لطالما وُصف عصرنا الراهن بأنه عصر العولمة. جملة الرئيس الأميركي بيل كلينتون ما زالت حاضرة في الآذان لتفسير غريب وجديد ما يحدث في هذا العالم: «إنها العولمة أيها الغبي» قال لمحدِّثه صارخاً مستهجناً.

اقترن مفهوم ومضمون العولمة في طفرتها الهائلة المعاصرة، بالتطور الاقتصادي والتكنولوجي الجامح، بعناوينه الثلاثة الأساسية. الأول، عولمة رأس المال بشكل غير مسبوق.

فهذا الأخير «يسوح» العالم من أقصاه إلى أقصاه باحثاً على فرص ربح وتعظيم ربح وضمن شروط وآليات لا حدود ولا ضوابط لها تقريباً. والثاني هو نشوء حركة احتكارات كبرى مداها العالم بأسره تمارس هيمنتها وسطوتها على حركة الإنتاج والتسويق. استخدمت الاحتكارات تلك عناصر قوة غير مسبوقة على النطاق العسكري (سابقاً شُنّت حروب كونية)، مع كل ما يتصل بذلك من نشوء جيوش ذات قدرة على الحضور والتدخل في أربع أرجاء المعمورة عبر قواعد أو أسلحة أو منظومات سياسية (أحلاف واتفاقيات أو، حتى، عبر الأمم المتحدة نفسها في الكثير من الحالات)... والثالث هو التطور الثوري العاصف في حركة الاتصالات والمعلومات بما عزَّز من مفهوم «القرية الكونية» وأودى بمعظم ما تبقى من حدود وعوائق و«ممانعة»... وهدَّد، بهذا القدر أو ذاك، رواسخ وعادات وحضارات وفنوناً وقيماً وتقاليد... كانت قائمة لأجيال وأجيال.
النزعة نحو الاستحواذ والتوسع وارتياد آفاق ربح جديدة، جغرافياً وفكرياً وسياسياً، هي نزعة قديمة. ليس بالصدفة قيام إمبراطوريات اخترقت، ما وسعها، العديد من البلدان والقارات منذ فجر التاريخ المكتوب حتى قيام إمبراطوريات وممالك استعمارية «لا تغيب عنها الشمس». العقائد الدينية في «خلاص» الإنسان والجنة والأبدية، وقبلهما «عالم المثل» والمدن «الفاضلة»، هي أشكال من عولمة أيديولوجية، لم تكن يوماً منفصلة عن حركة البشر وصراعهم فيما بينهم ومع الطبيعة، من أجل إدراك عناصر القوة والتوسع والهيمنة... «الأممية البروليتارية» حاولت توحيد العالم من خلال تعبئة الطبقة الأكثر مساهمة في الإنتاج والأقل نصيباً في الاستفادة من خيراته المادية والمعنوية. «الطبقة العاملة العالمية» بعد الثورة الصناعية الكبرى، هي محرك التاريخ في تناقضها مع رأس المال، وهي قوته القادرة (متى توفر لها الوعي) على إزالة الاستغلال والاستلاب، وعلى خلق فرص لا مثيل لها، للجمع ما بين تطور ثورة «إنتاج الخيرات المادية» وبين العدالة الاجتماعية والمساواة بإزالة «استغلال الإنسان للإنسان» (ماركس وإنجلز)...
في نطاق العولمة «البريئة» والبسيطة (أي غير المدفوعة بعوامل الربح والهيمنة)، يندرج إنتاج مبدعين أصبحوا، في حقول العلم أو الفكر أو الفلسفة أو الفن أو الدين، رموز عولمة لقيم أو اتجاهات أو إنجازات... ذات طابع مادي أو فكري أو روحي. طغى على العولمة المعاصرة الطابع الاقتصادي، وشكلت الولايات المتحدة، بما توفر لها من عناصر القوة والريادة والإنجاز، قوة العولمة الأساسية وقائدتها غير المنازعة من قبل أحد. في ظروف جديدة، غابت فيها الثنائية القطبية بانهيار منظومة موسكو الاشتراكية، وطلباً لمزيد من السيطرة والهيمنة، ولمواجهة منافسين صاعدين على المستوى الاقتصادي، كالصين مثلاً، نشأت حركة «المحافظين الجدد» في واشنطن، واستطاعت، عبر بوش الابن ومعه، السيطرة على السلطة لمدة ثماني سنوات كاملة. في جوهر استراتيجية «المحافظين الجدد» السعي لوضع قوة أميركا العسكرية المتفوقة في خدمة حركة احتكاراتها الكبرى، ولو تطلب الأمر استخدام الغزو وتغيير الأنظمة وشن حروب «وقائية» واستباقية، وفرض نمط الحياة الأميركي... العراق كان مختبراً أول بعد غزو أفغانستان.
