أقدّم في هذا التقرير الموجز صورة عن مناقشات مشروع الدستور اللبناني في أيّار 1926، أي من ما يزيد على تسعة عقود لم يعرف عقد واحد منها تمام الهدوء والاستقرار.

مرجع الكلام في تلك المناقشات هو النصّ العربيّ لمحاضرها المنشورة في الجريدة الرسميّة ثمّ في النشرة القضائيّة، بالإضافة إلى تقرير منقولٍ إلى الفرنسيّة مفقود نصُّه الأصليُّ بالعربيّة. يُلخّص هذا التقرير مواقف النخب اللبنانيّة الدينيّة وغير الدينيّة في إجاباتها عن الأسئلة التي طرحتها لجنة الدستور.

الصورة مأخوذة من زاوية الحوار العامّ وشروطه. فلا نخوض هنا في مراحل تكوين مشروع الدستور هذا ولا في هوّيّة من وضعه من اللبنانيّين، من بعد، أو من الفرنسيّين، من قبل، إلّا عند لزوم الإيضاح لفهم مسار المناقشة. والمقصود بهذه الصورة التعرّف الأوّلي لواقع الحوار بين اللبنانيّين وسياق هذا الحوار، في محطّة أساسيّة بل تأسيسيّة من محطّات بناء دولتهم، أو بالأحرى من مشروع وجودهم، دولةً واحدةً ذات نظام معيّن وشعباً واحداً ذا هوّيّة معيّنة.
1-النقطة الأولى هي في إطار الحوار الذي هو المجلس التمثيليّ المنتخب. نحن هنا إذاً في إطار مؤسّسة قانونيّة لا أقول دستوريّة فلا دستور بعد ولا أقول من مؤسّسات الانتداب وحسب، إذْ إنّها مؤسّسة قد انتخبها لبنانيّون قدماء وجُدُد بحسب التصنيف السائد آنذاك والذي دام سائداً إلى أمد قريب بتسمية أخرى، أي بالتمييز بين اللبناني الحقيقي واللبناني قانوناً لا غير. إضافةً إلى أنّها مؤسّسة قد كانت، أصلاً، في اتّجاه أنْ تكون دستوريّةً بوضعها الدستور اللبنانيّ بالتعاون مع سلطة الانتداب الفرنسيّ، وفقاً لصكّ الانتداب. وذلك ما كان.
2- النقطة الثانية هي في الدعوة والتوقيت والإشراف: فهذه كلّها كانت بقرار سلطة الانتداب، لكنّها كانت أيضاً بناءً على المطالبة اللبنانيّة من جهة وبمقتضى صكّ الانتداب، من جهة ثانية.
3- النقطة الثالثة في مستويات الحوار وأطرافه.
المستوى الأدنى فيه طرفان لبنانيّان: المجلس التمثيليّ بوساطة لجنة الدستور فيه، من جهة، والنخب الدينيّة والاجتماعيّة والمهنيّة، من جهة ثانية. ففي هذا المستوى كان نوع من الاستفتاء غير الملزم. أمّا أسئلة هذا الاستفتاء التي تُليت خلاصة نتائجه في أوّل جلسات المناقشات فقد كانت في الصورة الآتية:
ما هو شكل الحكومة أملكيّ دستوريّ أم جمهوريّ ولماذا؟
أيكون البرلمان مؤلّفاً من مجلس أم من مجلسين ولماذا؟
هل يكون رأس الدولة مسؤولاً وتجاه من؟
هل تكون الحكومة أي الوزارة مسؤولةً تجاه رأس الدولة أو تجاه البرلمان ولماذا؟
هل تكون مسؤوليّة الوزراء إفراديّةً أو إجماليّةً أو تحتمل الشكلين ولماذا؟
هل يكون التمثيل النيابيّ طائفيّاً أم لا ولماذا؟
هل يكون الانتخاب ذا درجة أم ذا درجتين وهل يكون التصويت العامّ عادياً Simple أو متعدّداً Plural ولماذا؟
كم يكون عدد الناخبين لكلّ نائب. وكم تدوم مدّة النيابة ولماذا؟


لا تطابقَ بين الموقف من الدولة واستقلالها وبين الانتماء إلى طائفة


إذا تقرّر أنْ ينشأ مجلس شيوخ فهل يُنتخب أعضاؤه انتخاباً وعلى أيّة طريقة؟ أم يُعيّنون تعييناً ومن قبل من؟ أم يكون بعضهم منتخباً والبعض معيّناً وكم يجب أنْ يكون عددهم ولماذا؟
إذا أنشئ مجلس شيوخ فكم يجب أنْ تدوم مدّة ولايته ولماذا؟
