كنت أعرف أنّ هذا اليوم سيأتي. هو جاء حين «اكتشف» ناشطون مصريّون مؤخّراً صدور دراسةٍ «تثبت» أنّ أغلب أهل مصر لا ينتمون الى المجموعة الجينيّة «السّاميّة» J، فاستنتجوا أنّ هذا دليلٌ على أنّهم ليسوا «عرباً»، بل «فراعنة» ومصريّون «أصلاء» لم ينجح «الغزو الإسلامي» في تعريبهم. بالطّبع، هذه الدّراسات موجودة منذ زمن، وهناك نتائج لعيّنات أكثر تفصيلاً، لو فهمناها بحسب «المنطق الفرعوني» أعلاه، فهي قد توصل الى نتائج صادمة (الأقباط في السّودان، مثلاً، يحملون الكروموزوم «السّامي» بنسبٍ أعلى من أيّ مجموعة أخرى في وادي النّيل، وأكثرهم لا ينتمي الى مجموعة B الافريقية «المحليّة»).


في الحالة المصريّة، هذا الخلط بين العائلات الجينيّة والثقافية والإثنية، والاستخدام السيئ للعلم في السياسة، يسهل دحضه؛ فلا المجموعة الجينيّة J لها علاقة بالعروبة ــــ من الممكن أن تكون جورجياً مسيحياً أو روسياً في موسكو وانت تحمل هذا الكروموزوم، فيما يحمله أقلّ من ثلثي البدو العرب الأقحاح ــــ ولا الفئة الغالبة في مصر، E3B، يمكن بأيّ شكلٍ من الأشكال إخراجها على أنّها «فرعونيّة»، فهي تجمع مصر بنصف افريقيا: من اثيوبيا والصومال الى الجزائر والمغرب، و ــــ لسببٍ ما ــــ اليونان.
هذه «المجموعات الجينية» التي بدأ الكلام عنها يكثر (haplogroups) هي، فعلياً، هويّة الكروموزوم الذكوري الذي حصلت عليه من والدك، والذي حصل عليه هو من والده، وهكذا دواليك وصولاً الى جدّك الأكبر الّذي أسّس «السلالة» منذ أربعين أو خمسين ألف سنة. لأنّ هذا الجزء من الكروموزوم لا يتغيّر (حتّى تحصل طفرة جينيّة تعدّله)، فهو ينتقل ثابتاً عبر الأجيال كما هو، كأنّه شيفرة هويّة تسمح لك بتحديد كامل شجرة عائلتك من الذّكور وصولاً الى آدم (الكروموزوم «الأصلي» الذي حمله الإنسان الأوّل يسمّيه العلماء «كروموزوم آدم»، وكل مجموعة جينيّة حاليّة ترمز فعلياً الى طفرةٍ حصلت منذ آلاف السنين، فميّزت سلالةً جديدة بكروموزوم مختلف). مع تقدّم العلم في العقود الأخيرة، أصبحنا قادرين، وبسهولةٍ نسبياً، على استخراج هذه المعلومات عن أنفسنا وتمييز السلالات ومعرفة من أي مجموعة نتحدّر.
من الواجب التحذير هنا أنّه لا يجب الخلط بين عائلتك الجينيّة وبين المفاهيم الدارجة عن «العرق» والمظهر والثقافة، ولكن هذا لا يعني أن هذه الفئات غير «قابلة للاستخدام» لتقسيم الناس وتنميطهم. من جهةٍ أولى، لا علاقة على الإطلاق بين مجموعتك الجينية وشكلك الخارجي (الكروموزوم الذكوري يحمل قدراً قليلاً جداً من المعلومات الجينية، والاختلاط المتكرّر عبر الزّمن هو ما يطغى)، أو بينها وبين مجموعتك الثقافية؛ فقد تكون سويديّاً أشقر طويلاً أزرق العينين وانت تحمل كروموزوماً ذكرياً مصدره منغوليا. ولكن، من ناحيةٍ أخرى، فإنّ هذه العائلات الجينيّة تمثّل احتمال «مجموعة القرابة» بشكلها الأوضح والأكمل، والذي لا مراء أو شكّ فيه: لديكم جميعاً أبٌ واحد، بالمعنى الحرفي للكلمة.

