يبدو أنّ مصطلح «التشيّع اللندني» صياغة جديدة لعبارات تقليدية كـ«المنافق» و«المُخَرِّب»، الهدف منه إثارة العاطفة وإشعال الحماسة والغيرة على الدين بعد أن باتت تلك العبارات لا تحقق الأثر المطلوب منها.

ومن الواضح أنّ هذا المصطلح قد صيغ بدهاء ودقة حتى يكون شاملاً لمراجع دين وعلماء بما لهم من امتداد داخلي وخارجي في شتى أنحاء المعمورة.
وكون هذا المصطلح قد طُرِحَ من قبل أعلى هرم فإنه يدل على السياسة الإقصائية الفعلية التي ينتهجها النظام في إيران تجاه مراجع الدين.

«لندنية التشيع الأصيل» ودعاوى الفكر الإقصائي

ينطلق الفكر الإقصائي وأتباعه من ثلاثة دعاوى ارتكازية تشكّل مثلث إنشاء مصطلح «التشيع اللندني».
الأولى: طقسنة التشيّع بممارسات خرافية لإحياء عاشوراء.
الثانية: الفتنة المذهبية بين السنة والشيعة.
الثالثة: توهين رموز الوعي والعقلانية في الداخل الشيعي.
وبنظرة سريعة لتلك الدعاوى ومستنداتها، نجد أن الدعوى الأولى تستند إلى القول:
«أنها تقوم على سطحية التفكير الديني، وأن طقسنة التشيع تعني تفريغه من مضمونه الحضاري العقلاني القادر على التواصل والعبور إلى الفكر الآخر وإمكانيّة التوصّل من خلال ذلك إلى صوغ أرض مشتركة، أو لأيّ بدعةٍ طقوسيّة يمكن أن تقوم بها أي ذهنيّة مهما كانت ساذجة أو مسيئة».
أقول: إن كان هذا المستند بمجمله مما يصح الاحتجاج به لبطلان شعيرة أو ممارسة أو فعل، فإنه يلزم اعتباره الملاك في مبادئ الحكم الشرعي في مرحلة الثبوت،
فإن اعتبرناه، فإنه سوف يشمل عبادات أخرى كالحج.
وبيان ذلك: أن أحكام الدين من عبادات سواء كانت واجبة أو مندوبة هي مجموعة من مظاهر وأفعال تشكل عنوان الشعائر الدينية التي أمرنا الله جل وعلا بتعظيمها
وأن ظاهر بعض هذه الأفعال لا يدل بالضرورة بما هي أفعال على عمق فكري أو معنوي، فإن جاز وصح نقض الشعائر بما ذكر في مستند الدعوى؛ فإن النقض سيجرى على كافة الشعائر الدينية الواجب منها والمندوب ولا ينحصر بشعيرة دون الأخرى.
والمثال: إن الحج بما يتضمنه من أعمال كلبس الإحرام والطواف ورمي للجمرات والأضاحي وما شابه لا تدل بظاهرها على غاية وفكرة إنسانية يمكن ترويجها للغير بعنوان مضامين حضارية عقلانية، ولا يمكننا التوصل والعبور منها إلى الفكر الآخر وصوغ الأرض مشتركة من خلالها، بل على العكس من ذلك يُتهم المسلمون بعدم مراعاة حقوق الحيوان في الحج والإسراف والعبثية وما إلى ذلك من التهم.
فإن قيل: أن الشعائر التوقيفية لا تدخل في هذا العنوان لأنها محكومة بالنص!
نقول: يلزم من قولكم أن يكون للحكم الشرعي ذي الملاك الواحد في مرحلة الثبوت أكثر من إرادة واعتبار، وهذا من قبيل الجمع بين المتضادين وهما الوجوب والحرمة ولا يمكن الجمع بين المتضادين لأنهما أمران وجوديان، والنتيجة: لا طريق لصحة الدعوى والاستناد إلى ما ذُكر في مستندها.
أضف إلى ذلك أن حاكمية النص تشمل كل المصاديق إن كان النص مفهوماً أو عنواناً، وأن الاعتبارية العرفية لعمل ما بعنوان «الشعيرة» في أكثر من دولة وبممارسات جماعية كاف لإعطائها عنوان «الشعيرة»، لا سيما إن كانت تلك الشعيرة تُصورُ مشهداً حقيقياً من مشاهد عاشوراء كخروج الدماء من الرأس وسبي النساء وضرب الأطفال وما إلى ذلك، لأنها حينئذ تكون أشبه بالتمثيل الحي لمشاهد واقعة عاشوراء الأليمة.
