تتشكّل هوية المقاتل في التنظيمات السلفية القتالية على مراحل أربع، الأولى هي مرحلة القابلية، الثانية مرحلة الاتصال، الثالثة مرحلة التجنيد، والرابعة مرحلة الميدان. في المرحلة الأولى تدرّس شخصية الفرد ومدى قابليته الانخراط في النشاط القتالي إما لوجوده في منطقة الحرب أو لوجوده في بيئات اجتماعية يعيش فيها حالة تفكك الهوية أو العزلة النفسية لأسباب سياسية وثقافية. المرحلة الثانية هي مرحلة الاتصال وتلقي الرسالة الإعلامية أو الثقافية للسلفية القتالية، ويكتشف فيها فرصة لتفريغ الأزمة أو تحقيق البطولة الفردية أو تحصيل مجال للحركة وإثبات الوجود أو الثورة على الواقع القائم، وهنا يحصل التغيّر في شخصيته وانتمائه وتبدأ حركة التحول.


المرحلة الثالثة هي مرحلة التجنيد والتأطير عند الانضمام إلى إحدى التنظيمات السلفية القتالية التي تعيد تشكيل رؤيته للعالم والواقع واتصاله بالمجتمع. المرحلة الرابعة والأخيرة وهي الأهم، بحيث تشكّل شخصية الفرد في حالتها النهائية وهي مرحلة الميدان وتجاربه القتالية المباشرة والثقافة التي تمليها حالة الجبهة وتأثير سلوكيات التنظيمات والمقاتلين فيها، وخصوصاً الصراعات السلفية الأهلية.


ظهرت في التجربة السورية تنظيمات كثيرة، فبدت مرونتها وعدم صلابتها

بناءً على هذا المسار، يمكن البحث في تركيب هوية المقاتل السلفي إلى بعدين أساسيين، البعد الأول ذاتي وله طابع الاستمرارية ويتعلق بالحاجة إلى الحركة والتفريغ والتعويض، والثاني موضوعي ومرن ويتعلق بتحديد الساحة والعدو والأولوية والمنهج. ويؤثر في البعد الثاني، أي بشكل أساسي عوامل ثلاثة: التنظيم، العدو، الممول. العنصر الأول هو طبيعة التنظيم من حيث تماسك البنية والخطاب، والعنصر الثاني هو تأثيرات العدو وتعامله الميداني والسياسي مع التنظيم السلفي، والعنصر الثالث وهو الجهة الممولة وتوجيهها للتنظيم في الميدان والسياسة.
ظهرت في التجربة السورية تنظيمات كثيرة، متنوعة في كل المستويات، وبدت مرونتها وعدم صلابتها، وهي تنقسم إلى نوعين، الأول يعتبر وجوده مؤقتاً متعلقاً بظروف الحرب، والثاني يعتبر مشروعه ممتداً إلى مرحلة ما بعد الحرب، ويهدف إلى قطف الثمار السياسية للجهد الحربي. فظهرت حالة الانتماء الخاص والعام، فهناك انتماء للتنظيم الجهادي بشكل مباشر، وانتماء آخر أوسع هو للسلفية الجهادية بشكل عام، فيمكن للأفراد تغيير انتمائهم التنظيمي من دون الخروج من الانتماء السلفي الجهادي العام.
بناءً على هذه المقدمة المختصرة والمقتضبة لموضوع فيه الكثير من الجوانب، نتجه إلى الحالة الميدانية الحالية في الميدان السوري، حيث نجد حالة تغيير الانتماء للتنظيمات الصغرى والجماعات وحتى الأفراد، فالسلفي الجهادي الذي جاء إلى الميدان، لغرض حل مشكلة فردية، ليس لديه المانع من تغيير انتمائه التنظيمي عندما يتعرض للمؤثرات الخارجية، ويكون التنظيم الداخلي يحمل المرونة في البنية أو الخطاب، لكن ليس هناك من تغير على المستوى الأيديولوجي أو الدوافع النفسية للقتال، فالقوة السلفية الجهادية تبقى على حالتها رغم التبدلات التنظيمية، إلا في حال تغير موازين القوى في الصراع الجهادي الأهلي.
يدعم هذه المرونة في الهوية التنظيمية التشابه الكبير بين التنظيمات المختلفة على مستوى السلوك القتالي بعد أن حصل التمازج والتفاعل في ثقافتها الحربية، بحيث أصبحت تمارس نفس السلوكيات وإن كانت تحمل ألواناً سياسية وأيديولوجية مختلفة. ويلعب الطرف الدولتي الإقليمي الممول والداعم سياسياً وإعلامياً دوراً كبيراً في زيادة هذه المرونة من خلال فرض أجندته على تلك التنظيمات التي لم تعد تحمل مشروعاً مستقلاً بعد أن تم فك ارتباطها مع فكرة ومشروع الجهاد العالمي بشكل كلي، وإن كان الكثير منها لم يحمل هذه الوجهة من الأساس، ومنعت من تشكيل تنظيم موحد على طول الجبهة بحيث لا تتمكن من تقرير مصيرها بمعزل عن الجهات الداعمة.
* باحث لبناني