ثقافة الأعراق

منذ عرفت بهذه التطوّرات العلميّة، قبل سنوات، وأنا أتنبّأ بأنّها قد تتسبّب بآثارٍ مدمّرة، وترسم لنا مستقبلاً أسود، حين يكتشفها الناس أكثر ويسبغون عليها معاني، وتتسرّب على شكل نظريّات الى عالم السّياسة. هناك مشكلة دائمة واجهت الايديولوجيات العنصريّة طوال القرن الماضي، وهي أنّها لم تقدر على تملّك سندٍ علميّ لما تدّعيه، أو حتّى الدّفاع عن مفهومٍ لهويّة عرقيّة واضحة وثابتة، تختلف نوعياً عن بقية الانتماءات «الرخوة» (كالثقافة والقومية والايديولوجيا). خذوا اللون مثالاً. من الصّعب الدّفاع عن اللون كوسيلة لتقسيم البشر على أساس بيولوجي، كما فعل العنصريّون لأجيال. هل هناك، فعلاً، فئتان «خالصتان» هما الأبيض والأسود؟ أمّ أنّ أغلب النّاس هم، حقيقة، في سلّم متدرّجٍ بين الاثنين؟ وفي المجتمعات المختلطة (حيث لهذا التمييز معنى) يصعب أن تجد أسود ليست له أصولٌ بيضاء أو ابيض لا أجداد سوداً في سلالته ــــ ابتدع العنصريّون في الجنوب الأميركي، هنا، نظريّة «نقطة الدّم الواحدة» لعقد خطّ تمييزٍ بين الأعراق (أي أنّه يكفي أن يخالط «صفاء بياضك» نقطة دمٍ سوداء، أو اي درجةٍ من السمرة، حتى تصير أسود، ولو كان تسعة أعشار سلالتك من البيض).
أغلب المحاولات الأكاديميّة، خاصّة في أوائل القرن العشرين، للخروج بنظريّة عنصريّة «علميّة»، أو حتّى تصنيفٍ علميّ لـ»الأعراق» البشرية، باءت بالفشل. علم النّسل (eugenics) الذي انتشر في العشرينيات، وحاول تقسيم البشر الى أعراق وتحديد خصائصهم بحسب شكلهم ولونهم وحجم جماجمهم، تمّ دحضه سريعاً واختفى من الجّامعات. بل إنّ اسماء «الأعراق» التي يستخدمها العنصريّون (ساميون، آريون، الخ) هي في الأصل أسماء لعائلات لغويّة، لا علاقة لها بالعرق والعنصر، وقد استعارها العنصريون من علم اللسانيات كما استعار النازيون من فاغنر موسيقاه وبنوا عليها نظرية. دهش اللسانيون البريطانيون حين اكتشفوا، في القرن التاسع عشر، التشابهات بين اللغة السنسكريتية القديمة في الهند وبين اللغات الأوروبية الحديثة، فبدأوا بتقسيم اللغات الى «عائلات» تطوّرت عن بعضها وتتبّعوا انتشارها، واكتشفوا أن هذه الخريطة تتطابق الى حدٍّ ما مع خريطة الهجرات البشرية والتاريخية. ولكن، بالنسبة اليهم، لا يمكنك أن تكون «سامياً» أو «آرياً» بل انت، ببساطة، تتكلّم لغة تنتمي الى العائلة الساميّة أو الآريّة، وهذا لا علاقة له بعرقك وشكلك وثقافتك.
بل إنّ آباء القومية الرومانسيّة الألمان، مثل فون هردر وفيخته، لم يهدفوا الى بناء نظرية عرقية وتراتبية عنصرية (وإن فتحت أفكارهم الطريق على بناء تراتبيات من هذا النّمط). هم أخذوا النظرية اللغوية الى مكانٍ أبعد واعتبروا أنّ اللغة هي «مخزن» الأمّة ومصدر خصوصيتها. بمعنى آخر، اللغة الألمانية، مثلاً، لها خصائص فيلولوجية تجعلك تعبّر عن الأمور بطريقة معيّنة، وتفكّر بطريقة معيّنة، وترى العالم بطريقة معيّنة، وهذا مصدر «الخصوصية» الألمانية والفرنسية وغيرها ــــ وتتبّع هذا «الجوهر» اللغوي يكون عبر العودة الى دراسة التراث الشعبي وقصص الأولاد والأمثال القديمة التي اختزن الشعب فيها، على مدى أجيال، «عبقرية» اللغة (بالمناسبة، ظلّت هذه النظرة الرومانسية الى اللغة موجودةٌ الى عهدٍ قريب، وقد صادفتها لدى إرساليين أجانب في لبنان شرحوا لي أنّهم لا يدرسّوننا الفرنسية لأنها لغة العصر أو لأنها الأكثر عمليّة وإفادة، بل لكي «يتدرّب» عقلنا وينتظم عبر تعلّم لغة «متفوّقة» والتفكير بواسطتها).