كيف تؤلّف المناطق الانتخابيّة وعلى أيّة قاعدة تكون الانتخابات ولماذا؟
هل تُراعى الطائفيّة في وظائف الدولة وبنوع خاص في الوزارات ولماذا؟
التقرير الذي أشرتُ إليه يُلخّص 132 إجابة عن هذه الأسئلة، كما يشير إلى رفض 32 طرفاً الإجابة لأنّهم يرفضون الكيان الجديد ويطلبون إقامة اتّحاد سوريّ، و13 آخرين نظراً إلى الصفة الاستشاريّة لهذا الاستفتاء، و4 بداعي المرض، و59 تقاعساً عن الردّ دون إبداء السبب. وإذا قارنّا الإجابات الغالبة التي يقدّمها التقرير بمشروع الدستور نجد انعكاساً قويّاً لها في نصّ المشروع. المستوى الأوسط فيه ثلاثون طرفاً هم أعضاء المجلس التمثيليّ المنتخبون تمثيلاً للمناطق والطوائف بنسب حدّدتها سلطة الانتداب وَفقاً لحجم كلّ من تلك المناطق والطوائف. وطالما أنّ حسم الحوار في هذا المستوى يكون بغالبيّة الأصوات أورد هنا هذه النسب:
محافظة جبل لبنان: 8 أعضاء، خمسة من الموارنة واثنان من الدروز، وواحد من الروم الأرثوذكس. لبنان الجنوبي: ستة، ثلاثة من الشيعة وواحد من الموارنة وواحد من السنّة وواحد من الروم الكاثوليك. محافظة البقاع: 6 أعضاء، اثنان من الشيعة وواحد من الموارنة وواحد من السنّة وواحد من الروم الأرثوذكس وواحد من الروم الكاثوليك. بيروت: خمسة أعضاء، اثنان من السنّة، وواحد من الموارنة وواحد من الروم الأرثوذكس وواحد من الأقلّيات المسيحيّة. محافظة لبنان الشمالي: 4 أعضاء، اثنان من الموارنة، وواحد من السنّة وواحد من الروم الأرثوذكس. مدينة طرابلس: واحد من السنّة.
فيكون المجموع ست مناطق، أمّا بالنسبة إلى الطوائف فعشرة من الموارنة وستة من السنّة وخمسة من الشيعة وأربعة من الروم الأرثوذكس، واثنان من الدروز واثنان من الروم الكاثوليك، وواحد من الأقلّيات المسيحية. فيكون مجموع المسيحيّين 17 عضواً ومجموع المحمّديّين 13 عضواً.
أمّا بالنسبة إلى الموقف من الكيان اللبناني، حيث أنّ الحوار موضوعه دستور هذا الكيان، فخمسة وعشرون من القابلين بلبنان الكبير، هم كلّ المسيحيّين ومعهم كلّ الدروز، وأربعة من الشيعة أي الأكثريّة ، الذين يمثّلون لبنان الجنوبي والهرمل، واثنان من السنّة اللذان يمثّلان عكّار والبقاع أيّ الأقليّة، وفي المقابل خمسة من الرافضين دولة لبنان الكبير والمطالبين بدولة اتّحاديّة تضمّ وحدات ثلاث هي لبنان الصغير والمناطق التي ألحقت به والبلاد السوريّة، وهم أربعة من السنّة أي الأكثريّة وواحد من الشيعة الذي يمثّل بعلبك.
وإذْ نرى من المواقف أعلاه، أنْ لا تطابقَ تامّاً بين الموقف من الدولة واستقلالها أو بالأحرى من انفصالها والالتحاق بها، وبين الانتماء إلى طائفة، يبرز هنا عامل الانتماء إلى المناطق ومعه مسألة المساواة بين مناطق لبنان الصغير من جهة والمناطق التي ألحقت به من جهة ثانية، أو بالأحرى بين السكان في هذين القسمين من حيث الضرائب، بحسب تعبير مندوب الانتداب تصحيحاً لموضوع المطالبة بالمساواة. هنا نجد فريقين اثنين: الأكثريّة وهي قابلة بالأخذ بالمساواة ولكنْ بالتدرّج، والأقليّة المطالبة بإلحاح بالإقرار الدستوريّ بهذه المساواة قبل أيّ شيء آخر أو بتحديد موعد قريب جدّاً لذلك التطبيق. والأقلّيّة هنا أربعة من الشيعة يمثلون لبنان الجنوبي والبقاع وواحد من السنّة يمثّل عكّار.
