نرى في سوريا حرباً تكاد تكون عالمية، ودماراً في الحجر والبشر، وتمزقاً في النسيج الاجتماعي. وفي لبنان، لا يزال المجتمع يعاني من تفكّك خطير نتيجة الحرب الأهليّة التي دامت خمسة عشر عاماً وأودت بمؤسساته ووحدته وكادت تضعه في مصاف الدول الفاشلة. العلّة الأساس والسلاح الأفتك والأفعل في تدمير المجتمع وتفكيكه في كلا البلدين كانا ولا يزالان الطائفيّة، مدعومة ومفعّلة بالفساد.


ففي لبنان، كانت الطائفيّة المحرّك الأساسي للحرب الأهليّة الأخيرة، كما كانت وراء جميع الحروب التي تكاد تشكّل تاريخ لبنان الحديث منذ أوائل القرن التاسع عشر. وفي جميع الحروب الداخليّة التي عاناها لبنان، كان التدخّل الخارجي يتوسّل نجاح الهواجس والمخاوف الطائفيّة لدى اللبنانيين.
من القوى الخارجيّة التي كان، ولا يزال، وسيبقى لها تأثير في الشأن اللبناني، في المدى المنظور، تشكّل إسرائيل الخطر الأكبر والعامل الأهمّ. ففي الحرب الأهليّة الأخيرة، توسّلت إسرائيل التشرذم الطائفي وكان لها دور أساسي في تعميق الشرخ بين اللبنانيين والانتصار لفريق على آخر ومدّه بالسلاح. وقد تمكّنت إسرائيل من احتلال مساحات واسعة من الأرض اللبنانيّة ومن بناء حزام أمني في الجنوب اللبناني قوامه لبنانيّون مضلّلون. لكنّ العامل الإيجابي للتدخّل الإسرائيلي كان بروز مقاومة لبنانيّة أجبرت إسرائيل، بشكل غير مسبوق في التجارب العربيّة معها، على الانسحاب بلا قيد أو شرط من لبنان. لا بل أصبحت المقاومة اللبنانيّة، على ما يقول الإسرائيليون، الهاجس الأكبر الذي يؤرّق الكيان الصهيوني. ولا غرابة في ذلك، لأنّ أشدّ ما يقضّ مضجع الظالم المحتلّ، الذي يسعى جاهداً إلى زرع ثقافة الهزيمة والاستسلام للأمر الواقع لدى مظلومه، أن يرى المظلوم يرسّخ لديه ثقافة المقاومة ويمارسها بفعاليّة وثبات.


