أظهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنّه جاد في تنفيذ رؤيته الاقتصادية والسياسية المثيرة للجدل، وأن الأمر لم يكن مجرد دعاية انتخابية، فقد اتخذ من الخطوات وأطلق من التهديدات ما يؤكد اقتناعه بهذه الرؤية، التي يؤكد بأنها تحمي البلاد وتخدم العمال وتنعش الاقتصاد في بلاده. ورغم أنّ رؤيته هذه أرضت العصبية القومية أو الدينية عند بعض مواطنيه إلا أن هذا لا يجعل من تلك الرؤية صائبة أو مفيدة بالضرورة.


وأنا هنا لن أناقش نفاقه السياسي (بما فيه قراره الشهير بمنع القادمين من دول إسلامية «لحماية أميركا من الإرهاب» مع أنه استثنى الدولة التي ينتمي إليها أغلب الانتحاريين في عملية 11 سبتمبر2001!) إنما سوف أركز على الرؤية الاقتصادية لترامب، والتي يزعم أنها ستجعل الولايات المتحدة متفوقة على الاقتصادات المنافسة في حين أن من المحتمل أن يحصل العكس تماماً!
قد يكون ترامب رجل أعمال ناجحاً، و«ابن سوق» متحذلقاً عرف كيف يتحايل لسنوات عديدة على قوانين الضرائب، ولكن إدارة الأعمال شيء وسياسة الاقتصاد شيء آخر، فما بالك بالاقتصاد العالمي؟ ثم منذ متى كان تطور الاقتصاد العالمي مرهوناً بيد الحكام والسياسيين؟ إنّ الاقتصاد هو الذي يحكم السياسة على المدى البعيد، وإذا حصل العكس على المدى القصير فإن الاقتصاد سينفجر في وجه السياسيين عاجلاً أو آجلاً ويلقي بهم خارج المشهد. والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى.


قد يكون ترامب
رجل أعمال ناجحاً، لكن إدارة الأعمال شيء وسياسة الاقتصاد شيء آخر


السوق هي محصلة العلاقات بين أطرافه، من تعاون ومنافسة وصراعات. والأسلوب الوحيد للتعايش معه، وتحقيق مكاسب فيه، هو استيعاب قواعده والعمل وفقها، وليس معاندتها. فتلك القواعد لم يخلقها أحد أو دولة وإنما تكونت بالتدريج في سياق الفعاليات الاقتصادية والمالية، أو - على وجه التحديد - في سياق السعي وراء الربح. بهذه الطريقة دخلت الرأسمالية مرحلة العولمة في الفصل الأخير من القرن العشرين، وبهذه الطريقة فرضت العولمة نفسها كواقع جديد بخصائص جديدة. صحيح أن العولمة، مثلها مثل الرأسمالية نفسها، بدأت في الغرب أولاً ولكن انتشارها، وانخراط مزيد من الدول فيها، أديا الى التقليص من مركزيتها الغربية وتوسيع مساحة التنافس وتعددية الكيانات الاقتصادية الفاعلة فيها. أن يأتي بعد هذا كله رئيس دولة ويقرر بجرّة قلم عودة المنتجين الأميركيين الى عصر ما قبل العولمة، وعودة العلاقات الاقتصادية الدولية إلى عصر الهيمنة الأحادية، هو ليس أكثر من تهريج في الوقت الضائع. المنتِج، سواء كان أميركياً أو غيره، لديه اتجاه واحد للسير هو اتجاه الربح؛ وعلى هذا فإن انتقال عمليات الإنتاج من المركز الغربي الى آسيا وغيرها، وإغناء هذه العمليات بالكفاءات المهاجرة من البلدان الفقيرة، وتخفيف قيود وكلفة التبادل التجاري بين الدول، كلها كانت مربحة لرأس المال على المديين القريب والبعيد، أي إنها – على عكس ما يقوله ترامب - كانت مربحة حتى للاقتصاد الأميركي. هذا هو الواقع، وانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقيات التجارية الاقليمية والدولية والاغلاق على نفسها باجراءات حمائية، وخنق حركة الكفاءات العلمية بحجج عنصرية، سوف يشكل عصا في عجلة السوق العالمية وستخسر التجارة الأميركية مثلها مثل بقية البلدان. بمعنى إن شعار ترامب الشعبوي «أميركا أولاً!» يعني في الوقت نفسه: أميركا أخرى! وهذا يمكن أن يؤدي الى حصول تمرد اقتصادي على نطاق عالمي تخرج الولايات المتحدة بعده معزولة وخاسرة. ومنذ الأيام الأولى لهذه السياسة، وحتى قبل أن تدخل حالة التنفيذ، بدأت بوادر هذا التمرد بشكل سافر: فبعد تلميحات الصين في ملتقى دافوس الأخير الى أن خطة ترامب بانسحاب الولايات المتحدة الى الداخل سيعني أن الصين ستتولى صدارة العولمة، صرح وزير المالية الفرنسي مؤخراً بأن سياسة ترامب الاقتصادية تشكل خطراً على التجارة العالمية وأن على أوروبا أن تتصدى لهذه السياسة «لكي تمنع انهيار المؤسسات الاقتصادية العالمية». وأكد بأنه لا فرنسا ولا أوروبا ستقفان متفرجتين إزاء تهديد ترامب لاستقرار هذه المؤسسات. وعلى الأغلب لن تحتاج أوروبا وقوى السوق العالمية الى هذا الجهد حيث إن الشركات الأميركية نفسها، حسبما أتوقع، ستكون هي أول المبادرين بهذا التمرد، وستزيح ترامب من طريقها إن لم يتراجع عن سياسته، لأن هذه الشركات ستكون أول ضحايا العزلة التي تسببت فيها هذه السياسة.
ترامب، المتأثر بالعقلية الفاشية، يفكر بأن يسوق الشركات بالسوط. فهو يستخدم التهديد بسلاح الضرائب والأسعار والعقوبات لجعل الشركات ترضخ لخطته. لابد من وجود شخص عاقل قريب من ترامب ويهمس في أذنه: بأن السوق، المحلية كما العالمية، كانت على الدوام تعمل بقوة الربح وليس بالسوط. نعم قد تدوم «سياسة السوط» فترة من الزمن ولكنها لن تنتهي بالفشل وحسب وإنما ستؤدي، حتماً، الى انهيار اقتصادي وسياسي شامل، كما حصل من قبل في تجارب الحكم اللاديمقراطية في شرق أوروبا وألمانيا وإيطاليا وغيرها.
على الأرجح سيسجل التاريخ أن دونالد ترامب هو أكثر رؤساء أميركا غباء في السياسة الاقتصادية.
* كاتب عراقي