العنصرية الحديثة

«الجينوم» بالمقابل يقدّم، أخيراً، أساساً صلباً و»علمياً» لـ»نظرية عنصريّة» جديدة. لا مجال هنا للتفسير أو للتزييف و»الغش» على أيّ مستوى. فأسماء كلّ آبائك محفوظة لديك، والعالم يُقسم الى فئات واضحة، فلا مجال لأن تكون بين ــــ بين. والإحصاءات الجينية، فوق ذلك، تفرز سكان أكثر الدّول الى أغلبية واضحة وأقلية واضحة (فهي قابلة، اذاً، للاستخدام السياسي). من هنا، بدأت تعابير «سامي» و»افريقي» و»اوروبي» تعود الى التّداول، ولكن بمعنىً جديد. في بلادنا، خارج اليمن حيث موطن الكروموزوم J ومنشؤه (ونسبته بين السكان هناك تفوق 80%)، لا يشكّل هذا الكروموزوم «السّامي» أكثر من نصف السكّان عادة في دول المشرق، والباقي خليطٌ من عائلات افريقية واوروبية وهندية. الكروموزوم J يقسم بدوره الى عائلتين: J1 (الذي يُربط بالأقوام «السامية») وJ2 (الذي خرج من بلاد ما بين النهرين) ــــ وهناك في جزيرة سقطرة اليمنيّة تجرية جينيّة مثيرة، إذ أن الجزيرة تحوي صنفاً ثالثاً J3، ليس موجوداً تقريباً الّا فيها، ولكنّ كلّ أهل الجزيرة يحملونه.
كان لي صديق، هو الّذي نبّهني الى مسألة العائلات الجينية وخطورتها المحتملة. تعلّم عنها فأصبح يرى العالم من خلالها، ويربط بينها وبين خصائص النّاس وطباعهم، ويصرّ على أنّها ستصبح في المستقبل المحدّد الرئيسي للهويّة، تحملها على بطاقتك ونتقاتل على أساسها. طلب منّا جميعاً أن نعرف عائلاتنا الجينيّة، وعرض أن يدفع ثمن الفحص حين أخبرناه أنّنا غير مهتمّين (وهو يقول إن هذه المعلومة ضرورية لأجله هو وليس لأجلنا، حتّى يعرف كيف يصنّفنا ويتعامل معنا. وكان، حين تخرج نتيجة الفحص، يهنّئك بفرحِ وصدقِ لو تبيّن أنك تنتمي الى سلالة يعتبرها «نبيلة»)؛ واذا ما ارتكب أحد الأصدقاء فعلاً شائناً، يكون تعليقه غالباً من نوع «هذا طبيعي، فنديم يتحدّر من الكروموزوم الهنديّ R2a، وهم قومٌ محتقرون في الهند نفسها ويرذلون الى أسفل الطبقات، وهو على الأرجح قد جاء الى بلادنا في الأصل على هيئة عبد أو كمجرمٍ فارّ». فهل يكون هذا خطاب «عنصريي المستقبل»؟
منذ سنوات، حاول قوميّون لبنانيّون أن يقلّدوا نظراءهم في مصر وأن يثبتوا أصولهم الفينيقية عبر علم الجينات (لم يكونوا يعرفون، على ما يبدو، أنه لا وجود لشيء اسمه «كروموزوم فينيقي» حتّى تكتشفه وتقيسه). المسألة اليوم قد تبدو سخيفة، ولكن لا يجب التقليل من رغبة البشر في خلق التقسيمات وتبرير احتقار الغير وإثبات التفوّق. وإن كان النّاس قد اضطهدوا بعضهم البعض على أساس تصنيفات واهيةٍ كاللون والأصل والمعتقد، وبنوا عليها فرضيات وعنصريات، فماذا يفعلون حين يقدّم العلم اليهم، أخيراَ، العرق كـ»حقيقة»؟