أما مستند الدعوى الثانية:
«أنه يقوم على المنطق التبريري لما هو قائمٌ ويقومُ وسيقومُ لأيّ ظاهرة ينتجها التعصّب ضدّ الآخر المذهبي خصوصاً.
فأقول: إن المنطق التبريري لا يستند عادة إلى دليل وبرهان إنما هو كلام مرسل وتحليلات واستنتاجات لا واقع خارجياً وحقيقياً لها.
أما البحث في ملفات التأريخ ومعاينة أحداثه ووقائعه وتحديد الموقف الشرعي منها عملياً كان أو عقدياً هو صلب عمل ووظيفة الفقهاء والعلماء، لأن التأريخ بمعناه الأعم ونعني هنا «تأريخ النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الأطهار عليهم السلام من بعده»، هو مجموعة من الأحاديث والأخبار والروايات التي تشكّل في مجملها مصادر مرتبطة إما بالتشريع أو بالعقيدة أو بالأخلاق والتربية وهي تُعَبِّر بنحو أو بآخر عن قول وفعل وتقرير المعصوم إن ثبت صدورها عنهم، وعليه فإن تحديد الموقف من قضية تأريخية بناء على استنتاج تأريخي متحصل عن اجتهاد وتمحيص هو حق شرعي وعرفي وإنساني قبل كل شيء.
أما القول «بالانتقائية من روايات التأريخ التي تشمل الغث والسمين»،
فأقول: لا شك أن الروايات التأريخية تشمل الغث والسمين وإلا لما لزم التفحص والتحقيق والاجتهاد، لكن هل من الإنصاف إنكار الحوادث المتواترة التي اتفقت الأمة على وقوعها مثل الغدير، وما جرى على فاطمة الزهراء عليها السلام، واجتماع السقيفة، وأحاديث كالثقلين، ومن كنت مولاه، والسفينة وما شابه! وهل يحق لنا وصفها «بالغث» ونكرانها وهي ثابتة بالتواتر!
وأما القول «بتسخير تلك الروايات لضرب العلاقات الأخوية بين المسلمين»،
فأقول: هذا فهم غير صائب لطبيعة الغرض والغاية، إذ أن إبراز الحقائق التأريخية بغية الاستفادة منها وفحص تأثيراتها ومدى انعكاساتها على الواقع المعرفي ومنبعه مع إمكانية تغيُّر المؤثر فيه واحتمالية تبدل المواقف إزاء تلك الحقائق بما يخدم المعرفة والعدالة، له رجحان.
ويزداد الرجحان مع التأكيد الضروري على التعايش السلمي والأخوي بين المسلمين.
وأما القول: «تكريس آليّات الفصل عبر السبّ واللعن والقذف لكثير من رموز ذلك التاريخ وشخصيّاته»، فأقول: وأما السب واللعن فهذه سنة إلهية وردت في القرآن الكريم، فقد ذُكر اللعن في القرآن عشرات المرات نذكر منها بهذه الآية:
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} - (البقرة : 159).
وأما السب فهو حق المظلوم إذا ما أراد فضح الظالم وإظهار عيوبه وصفاته الدنيئة وإسقاطه من أعين الناس كما يفعل المسلمون تجاه المجرمين من الكيان الصهيوني،
وقد ثبت بالدليل جواز سب الظالمين وأهل البدع والضلال.
قال الله جل وعلا:
{لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا } (النساء: 148).
وقد جاء في صحيحة داود بن سرحان عن الإمام الصادق (ع) قال: «قال رسول الله (ص): إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم وأكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم كي لا يطمعوا في الفساد في الإسلام ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم، يكتب الله لكم بذلك الحسنات ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة (الكافي 2: 375).
