«فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان،

لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول،
وإنّ الآفاق قد غامت، والمحجة قد تنكرت»
(الإمام علي بن أبي طالب)


لم تتوقف احتجاجات الشوارع في العراق، ولم تحتفِ جماهيرها بما يليق بالانتصارات التي تحققت في تحرير أكثر من مدينة احتلها تنظيم «داعش» قبل سنتين، بدعم لم يعد سراً، من قيادات في التحالف الذي تأسس تحت اسم «تحالف دولي لمكافحة الإرهاب»، ومن التابعين له محلياً وإقليمياً، ومن الممولين له علناً أو بالتواطؤ.

ولم يسأل أحد عن الأسباب ولا النتائج، وكأن ما جرى ويحصل لا يهمه مباشرةً أو ليس هو السبب أو من الأسباب المباشرة لما اضطره إلى سلوك الاحتجاج في الشارع والخروج من دون تمهل أو انتظار، أيضاً. ولم يُلفت الانتباه كثيراً إلى أن شوارع الاحتجاجات اليوم هي في المدن التي تحسب على ما توصف به الحكومة المركزية طائفياً، في وسائل الإعلام وأبواق التضليل الإعلامي والسياسي. وأن التظاهرات متواصلة في رفع شعارات وطنية وعلم العراق الرسمي وبأساليب سلمية ومن دون قيادة حزبية أو سياسية رسمية معلنة بعد، برغم مرور وقت كافٍ عليها عموماً، (وإن كانت تمتثل لتوجيهات معينة في بعضها من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر)، خلاف ما حصل في احتجاجات سبقتها في مدن أخرى سهلت الطريق أمام «داعش»، بل ورفعت علمه علناً وتباهت به في فضائياتها المباشرة أو المتفرغة لدعمها إعلامياً ومالياً، وكشف بالوثائق والصورة والصوت الكثير من أساليب الدعم والتحريض والتضليل، وصمتت تحت إدارته ولا يزال فرسانها أو محركوها في خدمة توفير ما يتطلبه وضع «داعش» وحاجته، علناً ومن دون مواربة أو خجل بشري. وكان قد تحدث محافظ الأنبار سابقاً، في لقاء تلفزيوني، عن وصول مبالغ مالية كبيرة إلى خيم التظاهرات في حينها من «دول» خليجية، فضلاً عن اللافتات المرفوعة على أعمدة الضوء في مدنها، والحملات التلفزيونية التي يبدأ التبرع فيها من العوائل المتحكمة في رقاب شعوب الجزيرة العربية.
استمرار ظاهرة الاحتجاجات في أيام الجمع وغيرها الآن علامة إيجابية، وقد تكون ضرورية، مع محدوديتها، وتظل مطالبها المشروعة في التغيير الفعلي لما هي عليه أوضاع العراق سياسياً واقتصادياً وأمنياً، مسألة مهمة وواجباً وطنياً، وبرغم حالة الحرب الدائرة في أركان منه، ولا سيما رفعها شعارات واضحة تطالب بالخلاص من سوء الخدمات وفقدان الأمن وغياب العمران، واستشراء الفساد الاداري والمالي على مختلف المستويات والأصعدة، وتسابق القوى السياسية المشتركة في العملية السياسية الحالية على نهش أكبر حصة لها ممّا سُمي إعلامياً «كعكة العراق» والتغني بها علناً وبلا أي مشاعر لها ومصالح الشعب والوطن.