أمّا بالنسبة إلى الموقف من الطائفيّة كما ورد النصّ عليها في المادّة 95، فقد كانت في الصورة الآتية: تسليمٌ بها من قبل أكثريّة مختلطة من كلّ المذاهب، ثمّ تمسّك بها من قبل كلّ ممثّلي المذاهب المحمّديّة إلّا واحداً، بل إنّ واحداً آخرَ من هؤلاء قد رفضها لسبب النصّ على الأخذ بها بصورة مؤقّتة وهو يريدها دائمة، ثمّ رفضٌ حادّ للأخذ بها من قبل أقليّة مسيحيّة، ثلاثةٌ من الموارنة يُضاف إليهم واحد من الروم الأرثوذكس، وذلك باعتبارها تناقض الوحدة الوطنيّة ومبدأ اعتماد الكفاءة. ومن الواضح أنّ صورة هذه المواقف تخالف الصورة الشائعة عن المواقف المسيحيّة والإسلاميّة من الأخذ بالطائفيّة أو إلغائها. أمّا بالنسبة إلى علاقة الدولة بالأديان فقد سبق التعرّض لها عند مناقشة المادّة التاسعة، وبعد استفهام عمّا ورد فيها لجهة تأدية الدولة "فروض الإجلال للّه تعالى" أجاب مقرّر لجنة الدستور بما يأتي: "البلاد مجموعة أديان كلّها أقليّة، والدولة لا تنتمي إلى أحدها ولكنّها "لا دينيّة" بل تحترم الجميع". ولم يعترض أحد على هذا الوصف وأُقرّت المادّة التاسعة بالإجماع. ولكنْ، هذه اللادينيّة هي ما حذّرت البطريركيّة المارونيّة من أنْ يتضمّنها الدستور، وذلك في الملاحظات التي أرفقتها بإجابتها عن الأسئلة. وهذا المعنى الذي ذكره مقرّر لجنة الدستور هو غير المعنى التي رمت إليه ملاحظات الكنيسة المارونيّة.
أمّا بالنسبة إلى الهوّيّة التي ظهر الكلام فيها عند مناقشة الموادّ 5 و6 و11 المتعلّقة على التوالي بتصميم العلم اللبنانيّ وألوانه وبالجنسيّة اللبنانيّة وبلغة الدولة الرسميّة. فكان الاختيار الإبقاء على النصّ الذي يحفظ العلاقة بالدولة الفرنسيّة عبر الألوان الثلاثة عموديّاً ويعيّن الهويّة اللبنانيّة عبر الأرزة في الوسط. وهذا ما كان تجاوزه سنة 1943 تعبيراً عن استقلال الهويّة اللبنانيّة عن العلاقة بفرنسا. وبالنسبة إلى الجنسيّة فقد طرح أحدهم ضرورة تعريف اللبنانيّ التي كان إجماع عليها لكنّ الانقسام كان حول ماهيّة ذلك التعريف وهل يكون في الدستور أم في قانون الجنسيّة. المسألة الأخرى في هذا الموضوع هي مسألة ازدواج الجنسيّة. وكان اختيار الأغلبيّة في المسألتين أنّ موضع البتّ فيهما هو قانون الجنسيّة. أخيراً، بالنسبة إلى لغة الدولة الرسميّة كان النصّ في صكّ الانتداب على العربيّة والفرنسيّة على حدّ سواء، لكنّ القرار الأخير بالإجماع الذي أجازه مندوب سلطة الانتداب هو التمييز بينهما فتكون العربيّة هي اللغة الرسميّة والفرنسيّة رسميّة في الأحوال التي يحدّدها القانون. وهذا ما كان تجاوزه سنة 1943 بإسقاط وصف الفرنسيّة بأنّها لغة رسميّة. وفي هذه المسائل كما في المسائل السابقة لم يكنْ الانقسام في الرأي يطابق الانقسام في الانتماء الطائفيّ وإنْ كان الانتماء يرسم ميولاً عامّة في هذا الاتّجاه أو ذاك.
المسألة الأخيرة التي أشير إليها هنا هي مسألة تكوين السلطات والعلاقة في ما بينها. هنا أيضاً لا نجد انقساماً يتبع خطوط الانقسامات الطائفيّة طالما أنّ توزيع المراكز الأولى في هذه السلطات لم يكنْ فيه بعد تقليد طائفيّ كما حدث في وقت لاحق. والأمر نفسه بالنسبة إلى العلاقة بالدولة المنتدبة حيث نجد حرصاً على الاستقلال عنها من جهة وعلى التوافق معها من جهة ثانية.