أما القول: «وهذا كلّه ليس عبارة عن مفردات محدودة وإنما عبارة عن ذهنيّة وثقافة عابرة للأجيال والمجتمعات»، فأقول: إن «اللاوعي الجمعي» كان هو المتحكم والمسير للعقلية الإسلامية بصورة عامة والشيعية بصورة خاصة حيث يوجه اعتقاداته ويقود تصرفاته وهذه «الجمعية» كانت تخضع أحياناً للحكومات والأنظمة والعلماء المرتبطين بتلك الحكومات والأنظمة كما عليه المجتمع الإسلامي بعمومه وأخرى كانت تخضع لظروف وأحوال غير آمنة أثرت في مستوى ودرجة تعبيرها عن اعتقادها وأفكارها وحددت سلوكها وجمدت شعائرها كما عليه المجتمع الشيعي ثقافياً وعقدياً، وفي الحالتين نجد عنصراً مشتركاً يبرز للناظر المتجرد عن التعصب والانحياز هو «إخفاء المعلومة». ونعني بالمعلومة المعنى العام لها سواء كانت تأريخية أو معاصرة أو كانت معلومة صحيحة أو غير صحيحة وسواء كان الجميع يعتقد بصحتها وحقيقتها أو البعض، و«المتحكم» هو الذي يسير ثقافة المجتمع العامة كيفا وكما بتأثيره على «اللاوعي الجمعي» حيث يعطي ويفضي من الثقافة والمعلومة بقدر ما يريد وكيفما ما يشاء، أما اليوم فإن العقل الإسلامي والشيعي بالتحديد غدا يتجه بانعطاف نحو التحرر من تلك المؤثرات وآثارها فصار يبحث عن صحة الفكرة والمعلومة التي تعرض له بغية تحصيلها واضحة من دون تغيير وتبديل وإخفاء بل بتصريح وتثبيت وإجلاء.
وأما الحديث عن:
«الحاجة القصوى في سحب الذرائع من أجل محاولة وضع حدّ لامتداد هذا الاتجاه التكفيري في الأجيال الآتية؛ أقلّه لنُعذر أمام الله تعالى في قيامنا بكلّ ما نملك لضرب بعض أدواته التي يسوّق من خلالها للفكر التفكيري جيلاً بعد جيل».
فأقول: إن ذرائع الاتجاه التكفيري لا تقتصر فقط على قضية تأريخية تنال من رموزه وقادته بل تجري وتنسحب إلى اعتقادات شيعية أخرى كزيارة المراقد المقدسة للأئمة عليهم السلام وإحياء عاشوراء، فهل يسعنا ترك تلك المعتقدات والتخلي عنها بحجة «سحب الذرائع» كون الاتجاه التكفيري يُسَوق من خلالها لفكره!
وهل ضرب بعض أدوات الفكر التكفيري هو «الملاك» في تحديد الموقف الشرعي من القضايا والشخصيات التأريخية!؟
وهل يتبقى من العقيدة حتى بمقدار الصلاة على «الآل» إن جعلنا «ضرب بعض أدواته» ملاكا!؟ أم أننا «بحق» سوف نعذر أمام الله عز وجل متى ما تمكنا من إسقاط فكره وعزله إلى أن يضمحل ويزول!؟
فإيجاد الذرائع وتوفيرها لإسقاطه كلياً أولى بل أصوب من سحب الذرائع لضربه جزئياً.
وأما ما جاء كعنوان دون مستند في الدعوى الثالثة: توهين رموز الوعي والعقلانية في الداخل الشيعي. فأقول: إن معايير وضوابط الوعي والعقلانية تختلف وتتغير من فكر إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى بحسب الزمان والمكان فمن يراه شخص عاقلاً وواعياً قد يراه شخص آخر ظالماً وطاغياً أو منحرفاً ومبتدعاً إن ثبت له بالدليل أو كان ذلك من الواضحات.
أضف إلى ذلك وكما هو منطوق ومفهوم الحديث آنف الذكر: «إذا رأيتم أهل الريب والبدع...» أن من عوامل تحقق الارتقاء والتقدم والازدهار في الأمة دينياً وفكرياً أو مما يساهم ويساعد في ذلك هو نقد الأفكار وتنقيحها وتصحيحها وإبراز البدع والانحرافات والأخطاء وتشخيص أفرادها ومروجيها وإسقاطهم، حتى تخلق مسافة وحاجز بين الحق والباطل وبين العلم والجهل وبين السنة والبدعة وبين التقدم والتخلف.
على أن إطار ذلك كله وحدوده هو الجدال والنقاش الفكري، فلا يتعداه إلى القمع والسجن والتنكيل الجسدي كما يعاقبُ أهل الوعي والعقلانية مخالفيهم.