واكب خطوات «داعش» وجرائمه وارتكابات داعميه نشاطات وفعاليات تحت مسميات مفضوحة، ولكن مستتر عليها أو مسكوت عنها، داخل العراق وخارجه. ولم تلحظها الاحتجاجات الأسبوعية ولا شعاراتها المطلبية، برغم كل ما يعلن من تحالفات أو تصريحات ضد «داعش» أو الإرهاب عموماً. بل أصبح دعم «داعش» الرسمي يمرر بكل صلافة وإساءة صارخة، تحت أغطية متعددة. من بينها أو عبر ما يعلن عن «تنظيم قوى المكون السني»، كعنوان أو لافتة للإعلام الخارجي وأصحابه وبذريعة ما يرددونه من «التهميش أو المظلومية» (!)، أو توحيد ما يطلق عليه بـ«فصائل سنية»، ودمج «داعش» معها أو ضمنها أو تمثيلها مواربةً. بينما أغلب الحضور مشارك في العملية السياسية كنواب برلمان أو وزراء، حالياً أو سابقين، أو بمستواهم، أو أسماء أفراد أو مجموعات تسكن فنادق سياحية في إقليم كردستان العراق، أو الأردن، أو تركيا، أو غيرها، بأموال من الخزينة العراقية أو من بعض دول الجوار وارتباطاتها معروفة أيضاً، ويطلقون على أنفسهم معارضة للعملية السياسية ويصفونها بأوصاف تعبّر عن تناقضاتهم وصراعاتهم البينية والهامشية، ولكن تفضحهم هرولتهم إلى اجتماعات أو مؤتمرات، بمسميات مثل المصالحة الوطنية أو مترادفاتها. والمكشوف فيها أو المعلن على الأقل هو تدخل أصحاب هذه الفنادق الحكومية وأجهزتهم الأمنية في عقدها ودعوة من تسميه بما تريد من أفراد أو أحزاب أو مجموعات أو مسميات جاهزة أو تجهز ولم تعد هي الأخرى سرية في رهاناتها أو ارتباطاتها السياسية أو العملية ولا في أهدافها التي تضعها دائماً بما يغري اسمها أو يغش ذاتها. وتتنافخ هذه الجماعات باسمها دون أية مشاعر حقيقية إزاء أبناء المدن والقرى الذين نكبت بهم عصابات «داعش» والإرهاب عموماً، وتشردوا في مخيمات نزوح وهجرة، بل وصل الأمر إلى اختلاس الأموال المخصصة للعائلات النازحة وتبادل الاتهامات بين أطراف تلك الجماعات ومموليها، في الوقت الذي يدعون فيه تمثيل هؤلاء السكان أو الدفاع عنهم ونقل شكواهم إلى العالم وشراء ذمم منظمات معروفة في نشر وإصدار تقارير مزيفة وخادعة ومحرضة على الانقسام والتفتيت.
دعت حكومة قطر إلى أكثر من اجتماع في عاصمتها الدوحة، ودفعت دعماً مالياً كبيراً وإعلامياً لاجتماعات أو مؤتمرات عقدت في عواصم أو مدن أوروبية أيضاً للجهات نفسها والتنظيمات أو استبدالهم بأسماء أو مسميات أخرى. فقد نشر مثلاً في اجتماعات الدوحة المتكررة أن الأطراف المدعوة لأحد الاجتماعات، هي «هيئة علماء المسلمين ومجلس المقاومة العراقية والمشروع العربي، وشخصيات وأطراف سنية أخرى معارضة للعملية السياسية»، وفي بعضها يضاف إليها من العاملة في العملية السياسية، وأن كل مؤتمر ترعاه أطراف، الرئيسية فيها الولايات المتحدة الأميركية، بهدف إقناع تلك الأطراف وزجها في مشروع المصالحة الوطنية والاعتراف بالعملية السياسية. ويتردد باستمرار أسماء محكومين من القضاء العراقي ومطلوبين له ولا يقيمون في العراق، من دون تأكيد مشاركتهم. كذلك يشار إلى اسم رئيس البرلمان الحالي، سليم الجبوري، أو من سابقيه، ويحضر اسم رئيس كتلة «تحالف القوى العراقية» البرلمانية الحالي، أحمد المساري، في أغلب الاجتماعات والمؤتمرات، وينقل عنه قوله المكرر فيها إن «الاجتماع يهدف إلى إجراء مشاورات بشأن مشروع المصالحة الوطنية، وبمعونة الأمم المتحدة وأطراف دولية، وهو بعلم الحكومة الاتحادية» (!). وكذلك أسماء زعماء حركات أو أحزاب ترفع عناوين مناقضة لممارساتها. وليس غريباً طبعاً أن هذه الاجتماعات لم تنته إلى نتائج ما أعلنه المشتركون فيها ولا رعاتهم العرب أو الأجانب.


