في شهر شباط من عام 1942، إبان الحرب الأهلية الأوروبية، من منظور الانتماء الفكري وليس الجغرافي، أو لنقل: إبان الحرب الأهلية الرأسمالية، المسماة الحرب العالمية الثانية، بدأ الجيش الأميركي بتنفيذ أمر إدارة الرئيس فرانكلن روزفلت رقم 9066 الذي منح القوات المسلحة بإعلان أي قطعة أرض منطقة عسكرية وطرد من فيها من سكان.


قيل وقتها إن الأمر كان محايداً ولم يستهدف أي طرف محدد، لكن الحقيقة أن المقصود بذلك الأمر كانوا الأميركيين من أصول يابانية الذين قطنوا منطقة تقع على الساحل الغربي للولايات المتحدة.
القوات العسكرية التي كلفت بتنفيذ القرار لم تسمح للسكان وقتها باصطحاب أي شيء سوى ما بمقدورهم حمله من أغراض شخصية. ولم يسمح للأطفال حتى باصطحابهم حيواناتهم الأليفة المحببة.
ذلك القرار العنصري، نال أكثر من مئة وعشرين ألف نسمة من الأميركيين من أصول يابانية جرى توزيعهم على معسكرات اعتقال أو سجون في مختلف أنحاء البلاد.
الحقيقة أنّ القسم الأكبر من المعتقلين الإداريين كانوا من التابعية الأميركية، وأن معظمهم لا يعرفون وطنهم الأصلي، ولم يزوروه إطلاقاً، وآبائهم أو أجدادهم، كانوا، مثل بقية سكان القارة الأميركية، من المهاجرين الباحثين عن وطن جديد.
إضافة إلى ما سبق، تعسفية ذلك القرار التنفيذي العنصري للرئيس الأميركي تتضح كذلك في حقيقة أنه لم تتم إدانة أي من المعتقلين بأي تهمة (تجسس أو تخريب)، بل لم توجه أصلاً أي تهمة أمنية إلى أي منهم. لذا نجد أن الإدارة الأميركية وقتها لم تقدم أي دليل أو مسوغ لقرارها العنصري الإجرامي.
انطلاقاً من حقيقة غياب أي مسوغ «أمني» لتصرف إدارة روزفلت، فمن الصحيح الانطلاق من أن مسببه هو ميل المؤسسة الحاكمة لإشاعة الإرهاب بين صفوف «الأقليات» أيِّاً كان انتماؤها القومي أو الديني أو غير ذلك. لقد كان قراراً عنصرياً ينطلق من نظرة استعلاء تجاه الآخر واحتقاره وتجريده من إنسانيته.
إن إطلاق أحكام تعد مجمل جماعة محددة من البشر بأنها مصدر خطر على «الأمن القومي»، سيقود حتماً إلى شرعنة الدولة الأمنية، وهذا حدث ويحدث في الولايات المتحدة التي تعد نفسها الاستثناء وتطلق على نفسها الاستثناء الأميركي (the amrican exception)، والمقصود بذلك أن السلطة التنفيذية محكومة بمجموعة من الضوابط القانونية التي تقيد أي محاولة للإدارة بالتفرد بالقرارات والخروج عن الدستور، وهي لا تتوافر في أي نظام رأسمالي آخر، والمقصود هنا أوروبا.
هذا «الاستثناء الأميركي»، وهو موضوع قائم بذاته، لم يكن الأول إذ سبق لواشنطن أن شرعنت في القرن العشرين هوساً جماعياً ضد مجموعات سكانية أخرى وأحرقت ممتلكاتهم، وحتى الكتب الصادرة بلغاتهم وحرّضت عليهم، ما شجّع المتطرفين من العنصريين على مهاجمتهم والتنكيل بهم، وسنعود لهذا الموضوع في حديث لاحق.
هذه الحقيقة المغيبة أو المسكوت عنها في التاريخ الأميركي، وغيرها الكثير، لا يعرفها سوى أهل الاختصاص. لكن لو كانت السلطات الأميركية المتعاقبة إلى يومنا تعد ذلك القرار عنصرياً ومخالفاً للدستور، لاعتذرت عما ارتكبته بحق مواطنين أميركيين وعوّضت الضحايا، ولفرضته المدارس العامة ضمن المنهاج المدرسي.
على العكس من ذلك، عندما سُئل الرئيس المنتخب دونالد ترامب عن رأيه في ذلك الاعتقال الجماعي، راوغ بالقول: على المرء الذي يريد الحكم عليه أن يكون قد عاش في تلك المرحلة. هذا التصريح الأبله، يشبه مثيله العائد للمستشار الألماني الأسبق هلموت كول الذي هاجم المعادين للنازية الذين كانوا يدينون الألمان المتعاونين مع حكم هتلر، إذ رأى أن الذين يهاجمون المتعاونين مع النظام النازي ويطالبون بمحاكمتهم وبمعاقبتهم على ما ارتكبوه من جرائم بحق الأبرياء، يتمتعون بما أسماه «رأفة كونهم ولدوا متأخرين»! [كذا]. كثير من المعلقين وجدوا في ذلك التصريح المتغطرس إساءة لكل من قاوم النازية ودفع ثمن ذلك حريته بل وحتى حياته وحياة أقربائه وصك براءة لكل من تعاون مع النظام النازي الإجرامي وللتجمعات النازية الجديدة في ألمانيا.
انطلاقاً من الحقائق السابقة وتجارب «الأقليات» المُرة في تاريخ الغرب الحديث، فمن غير الممكن عدّ قرار الرئيس الأميركي منع مواطني سبع دول ذات أغلبية مسلمة من دخول البلاد، عقاباً جماعياً لمجموعة محددة من البشر ذات انتماء ديني محدد، وهو ما يشي بحتمية تحول ذلك إلى نوع من الاعتقال الإداري الجماعي.
ذلك أن إدارة ترامب تدرس وضع قائمة رقمية بكافة المسلمين في البلاد وكل المعلومات عنهم. ولن نستغرب إذا أقدمت دول أوروبية تقع تحت حكم اليمين، كما في المجر وبولونيا وجمهورية التشيك ودول حوض بحر البلطيق، إضافة إلى دول أخرى تقع تحت هيمنة اليمين المتطرف مثل الهند، باتباع الخطوة ذاتها. وها هي أنغولا قد أقدمت على منع الدين الإسلامي وعملت على هدم المساجد المقامة فيها وهو أمر مستغرب من نظام عانت قياداته النظام العنصري البرتغالي لقرون، ولم نسمع أي استنكار لهذا التصرف العنصري.
على أي حال، إن قرارات الرئيس الأميركي هذه ما هي إلا مقدمة لحرب مقدسة، يتم التحضير لها، موجهة نحو الإسلام على نحو عام، وعلى كل من يختلف معه من الأميركيين. كما إنها تأجيج لمشاعر أنصاره وتحريض لهم على المجتمع الليبرالي والقيم الليبرالية التي لا بد من أن تنال مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والعلمية والثقافية، وبداية تنكيل بالقوى المعادية له.