تناقلت وسائل الإعلام والتضليل في منتصف الشهر الحالي خبر أن مشيخة الإمارات المتناحرة قررت فتح قاعدة عسكرية لها في جيبوتي. بكلمات أخرى، وزارة دفاع حكومة صاحبة الجلالة قررت تأسيس قاعدة عسكرية لها ولدول حلف «الناتو» العدواني، في مدخل البحر الأحمر، الواجب استعادة اسمه الأصلي في العهد الإغريقي، أي بحر العرب، وأوكلت لشعبة الخليج الفارسي في وزارة الخارجية البريطانية مهمة العثور على ممول لأن خزينة دولة صاحبة الجلالة فارغة.


ماريشالات المشيخات المتناحرة انصاعوا للأمر فوراً وقدموا المبالغ المطلوبة، لكن طبعاً من دون نسيان حصصهم من العمولة، ثمن العمالة.
أن يتدافع ماريشالات المشيخة لتقديم التغطية المالية لمشروع الأم المستعمِرة الحنون التي لا ترد لها رغبة، أمر طبيعي لأن وجودها أصلاً كان رغبة لندن التي اقتطعت شرقي شبه جزيرة العرب من الدولة العثمانية. ووزارات المستعمرات البريطانية المتتالية هي من ربت حكام كل مشيخات الخليج وأمنت لهم سبل البقاء. أما الأمر الوحيد الذي تعلموه على يد مستشرقي لندن و«مستشاريها»، «عشق الأم» الحنون وتلبية رغباتها كافة من دون أي تردد. فتراهم يتدافعون بحماسة منقطعة النظير لتلبيتها. ومن لا ينصاع فوراً، ويتوهم أنه مستقل حقاً، يكون مصيره إما العزل أو القتل أو الاعتقال أو النفي، ولنا في كافة المشيخات أمثلة لا حصر لها، مع الإقرار بأن التكفيريين الوهابيين من آل سعود استبدلوا الولايات المتحدة ببريطانية التي اضطرت للتنازل عن «حقوقها» هناك للسيد الاستعماري الجديد وتسليم أمور توجيههم وقيادتهم إلى «الأب الحنون» في واشنطن.
كل ما يحتاج إليه المرء لمعرفة تفاصيل تآمر الأب على الشقيق والابن وقتلهما أو سجنهما أو عزلهما في كافة مشيخات الخليج الفارسي، الاطلاع على تاريخ المنطقة ووثائق الخارجية البريطانية والأميركية التي رفعت عنها درجة السرية، علماً بأن المخفي، وكما هو متوقع.
عود على بدء. الكل يعلم أن المغفور لذنوبه، الشيخ زايد، الذي أبعد شقيقه شخبوط عن رئاسة الإمارة بأمر من الاستخبارات البريطانية، وبالتعاون معها، وهي حقيقة كشفت عنها قبل نحو عقد وثائق الخارجية البريطانية المفرج عن سريتها كان متمسكاً، طبعاً ضمن شروط لندن لبقائه حاكماً ــ محكوماً، بالعروبة وبفلسطين وبتاريخ المنطقة، بل إنه حاول مساعدة العراق المحاصر بعد العدوان «الناتويّ» ــ الأعرابي على العراق بسبب احتلاله الكويت. لكن حكام الإمارات المتناحرة الجدد، تراهم يشاركون في كل ما يمكن أن يضر بالعرب وقضايانا الوطنية والقومية، وذلك كله باسم الدفاع عن العروبة. فقد أرسلوا قواتهم لتدمير ليبيا، والسلاح والأموال وأشكال المساعدات كافة، لتأجيج الصراع في سوريا وعليها، بدلاً من محاولة منع اندلاع حرب مدمرة تأكل الأخضر واليابس، كما نرى. كما عملت هذه «الزعامات» الهزيلة بالمشاركة في حرب الإبادة التي يشنها «إخوانهم» اللدودون من مشايخ الخليج على اليمن وشعبه الطيب الفقير، بدلاً من تقديم كل مساعدة له للخروج من مآسيه التي لا نهاية لها، والتأثير في القوى الوطنية للتصالح.