واكب جرائم «داعش» نشاطات وفعاليات تحت مسميات مفضوحة ولكن مسكوت عنها

وبعد تكرار انعقادها في الدوحة والرياض وعمّان وإربيل وإسطنبول انتقلت أو توازت معها عواصم ومدن أوروبية لعقد اجتماعات تضم هذه القوى بذاتها، أو من هم في دائرتها أو وجوه أخرى لم تشترك سابقاً ولم يعرف عنها أي نشاط سياسي علني أو سري، وأحياناً يزج بأسماء شيوخ عشائر أو رجال دين أو اصحاب رتب عسكرية، لا تعرف صدقية مشاركتها وإسهاماتها من عدمها. فمثلاً، عقدت باريس اجتماعاً علنياً بوجوه أخرى، ولكن تحت المسميات نفسها، المعارضة للعملية السياسية ومن المكون السني، والهدف مناقشة المصالحة الوطنية، والحكم لما بعد «داعش».
بالتأكيد دفعت انتصارات القوات المسلحة العراقية بكل صنوفها ومكوناتها في حسم كثير من المعارك في تحرير مدن وأجزاء من الموصل حتى الآن وإمكانية الانتصار الكامل على طرد ما سمي «داعش» من العراق، دفعت الى الإسراع في إبراز وجوه واعمالها بعد ذلك، واستثمار ما تسميه وسائل الإعلام بما بعد «داعش» وآفاقه في مستقبل العراق وحتى خريطته السياسية. وجرى تدافع منوّع في إشغال العراق في مؤتمرات واجتماعات للجماعات المعنية والمراهنة على الدعم الخارجي في وجودها وبقائها في المشهد السياسي، ومحاصرته اقتصادياً ومالياً والهجوم عليه تحت مسميات مختلفة أو مكررة. وقد يكون مؤتمر جنيف أخيراً واحداً منها. وكلها تعلن أنها برعاية أميركية وبإشراف الاستخبارات الأميركية، ومع عرّابي المؤتمرات السابقة التي قادت إلى غزو العراق واحتلاله، مثل السفير زلماي خليلزاد أو القائد العسكري ومدير الاستخبارات المركزية الأميركية سابقاً ديفيد بترايوس، وغيرهما من الأسماء الأميركية المعروفة ومن فرنسيين أو بريطانيين أو آخرين، لا يهم اسمهم بقدر موقعهم في طبخ السيناريوات المقبلة، أو وظائفهم الاستخبارية في بلدانهم.
وكان معهد دراسات الحرب الأميركي قد حذر من خطط جديدة لقوى الإرهاب في العراق والمنطقة وإعادة تشكيل منظماتها السابقة، التي حملت أسماء «القاعدة» ومتفرعاتها وتطوراتها و«داعش» وأمثالها، أو تجديدها بأسماء أخرى. وأشار إلى بلدان عربية، ومنها السعودية، التي وفق ما نقله عن تصريح لمسؤول من القيادة المركزية للقوات الأميركية في كانون الأول/ ديسمبر 2016 بأنها تزود أبناء العشائر «السنية» (!) في محافظة الأنبار بشحنات من الأسلحة وتعمل على إذكاء التوترات وخطط الخراب والدمار التي لم تنته منها في العراق والمنطقة، وأشار المعهد أيضاً إلى دور تركي أيضاً عبر التدخل العسكري المباشر، أو في وسائل دعمه وتوظيفه للقوى الإرهابية وتنقيلها بين سورية والعراق وخارجهما.
مع هذه التحركات المحسوبة سياسياً لطرف أو مكون طائفي في العراق والدوافع المختلفة لها، ذاتياً أو خارجياً، تأتي قضايا الانتخابات المحلية والبرلمانية المزمع إجراؤها في الأشهر القادمة محفزاً أو مساحة لتفاهمات وتحالفات وضغوط متتالية ولتأخذ دورها أو محلها في المشهد السياسي، داخل جماعات الاجتماعات والمؤتمرات أساساً أو بضغط رعاتها. ومقابلها تشتد الصراعات داخل المكونات أو التحالفات الأخرى المشاركة في العملية السياسية، وخصوصاً التحالف الوطني الذي كشفت تظاهرات يوم 11 شباط/ فبراير والرد عليها بالرصاص الحيّ وسقوط ضحايا فيها علامة أولى أو مؤشراً على احتدام المقدمات لفترة الانتخابات والتحضير لها. كذلك إن تصريحات مسؤولين أكراد، كمسعود البرزاني حول مقاطعة الانتخابات البرلمانية و«التهديد» بالاستقلال أو الانفصال عن العراق تصب في توتير الفضاء السياسي، وقد تكون ضمن مداخل في الإطار التنافسي والانتخابي، العراقي أو المكوناتي، الذي كرسه الاحتلال وصاغه صانعوه وأقروه عرفاً غير مكتوب إلا أنه يثير ما لم يكن منتظراً من حماة وحملة شعارات وحدة العراق واستقلاله وانتصاره. وربما تأجيل الحسم وإعلان الانتصار العسكري هذه الأيام جزء من تلك الصراعات وتضارب الرؤى السياسية لقيادات التحالفات أو المكونات العراقية.
الواضح في الموضوع العراقي أن أغلب القوى العاملة أو المعارضة للعملية السياسية لم تتعظ من دروس تاريخها السياسي وتاريخ العملية السياسية ذاتها أو التجارب المشابهة. ولما تزل تراهن على الدول التي احتلت البلاد وهدمت الدولة فيه، وكرست المحاصصات الطائفية والإثنية، وأعادت العراق إلى ما وعد به وزير خارجية أميركي سابق في مفاوضاته حول العراق، شعباً وبلداً وثروات ومستقبلاً ودوراً استراتيجياً في المنطقة والعالم. وهي تتفاخر اليوم باجتماعات ومؤتمرات ومماحكات عنفية ومشادات إعلامية، تفتقد فيها البوصلة الوطنية والحوار الديموقراطي، وتغيّم الآفاق وتجهل الطريق، كما قال الإمام علي. وفي النهاية لا تراعي أو تخدم مصالح الشعب ولا الانتصارات العسكرية المشهود لها بلا ريب، ولا الإصلاح والتغيير ولا تقدم البلد وتبني ما خرب ودمر منه، ولا تراجع نفسها وصفحاتها في ما حدث بسببها أو بغفلة منها ويحدث اليوم في العراق.

* كاتب عراقي