيرة (ليس أقلها رفض الناخبين للاتفاق الذي عرض على الاستفتاء في 2 تشرين الأول 2016 ومعارضة الرئيس الكولومبي السابق ألفارو أوريبي، للاتفاق، والملاحقات القضائية المتوقعة التي ستكون في صلب أي تطبيع وإنهاء لمرحلة عمرها نصف قرن كلفت حوالى 200 ألف قتيل، إضافة إلى صعوبة تطبيق بنود الاتفاق المتعلقة بضمانات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي وردت فيه، ما دفع البابا فرنسيس الى رفض لقاء ممثلين عن الفارك خلال زيارته الأخيرة لكوبا في صيف 2015)، فإن هذا كله لم يثنِ الفاتيكان عن متابعة الوساطة إلى الآن، بتنظيم لقاء جمع بين الرئيسين الكولومبيين السابق، المعارض للاتفاق، والحالي، خوان مانويل سانتوس، المؤيد له، في روما في 16 كانون الأول الماضي.
إضافة إلى الدور في كولومبيا (والوساطة في فنزويلا حالياً بين الرئيس مادورو ومعارضيه)، فقد كان للفاتيكان دور محوري في إعادة العلاقات الدبلوماسية بين كوبا والولايات المتحدة الأميركية أواخر 2014. وقد تلقى البابا فرنسيس شكراً علنياً من الرئيسين الأميركي والكوبي على دوره في 17 كانون الأول 2014. ويُذكر أن الفاتيكان كان قد تدخل في المفاوضات ابتداءً من صيف 2012 بناءً على طلب من الأميركيين، واستضاف جولات بين الطرفين (وكذلك فعلت كندا)، وصولاً إلى الاتفاق النهائي. ولم يكن لهذا التوسط أن يكون ممكناً من دون الزيارتين السابقتين لكوبا التي قام بهما كل من يوحنا بولس الثاني في 1998 وبنديكتوس السادس عشر في 2012، وصولاً الى زيارة البابا فرنسيس لكل من كوبا والولايات المتحدة في أيلول 2015، أي بعد الاتفاق. وكان للكنيسة الكوبية دور مساعد كبير في إنجاح هذه الزيارات.
وبالحديث عن كوبا، فقد التقى البابا فرنسيس في هافانا في 12 شباط 2016، خلال زيارته الثانية لكوبا، بطريرك موسكو كيريل، تتويجاً لمحاولات كانت قد بدأت منذ التسعينيات، لكن لم يُساعد فيها سابقاً واقع أنّ يوحنا بولس الثاني بولوني المولد والهوى.
أخيراً، كانت لافتة الرسالة التي حملها القاصد الرسولي إلى الرئيس السوري بشار الأسد، في 12 كانون الأول الماضي، عشية الإعلان عن الاتفاق الروسي ــ التركي، وقبيل أيام من سيطرة الجيش السوري على أحياء حلب الشرقية، ما دفع بالكثير من الأسئلة حول دور ما لعبه الفاتيكان في الظل. لكن قد يكون الواقع أبسط من بعض هذه القراءات بقليل. فأولاً، الرسالة التي حملها القاصد الرسولي لا تتضمن موقفاً سياسياً، إذ هي تدعو الى تطبيق القانون الدولي الإنساني وتأمين وصول المساعدات الى المناطق المحاصرة، فيما تحمل في شكلها ومضمونها فحوى واضحة قوامها أن الفاتيكان يتعامل مع السلطة السورية القائمة على أنها السلطة الشرعية راهناً، ويتعاطى معها بشكل مباشر من دون وسيط، وهو أكثر من مهتمّ بأمر المسيحيين في سوريا لجهة حمايتهم قدر الممكن والحفاظ على وجودهم من خلال دعم تسوية موضعية في حلب بمعزل عن الحل الشامل الذي قد يطول. ويعزز هذا الموقف التقارب الروسي ــ الفاتيكاني، إضافة الى دور تلعبه مؤسسات الكنيسة الكاثوليكية لوصول المساعدات من خارج سوريا عبر نشاط مؤسسات كاثوليكية دولية، أو عبر تسهيل نشاط بعض رجال الدين المسيحيين في مصالحات هنا وهناك. عدا ذلك، ماذا يمكن للفاتيكان أن يفعل منطقياً، وبأدوات غير عسكرية لا يملكها، في حرب إقليمية بدت فيها محدودية
التدخل، حتى العسكري منه؟

لبنان: رواية عن مبعوث بابوي

يُروى أن المبعوث البابوي إلى لبنان في بدايات الحرب الأهلية اجتمع بأركان «الجبهة اللبنانية»، وكان انطباعه أنّ «هؤلاء الناس ليسوا مسيحيين»، وذلك بعد ما لمسه منهم خلال الاجتماع. بغض النظر عن مدى صدقية المنسوب للكاردينال المذكور، فإنّ القصة معبّرة كونها تعكس شيئاً من العلاقة بين الفاتيكان والقيادات المسيحية اللبنانية. فلا هذه القيادات متخليّة عن النصيحة والدعم والمعلومة التي قد يقدمها الفاتيكان من جهة، ولا هي منساقة باتجاه ما قد يوصي به الفاتيكان ولو بالحد الأدنى أحيانا أخرى. الأمر أشبه بأن البعض يأخذ من الفاتيكان المعلومة والدعم والاتصال ببعض الجهات الدولية، ويرفض النصيحة في أكثر من مكان.
هذه كانت وما زالت المقاربة «المسيحية» للدور. وعند عدد من الاستحقاقات تم التطرق لدور فاتيكاني ما، منذ عدة عقود. آخرها محاولات التقارب التي لم تنجح في 2005، وبعدها بين الرئيس ميشال عون وسمير جعجع. وهذا التقارب الأخير الذي أفضى ــ من بين عدة عوامل وتفاهمات أخرى ــ إلى انتخاب رئيس للجمهورية، أتى في ظل ظروف ومندرجات أخرى. وإذا كان للفاتيكان دور فيه، فهو دور مسهّل لا أكثر، لكن الاعتبارات التي حكمته أكبر وأعقد بكثير من اختزالها بعلاقة أطراف لبنانية بالكرسي الرسولي. ففي الواقع لا يتخطى دور الفاتيكان لبنانياً الوساطة والمناصرة في بعض الأحيان على المستوى الدولي من خلال العلاقات التي له، بالرغم من تمسك طرفين بتضخيم الدور: بعض المسيحيين اللبنانيين للطمأنة الذاتية، وموقف آخر من خصومهم من باب الاتهام.
* كاتب لبناني