أدخل بوش الابن و«المحافظون الجدد» العالم في دوامة عدم استقرار جديدة. تفاقم ذلك بعد «إخفاقات» السياسية البوشية المحافظة والخسائر الكبيرة التي نجمت عنها (الأزمة المالية الكبرى أواخر عام 2008)، وبسبب المقاومة الفعَّالة التي جوبهت بها (بما في ذلك، من قبل متضررين ومجموعات متطرفة وجدت الفرصة سانحة لدخول المشهد السياسي من الباب العريض: مقاومة الغزاة)! سقوط بوش و«المحافظين الجدد» لم يحل دون استمرار تأثيرهم ومحاولة تجديد مغامرتهم في ظروف تبلور تحديات إضافية فرضتها شروط منافسة جديدة: اقتصادية من قبل العملاق الصيني (وآخرين)، وعسكرية يمثلها العملاق الروسي...
مع تراجعات وخسائر واشنطن، قوة العولمة الأساسية، ازداد الصراع داخل الكتل الاقتصادية الاحتكارية الأميركية الكبرى، حول صيغ المنافسة وشروطها في عالم متغير. اختار داعمو الرئيس السابق باراك أوباما سياسة «واقعية» تقوم على تجنب مغامرات جديدة ووضع نهاية للقديم منها: في كل من العراق وأفغانستان. في امتداد ذلك، قضت استراتيجية أوباما بالاكتفاء بدور الأول بين متساوين، ما اقتضى أيضاً تطبيع علاقات واشنطن مع دول كانت قد أصبحت صراعاتها معها مستعصية: كوبا وإيران... هذا إلى سياسات اجتماعية «تعويضية» تخفف من الآلام والمآسي التي خلفتها السياسات النيوليبرالية الجديدة، دون تغيير، طبعاً، في جوهر تلك السياسات، القائم على تعظيم الربح والهيمنة بثمن تدمير مصالح ملايين المتضررين سنوياً، بما في ذلك في الولايات المتحدة نفسها.
حركة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب هي عودة على بدء. إنه، بشكل أساسي، يكمِّل مشروع «المحافظين الجدد». هدفه الأكبر، تحت شعار «أميركا أولاً»، وضع قدرات ومقومات الولايات المتحدة في خدمة احتكاراتها الكبرى دون أي حسابات. لهذا الغرض يتولى ترامب «هرغلة» وتسخيف كل القيم والتوجهات التقليدية، فضلاً إلى المسارعة لتدمير وإزالة كل إجراءات أوباما: الاجتماعية في الداخل، والسياسية والأمنية في الخارج (هو مثلاً، يحاول تحييد روسيا عسكرياً، للاستفراد بالصين ولإخضاعها اقتصادياً). من العولمة ذات الديكور الليبرالي، يتجه أثرياء سلطة ترامب، نحو نيوليبرالية فجَّة ووقحة لا تقيم اعتباراً لأي محذور أو قيمة حضارية أو أخلاقية. لا مبالغة في القول إن حوالى نصف البشرية مستهدف بسياسات ترامب: مسلمو العالم، المكسيك، الصين التي يقارب عدد سكانها ربع البشرية...
هذا ما يمكن أن نسميه انحطاط الطور الراهن من العولمة. ليس ترامب هو صانع هذا التحول الخطير، بل هو ابن نجيب له. بعد التكالب على الهيمنة والعدوان بغرض النهب والسيطرة، شجع غياب الرادع المادي على تخطي كل ما راكمته البشرية من إنجازات وقيم حضارية وأخلاقية. في ظل هذا المناخ المسمّم بالانتفاع والتهور والجشع، انتعشت وانبعثت، في الفعل ورد الفعل، آفات التطرف والتعصب والإجرام والقتل...
يحذر باحثون محللون، الآن، من مخاطر تتهدد البشرية نتيجة انهيار المعايير والقيم والضوابط. تآكل منظومات الوقاية القديمة وغياب منظومات جديدة، يجعلان احتمال حصول مغامرات غير محسوبة احتمالاً قائماً ومخيفاً بالتأكيد.
الشرق الأوسط، ساحة الصدام والإجرام الرئيسية، حالياً، سيستمر كذلك في المستقبل. البداية من فلسطين التي استُهدفت حقوق شعبها بالسهام الأُولى من قبل الرئيس ترامب. الأولوية الآن، لدفع الشرور الآتية عبر مقاربات وعلاقات وسياسات جديدة بين دول وشعوب المنطقة (ما عدا الصهاينة)، ليس بينها، حتماً، الرهان على الرئيس الأميركي الجديد!
* كاتب وسياسي لبناني