كما تعمل تلك المشيخات على التدخل السلبي في الوضع الفلسطيني الرسمي المتحلل أصلاً، محاولة خلق مركز لها فيه، بدلاً من إعانة الشعب الفلسطيني على التخلص من زعاماته المليشياوية ودعم صموده وتقديم كل الحوافز لمن يعمل من أجل تحرير وطننا والقضاء على الكيان الصهيوني. بل إنها فتحت مكتباً لكيان العدو في عاصمتها، غير المعصومة (!)، وتدعي الدفاع عن العرب والعروبة.
أما تخريبها الدائم في الساحة الثقافية العربية فمعروفة، وما سحب جائزة سلطان العويس من الأديب العراقي سعدي يوسف إلا لدليل على أن هدف «احتضان» الثقافة العربية هو خنقها ودفنها جثة هامدة تحت عباءات البترودولار، والفضائح في هذا المجال أكبر من أن تتسع له مجلدات.
أخيراً، يأتي خبر خطط(ها) لتأسيس قاعدة عسكرية في جيبوتي.
ليس لدينا أي وهم بخصوص صانع هذه السياسات الإجرامية ليس فقط بحق كل من يتعرضون لعدوان مشيخات الخليج. وكلنا يعلم أن الزعامات المشيخية لا تملك قراراتها وأن الاستعمار البريطاني ابتدعها وخلقها ورعاها لتنفيذ سياساته ليس غير. وهذا تحديداً ما يفسر هذه السياسات العدوانية آنفة الذكر.
حكام الإمارات المتناحرة وبقية مشيخات الخليج والوهابيين التكفيريين من آل سعود يدعون أنهم يواجهون التدخل «المجوسي الفارسي» في شؤون العرب. لكن ألا يعد فتح أراضي تلك المشيخات للقواعد العسكرية لحلف «الناتو» العدواني تدخلاً في شؤون المنطقة! وألا يعد دعمهم نظام صدام حسين التكريتي في حربه العدوانية على إيران تدخلاً! وألا يعد تدخلاً إرسالهم قوات إلى يوغسلافيا (السابقة) دعماً للعدوان الناتويّ على دولة صديقة طالما وقفت تحت قيادة الزعيم العالمي تيتو إلى جانب قضايانا! وألا يعد تدخلاً ما يفعلونه في سورية هم وحليفهم في أنقرة، وألا يعد تدخلاً فتح أراضي المشيخات وسمائها للعدوان الثاني على العراق!
القائمة تطول، ولندن وواشنطن لن تتركا في تلك المشيخات أي ثروات للأجيال القادمة بعدما ينضب النفط.
أخيراً، إن كنتم حقاً تدافعون عن أرض العرب في وجه التدخل الفارسي المجوسي، فالجزر الثلاثة، التي احتلتها قوات الشاه المخلوع إبان عهد الاستعمار البريطاني أولى، وهي ليست ببعيدة عن شواطئكم بُعد سوريا أو ليبيا أو يوغسلافيا. وما دمتم تلجأون إلى السلاح وإلى المرتزقة من بلاك ووتر وغيرها، لشن العدوان تلو الآخر، على بلادنا وأوطاننا، وتشاركون بنشاط غير محمود في التآمر على قضايانا، فجزر(كم) أولى بأنظاركم.
لن تتحركوا لاستعادة «جزر(كم) السليبة» لأن السيد في واشنطن لم يعطكم الأمر بذلك، ولأنه يعرف أن رد إيران سيكون مدمراً لمشيخاتكم الكاريكاتورية.
نحن نعلم أن وجودكم، كما بقية المشيخات، يرتكز إلى رضى واشنطن عنكم، لكن أردنا فقط فضح سياساتكم الأعرابية المعادية للعرب والعروبة التي ولدت في بلاد الشام التي شاركتم في تدميرها ومحاولة وضعها تحت مظلة واشنطن المعادية لكل طموحاتنا وحتى لأحلامنا.
إن كنتم حقاً مكترثين بالعرب والعروبة كما تدعون، فها «الجزر المحتلة»، لا تبعد سوى أميال قليلة عن شواطئ عواصمكم غير المعصومة، فدعوا ماريشالاتكم الذين يستعرضون عبقريتهم العسكرية في اليمن، بعد عامين من العدوان الفاشل، يحررونها لتثبتوا حقاً أنكم تحاربون دفاعاً عن العرب والعروبة، وليس عن مصالح واشنطن ولندن.
أرونا همتكم أيها الأعراب!