المسار الأوحد للتشيع: «المنهجية الشيرازية كنموذج»

من المهم أن تكون هناك اتجاهات وميول في الداخل الشيعي ناتجة من قناعات وثقافات وعادات متعددة ومتنوعة ومختلفة فتنعكس على أسلوب وطريقة وآلية العمل والتحرك، لكن ما هو أهم من ذلك أن تنطلق تلك الاتجاهات والميول من كونها خاضعة لمعايير وضوابط التشيع، وأن تكون تلك القناعات والثقافات والعادات نابعة من أصله وأن يكون الأسلوب والعمل ضمن عنوانه وإطاره العام، فلا يحق ولا يصح ولا ينبغي لمن يدعي التشيع أن يتجاوز ويتخطى حدوده وإطاره.
وعليه فإن الكثير من الحركات السياسية والأحزاب والتيارات وحتى الأنظمة التي ظهرت وبرزت وحكمت باسم التشيع كانت قد تخطت المعايير والضوابط الشيعية في طرحها ونظرياتها وأسلوبها وعملها، لكنها روجته وسوقته بعلامة شيعية!
فتجاهلت وتناست بل أنكرت الكثير من الثوابت والقيم الشيعية «التي بها وعليها تأسس التشيع وشُيد بنيانه»، بمبررات وحجج مثل: عدم استفزاز الغير وهدم الحواجز وطي المسافة والوصول للآخر وما إلى ذلك، ثم أعطت تلك المبررات والحجج عناوين عقلانية تتحرك في منطقة اللاوعي الجمعي «كالوحدة الإسلامية» و«الإخوة الإسلامية» وما شابه.
وما يجدر بنا السير والتحرك وفقه وترويجه كإطار وعنوان عام حاكم على مختلف الأصعدة والجوانب، هو ما يحتويه التشيع من واقع وطموح وقوة وشجاعة ورؤية عالمية بعيدة المدى للحكم الآمن والعدل الإلهي والسلم الشامل الذي يتمتع ويسعد به العالم أجمع، حيث أن الحضارة الإسلامية الشيعية تنطلق من وبهذا المفهوم البارز الذي يُعَد المَظهر العملي «للإمامة الإلهية» بإقامة العدل ودحض الباطل.


