خلّفت سياسة النظام العراقي السابق أزمات حدودية مع دول الجوار. تبرّع حيناً ببعض الأراضي، وتنازل حيناً آخر للأردن والسعودية، إضافةً إلى خسارته أخرى نتيجة حروب خاضها ومغامرات لم تكن محسوبة.

ويمكن هنا إيجاز بعض الأزمات، التي وقعت منذ سيطرة حزب البعث على مفاصل حكم الدولة العراقية.
ــ في 6 آذار عام 1975، وقّع نائب الرئيس العراقي صدّام حسين، وشاه إيران محمد رضا بهلوي اتفاقية أنهت أزمة الحدود بين البلدين، بتقاسم شطّ العرب، إضافة إلى حزمة من القضايا العالقة بين الطرفين، وكانت بإشراف الرئيس الجزائري هواري بومدين.

وفق البروتوكول الدولي، فإن هذه الاتفاقية مودعة لدى الأمم المتحدة، ولا يحقّ لأي طرفٍ إلغاؤها أو تعديلها، إلا بموافقة الجانبين. ومع اندلاع حرب الخليج الأولى، بين العراق وإيران، أقدم صدّام على تمزيق الاتفاقية، معتبراً أن لا قيمة لها، إلا أن الاتفاقية واجبة التنفيذ، ولا مفرّ منها، إلا بتعديل يجري برضى الطرفين، وهو غير ممكن لإصرار الطرف الإيراني عليها، وتمسّكه بها.
ــ في 28 شباط عام 1991، وبعد انتهاء حرب الخليج الثانية، وخروج العراق منها مهزوماً، طالبت الكويت بترسيم الحدود مع العراق. وشكّل مجلس الأمن لجنة للترسيم، لكن دون سابق إنذار، انسحب العراق من اللجنة، تاركاً للكويت والولايات المتحدة الأميركية رسم الحدود كما يحلو لهما. ثم عاد صدّام ووافق على قرار الترسيم، بموجب قرار مجلس الأمن رقم 833، وأصبحت الاتفاقية ملزمة للعراق بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
ومن خلال معلوماتي ومتابعتي، لم تكن الكويت لترغب في ترسيم الحدود الجديدة، لأنها تُبقي المشكلة قائمة مع العراق، لكن الجانب الأميركي أصرّ عليها، والنظام السابق وافق. أما العراق الجديد، وتحديداً في حكومة السيد نوري المالكي، فقد رفض العمل بالقرار.
بعد عام 2007، جاء وفدٌ برئاسة مسؤول بريطاني للحكومة العراقية، وقال لهم يومها: «أنتم ملزمون بالتنفيذ، وإلا ينفذ بالقوة». وأذكر جيّداً ما كان ردّ المالكي لهم: «والله لن أوافق على إعطاء قناة خور الزبير، وأقطع يدي إذا وقعت عليها».
ظلّت عملية الترسيم معطّلة، وبقيت وزارة الخارجية، بتشكيلها لجنة من رئيس وهيئة مستشارين، تتواصل مع الجانب الكويتي لتحديد عملية التطبيق. وينقل عددٌ من زوّار المالكي، في أحد لقاءاتهم به، سؤالهم له: «هل حاولت وبحثت عن طرق بعدم تنفيذ التزامات النظام السابق؟ فكان ردّه: سألت قانونيين دوليين إن كان يمكن التخلص من هذا القرار الجائر، فقالوا هذا غير ممكن إلا إذا تغيّر النظام الدولي، وهذا الأمر غير ممكن».
وأوضح المالكي لزوّاره نقاط الضعف في الترسيم، التي صُحّحت مع الجانب الكويتي، إذ «أخذ الترسيم المياه العميقة من خور الزبير، وأعطانا المياه الضحلة التي لا تصلح للملاحة. فنحن نصرّ على أن تكون القناة مشتركة، وأن تمرّ السفن العراقية والكويتية من دون أن ترفع علم الدولة الأخرى، وتدار القناة بلجنة مشتركة من البلدين، يكون مقرّها كل ثلاثة أشهر في دولة». ويضيف المالكي في حديثه: «لإصرارنا، اضطرت الكويت والأمم المتحدة على القبول وجعل حرية الملاحة للعراق غير محصورة في المياه الضحلة».
وإن كان في العملية خيانة، فهي واحدة من خيانات ومغامرات حزب البعث الذي يحنّ إليه البعض، فيما يتهم البعض الآخر العراق الجديد بذلك، فالأخير أصبح مكبّلاً بقرارات لا يمكن التخلص منها.
هذه القصة كلّها تحت إشراف وزارة الخارجية وهيئة المستشارين، وعُرضت نتائج مباحثاتهم في مجلس النواب، وجرى التصويت عليها. بدورها، إن الحكومة الحالية، حكومة الرئيس حيدر العبادي، حالها حال حكومة المالكي، ملزمة بتنفيذ متعلّقات القرار الدولي 833، وكل ما يطرح خارج هذا الاتفاق غير ملزم للحكومة العراقية.

*إعلامي وسياسي عراقي