أعود هنا إلى مستويات الحوار، حيث نجد المستوى الأعلى فيها أي الحوار بين السلطة المحلّية وسلطة الانتداب: القاعدة هنا هي التوافق بين السلطتين في الحدود التي رسمها صكّ الانتداب وميثاق عصبة الأمم. ولا تكافؤ هنا في هذا التوافق. ففي موضوع حقوق دولة الانتداب وواجباتها كان لمندوبها التصريح بتلك الحقوق والواجبات لإثباتها في نصّ الدستور وكان على المجلس التمثيليّ الإبلاغ عن الموافقة أو عدم الموافقة. لكنّ عدم الموافقة كان يعني عدم الاتّفاق على الدستور، أي لا دستور. فالتوافق هنا معناه احتفاظ كلّ من الفريقين بحقّ النقض، فليس لأيّ من السلطتين الوطنيّة والفرنسيّة حقّ وضع الدستور دون موافقة السلطة الأخرى. وإذا عدنا إلى معنى الدساتير فشرط إمكان هذه إنّما هو السيادة. فالوضع إذاً كان في الحقيقة وضعاً انتقاليّاً من الزاوية الواقعيّة ومن الزاوية المعياريّة. وإقرار الدستور كان في المبدأ خطوةً في اتّجاه تلك السيادة.
4- النقطة الرابعة والأخيرة هي في موضوعات الحوار وحدوده:
سبق لنا أنْ ذكرنا موضوعات أساسيّة في هذه المناقشات: الكيان، الهوّيّة، المساواة، الطائفيّة، العلاقة بين السلطات، العلاقة بسلطة الانتداب. يمكننا القول بأنّ الموضوعات هي موضوعات الدستور الحاليّ بزيادة هنا وبنقص هناك. فليس في الدستور الحاليّ مثلاً كلام في موضوع جنسيّة رئيس الدولة وإمكان أنْ يكون غير لبنانيّ. وليس في تلك المناقشات مثلاً كلام في التوطين أو الإنماء المتوازن. وليس في الدستور الحاليّ كلام في حلّ مجلس النوّاب إذا امتنع عن انتخاب رئيس الدولة. أمّا في المناقشات فكان حلّ مجلس النوّاب في هذه الحالة بداهةً ولكونه كذلك لم يُعبّر عنه نصّاً في مادّة من المواد.
أمّا حدود الحوار فيمكننا أنْ نُلخّصها في النقاط الآتية:
إقرار المساواة بين أطراف الحوار في إطار المجلس التمثيليّ، أي في المستوى الأوسط منه، وعدم المساواة في المستوى الأدنى، أي بين المجلس التمثيليّ والمراجع الدينيّة والاجتماعيّة والمهنيّة، وفي المستوى الأعلى، أي بين المجلس التمثيليّ وسلطة الانتداب.
التزام التعاون إجمالاً في المستويات الثلاثة، حتّى أنّ المنافرة طوال هذه المناقشات كانت منافرةً وحيدةً عابرة، أستحسن إيرادها في هذا التخاطب الذي جرى في أثناء مناقشة المادّة 95 الطيّبة الذكر، أي في موضوع الأخذ بالطائفيّة في الوظائف العامّة:
أصرّ جورج زوين على موقفه الرافض لاعتبار الانتماء الطائفيّ قائلاً: "يجب أنْ لا نأخذ بعين الاعتبار إلّا الكفاءة فقط".
فقال صبحي حيدر: "أنا أطلب إذن الوحدة السوريّة".
فردّ جورج زوين قائلاً له: "مع السلامة".
وانتهت المنافرة الوحيدة عند هذا الحدّ.
وفي هذه النقطة لا بدّ من الإشارة إلى حسن إدارة رئيس المجلس ونزاهته في إدارة الجلسات في جوّ من التعاون والتهذيب الرفيع.
النقطة الثالثة والأخيرة في وصف هذه المناقشات من زاوية الحوار هي الالتزام، إجمالاً، بمبدأ الحجّة الفاضلة في الأخذ والردّ، وإنْ كان الحسم في نهاية المطاف رهن التصويت بأكثريّة أو إجماع.
والخلاصة في تقويم هذه المناقشات أنّها كانت مفاوضات مقبولة محترمة بين مجموعة من الوجهاء وأبناء العائلات، لا شكّ بطموحهم الوطنيّ على اختلاف توجّهاتهم، دعاةَ كيان لبنانيّ كبير أو دعاةَ اتّحاد سوريّ شامل.
* باحث لبناني