إن ذرائع الاتجاه التكفيري لا تقتصر فقط على قضية تأريخية تنال من رموزه


وإن «الإمامة» التي تمثل مفهوم العدالة والحكم الإلهي هي مدخل التشيع، وعنوان «التولي والتبري» هما الموقف الشرعي العملي الكامل والتام تجاه «الإمامة» لأنهما باختصار عبارة عن تحديد موقف ممن اختاره الله ليحكم بالعدل عمن اختار نفسه ليحكم بالظلم، فيحدد الفرد الشيعي موقفه بتولي من اختاره الله تعالى ويبرأ إليه ممن اختار نفسه، والموقف بمنزلة «العهد» مع الله عز وجل. ويستمر الشيعي بتجديد وتعزيز ذلك العهد مع ربه دائماً كي لا ينسى ولا يغفل ولا يسهو.
من هذا المنطلق وهذا المسار يمكننا القول إنّ بوابة الحكم العادل للمعصومين وعلى رأسهم النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله ووصيه أمير المؤمنين عليه السلام برؤية إسلامية شيعية هي المدخل الأصلح والأجدر والأهم لترويج وتسويق الحضارة الإسلامية الشيعية، لأن العدل هو أساس الملك وإن توفر العدل واتصف به الحاكم وطُبِق في المجتمع فسينتهي كل مشكل وسيقضى على كل آفة.
وهذا ما تنبهت له المرجعية الشيرازية وتبنته ممثلة بالمرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي قدس سره من خلال ما طرحه في مؤلفاته وكتبه، وتجلى ذلك في موسوعته الفقهية الشاملة التي تقع في أكثر من مائة مجلد، ومن ضمن ما شملت: فقه السياسة والمجتمع والبيئة والمرور والعولمة والطب والاقتصاد والفضاء والمستقبل «برؤية استشرافية» والزراعة والتربية والتعليم وغيرها.
واحتذى من بعده آية الله المرجع السيد صادق الشيرازي دام ظله بهذا المنهج مستقلاً، فنَظّر في ثقافة الاختلاف والتعايش وفي سمات الحاكم العادل وما ينبغي أن يكون عليه وأثره كحاكم عادل في المجتمع وسبل الوصول إلى الشعوب المحرومة عبر نشر تلك السيرة الساطعة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام منقحة من الشوائب التأريخية المزيفة ومقارنتها بغيرهم من الحكام.
فشَكَّلَت ورسمت تلك المنهجية معالم الدولة الحضارية الحديثة التي وإن لم ولن تضاهي دولة الإمامة الإلهية لكنها من المؤكد تخطو في نفس المسير والاتجاه وبذات المنهجية والعنوان، وهو «العدالة».
ولا بد لنا من الإشارة في هذا المقام أنه من الإجحاف وصف غير قناة المرجعية والمكاتب الرسمية بأنها «ناطقة باسم المرجعية»، وقد تم التصريح بذلك غير مرة وبشكل ظاهر وعلني. وحتى إن كانت هناك قنوات فضائية لها تبعية روحية ودينية للمرجعية فهذا لا يعني البتة أنها تمثلها وتنطق بلسانها أو تعبر عن رأيها.

المواجهة في خطوة واحدة

مواجهة الفكر الإقصائي الممنهج بأدواته وإعلامه النافذ المتعدد وبما له من صبغة دينية لا تكمن في المعاملة بالمثل ولا تحتاج إلى قدرات مماثلة كالتي يمتلكها هو، وإنما تكمن المواجهة المؤثرة والناتجة في الحيلولة دون نفوذ وتسلل ذلك الإعلام المخادع الزائف إلى عقول ونفوس أفراد المجتمع وهذا بطبيعة الحال يحتاج إلى إرادة جدية وموقف مُبَّرَز من الفئة «القيادية والنخبوية» بالتحديد التي تمثل الشارع الشيعي العام أي الأغلبية والتي تقف موقف الحياد ويعتريها الصمت وحالة السكون وهي ترى المراجع يهانون ويتهمون ويضطهدون من قبل الفكر الإقصائي!
هذه الفئة رغم استقامتها وثباتها وحرصها كما يبدو على التشيع تعاني من حالة «الجمودية» الفكرية كما هو واضح ولا تتفاعل عادة بالشكل المناسب والمطلوب مع ما يجري خارج نطاق حدودها الجغرافي رغم تأثيرها الواضح والملموس خارج ذلك النطاق.

المصالحة الحقيقية في خطوتين

إن كانت ثمة مبادرة للمصالحة يقدم عليها الفكر الإقصائي فلا بد أن تكون مسبوقة بخطوتين، الأولى: الإفراج عن العقل السليم بإتاحة الفرصة للمراجع والمفكرين وأصحاب الرأي والكتاب بالتعبير عن آرائهم.
الثانية: التخلي عن الانحرافات والبدع الدخيلة على الدين الإسلامي والتشيع وعدم إنكار القيم والثوابت المجمع عليها، وعدم اعتبار ظلمة أهل البيت عليهم السلام رموزاً يجب احترامهم لا إضماراً ولا تصريحاً وإعلاناً. وسوى ذلك لا أظن أن ثمة مصالحة تجدي وتنفع.
(رداً على مقال: مواجهة «التشيّع اللندني» والخطوة الأولى المطلوبة! للكاتب جعفر محمد حسين فضل الله، نشر في العدد ٣٠٧٦، ١١ كانون الثاني ٢٠١٧)
* خطيب وحوزوي