رفض بوش نصيحة بيل كلينتون له بالابتعاد من فكرة السيطرة وقبول فكرة القيادة وفق معايير ونظم. بتكليف «رباني»، بحسب سيمور هيرش، ذهب بوش لأفغانستان ومن ثم للعراق ليزهق حياة قرابة مليونين من سكانهما، ويشرد قرابة عشرة ملايين، تاركاً بصمته في أفغانستان... آلاف فقدوا أطرافهم، وفي العراق... ولادات مشوهة. رفض أردوغان نصيحة كثيرين له بالابتعاد من فكرة السيطرة على الجوار العربي والمسلم بالقوة الخشنة، وقبول تكريس التعاطي معه بالقوة الناعمة. كانت شعوب ودول الجوار بحاجة لقوة تركيا الناعمة، لمساهمة فاعلة تفكك موروث نزاعاتها العرقية والمذهبية وتكامل طاقتها على قاعدة تشاركية تمنحها علاقات ندية وعيشاً كريماً. وكانت الفرصة مفتوحة أمام تركيا لتغدو القائدة... بتلك الناعمة، لتقف بوجه مشروع الأوسط الجديد وفوضاه «الخلاقة». لكن أردوغان وداوود أوغلو اختارا النقيض. فعلى خطا بوش ــ تشيني - وإن بأدوات مختلفة - دفعا لإزهاق حياة مئات الآلاف من بلدان العرب والمسلمين وقوداً لحلم امبراطوري. تحالفا مع سدنة تلك الخلاقة. تخلى أردوغان عن موقفه من إسرائيل في مؤتمر دافوس، ونسق سياسته مع تجمع شركات قابضة أخذ اسم دولة قطر... الذي دمر ليبيا وحولها إلى دولة فاشلة بمشاركة طيارين إسرائيليين. في مدينة حلب، ترك أردوغان بصمته. كفّن آلاف الضحايا والمعامل المنهوبة ومستقبل أطفال عشرات آلاف الأسر المهجرة. بقداسة ضريح سليمان شاه.

كانت الصفعة التي تلقاها جورج بوش من حذاء صحافي عراقي إعلاناً عن نهاية زمنه الموجب، كذلك فعلت الصفعة التي تلقاها أردوغان من تقرير لصحافي تركي وثق دعمه للمجموعات الإرهابية في سوريا سلاحاً وذخائر، وكان الزمن الموجب لكذب داوود أوغلو قد انحسر إثر تسريب طلبه من المخابرات التركية حلق معذرة للتدخل العسكري المباشر في سوريا. بشغف أوقد أردوغان زمنه الموجب لتغذية «الكاريزما» التي تميز بها، وأطفأ داوود أوغلو زمنه الموجب لإزكاء موهبته.

هل بات زمن المقاولين
السياسيين السوريين والعرب على وشك أن يغرب؟

في 2012 فتح التاريخ بوابة الزمن الموجب لحزب العدالة والتنمية، وفتحها في 2015 لحزب الشعوب الديمقراطية... «وتلك الأيام نداولها بين الناس».
بالتأكيد كان مساء يوم الانتخابات التركية قاسياً على المعارضين السوريين المقيمين في مضافة أردوغان. لكنه كان أشد قسوة على السعودية وقطر والأردن وإسرائيل؛ دول البنتاغون الإقليمي التي عزمت وبقيادة أردوغان على إسقاط النظام في سوريا قبل موعد توقيع الاتفاق حول النووي بين إيران والدول الخمس توطئة لتقسيمها. فمن وكيف سيسد الفراغ الحاصل في حقيبة أدوات مشروع الاسقاط والتقسيم، بعد خسارة حزب أردوغان للغالبية؟
هل سنشهد عاصفة حزم خليجية ثانية؟ ذلك معاق بامتياز. بالتأكيد سيبذل أردوغان وداوود أوغلو قصارى جهدهما خلال الفترة المتاحة لتشكيل حكومة جديدة، فالبنتاغون الإقليمي يريد إنجازاً. لكن جهدهما بات معاقاً أيضاً. يبقي نتنياهو... لكن زمنه الموجب هو الآخر قد غرب. لا يعني ذلك أن مشروع الشرق الأوسط الجديد قد فشل، فهو قد حقق نجاحاً كبيراً إذ دمر أربعة بلدان عربية حتى تاريخه. لكن نجاحه لم يكتمل بعد. فهو لم يستطع حتى تاريخه أن يسحق النواة الصلبة للدولتين السورية واليمنية. أنجز ذلك في ليبيا واقترب منه في العراق... لذلك تشكلت كسارة البندق الخماسية، فنواة سوريا الصلبة قادرة إن نجت من الكسارة على أن تدهش العالم بقدود صناعتها الحلبية كما أدهشته سابقاً بسفنها الكنعانية. وحول ذلك يستعر الصراع. كذلك هي حال اليمن والعراق وما يراد لمصر وللجزائر. الصراع في وحول سوريا اليوم هو اليوم وكما في المثل الشعبي... «بيضة القبان».
ضحكات معارضين سوريين في القاهرة صبيحة اليوم التالي للانتخابات التركية عكست نشوة بعضهم بالحدث، وفرحة بعض آخر بتغيير المضافة في الوقت المناسب. ترى هل بات زمن المقاولين السياسيين السوريين والعرب (في المعارضة والسلطة) على وشك أن يغرب... أم أن التاريخ سيمدد لهم؟ مرجح ذلك، فالحقبة مازالت حقبة المقاولين.
ويبقى السؤال: هل ومتى سيتم العبور إلى زمن آخر... زمن العشاق؟
* كاتب سوري