إثارة الهواجس الطائفيّة والتحفيز المذهبي هما وسيلة وليسا غايةً بذاتها

لكنّ إسرائيل التي لم تتمكّن من أن تحقّق أياً من أهدافها في نزع سلاح المقاومة والقضاء عليها، تمكنت، بتوسّل الهواجس الطائفيّة وإثارة النعرات المذهبيّة، من تحقيق نجاح مذهل في تأليب شرائح واسعة من الشعب اللبناني على المقاومة وسلاحها، وخصوصاً بعد اغتيال الرئيس الحريري الذي أرجّح أن تكون إسرائيل هي الرأس المدبّر في اغتياله، وذلك استناداً إلى ما بات معلوماً عن مسار الإجراءات القضائية، بما فيها إنشاء وسلوك المحكمة الخاصة بلبنان، وإلى التدقيق في من هو صاحب المصلحة والمستفيد الأكبر من هذه الجريمة. لذلك، وطالما أن إسرائيل تعتبر، وبحقّ، أنّ المقاومة تشكّل خطراً وجوديّاً عليها، أتوقّع أن يبقى لبنان محطّ اهتمامها في كلّ ما من شأنه إضعاف المقاومة أو القضاء عليها، وأنّها لن تتوانى في سبيل ذلك عن تفعيل كل ما تستطيع من طاقات دوليّة وعربيّة وداخليّة، وفي استغلال جميع نقاط الضعف، وعلى رأسها الفساد والهواجس الطائفيّة والمذهبيّة.
لكن بالمقابل يدرك، أو يجب أن يدرك، اللبنانيّون أنّ تحرير الأرض واستعادة السيادة عليها، وكذلك حماية الشعب من اعتداءات إسرائيلية مذلّة ومتكرّرة، كل ذلك يعود للقوّة الردعيّة التي أوجدتها المقاومة. وعليه، يؤمل في الآتي من الأيّام أن يزداد إدراك اللبنانيين لأهمية الحفاظ على الأمن الوطني في كلّ مجتمع ودولة في العالم، وأن يدفع ذلك إلى توحّد المجتمع وتعميق وعيه لأهمّية تبنّي خطاب مستنير للمقاومة وشامل جميع اللبنانيين. لكن ذلك يبقى رهن الجهود اللازمة للتخلّص من الهواجس المذهبيّة والثقافة الطائفيّة الراسخة والواسعة الانتشار.
تداعيات الحرب في سوريا تشكّل المصدر الثاني الذي أتوقّع أن يكون له أثر مهم في الأمن والاستقرار في لبنان مستقبلاً. فتسرّب بعض الجماعات التكفيريّة المسلّحة إلى المخيّمات الفلسطينيّة، التي لا تدخلها الدولة، قد يكون من أهمّ المخاطر التي يجب التحسّب لها، وخصوصاً إذا بقي الانقسام الداخلي وتأجيج المشاعر المذهبيّة بلا علاج فعّال. ثمّ إنّ التقارب المحتمل بين لبنان وسوريا لحلّ مسألة النازحين السوريين في لبنان بهدف عودتهم إلى بيوتهم وممتلكاتهم، قد لا يرضي بعض الأطراف الراعية لتلك المجموعات المسلّحة ويكون لهذا التقارب عواقب على الأمن والاستقرار في لبنان.
في ما يتعلّق بدور الولايات المتحدة، لا أرى تغييراً لافتاً في سلوك هذه الإدارة عن سلوك الإدارات السابقة في استغلال الهواجس وإثارة النعرات الطائفيّة والمذهبيّة في كلّ ما من شأنه خدمة المصالح الإسرائيلية في لبنان، وخصوصاً في ما يتعلّق بمحاولات تطويق حزب الله وتأليب الطوائف الأخرى عليه. وبالتالي، إنّ وحدة اللبنانيين ووعي المسؤولين وتقديمهم مصلحة الوطن وشعبه على المصالح الشخصيّة، المدانة في معظم الأحيان، هي الردّ الفعّال.
هنا، لا بد من الإشارة إلى تأثير بعض التطورات التي حصلت على الصعيد الداخلي في لبنان، وخصوصاً لجهة ملء الفراغ الرئاسي بانتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهوريّة. أتوقّع أن يكون للتقارب في وجهات النظر بين الرئيس اللبناني وقيادة حزب الله حول أهميّة الحفاظ على الأمن في لبنان، ودور المقاومة في ذلك أثر إيجابي في مقاومة التحديات والضغوط بهدف إضعاف المقاومة ونزع سلاحها. ثمّ إنّ التزام الرئيس عون بتفعيل مؤسسات الدولة، بدءاً بالسلطة التشريعية، عن طريق سنّ قانون انتخاب يضمن تمثيلاً عادلاً لشرائح المجتمع كافة، كما التزامه محاربة الفساد ومساوئ التفكك الطائفي قد يكون له أثر إيجابيّ في الاستقرار الداخلي وإعادة إحياء المؤسسات العامة. أمّا على الصعيد الخارجي، فأتوقّع أن يلعب الرئيس اللبنانيّ دوراً مؤثّراً في الدفاع عن القضيّة الفلسطينيّة وفي إحياء دور للجامعة العربيّة يخدم مصلحة عربيّة ويدفع إلى توحيد الصف العربي بعامة.
في الحرب الدائرة في سوريا، كان، ولا يزال، التحريض الطائفي هو السلاح الأبرز والأفعل في كلّ ما سال من دماء ووقع من دمار. فمعظم، إن لم يكن جميع، القوى التي شاركت في الحرب على سوريا توسّلت خطاباً طائفيّاً بهدف تمزيق النسيج الاجتماعي السوري بالدرجة الأولى. فجميع التنظيمات المسلّحة الفاعلة على الأرض، وقد بلغت العشرات، عملت ولا تزال تعمل تحت مظلّات عقائديّة مذهبيّة، معظمها تكفيريّة متطرّفة. وجميع رعاة هذه التنظيمات لم ينقطعوا يوماً، بمواقفهم السياسيّة ووسائط إعلامهم، عن التحريض الطائفي.
إثارة الهواجس الطائفيّة والتحفيز المذهبي هما وسيلة وليسا غايةً بذاتها. هما استغلال لغياب المناعة في الجسم الاجتماعي والشحّ في النضج السياسي والوطني في سوريا. فسوريا الآن أضحت مسرحاً لحرب تكاد تكون عالميّة. والقوى المتصارعة على الأرض السورية لها أهداف مختلفة، تتلاقى حيناً وتتناقض معظم الأحيان.
منذ بداية الحرب على سوريا، لعبت الولايات المتحدة دوراً أساسيّاً. فالإدارة الأميركية السابقة استهدفت إطاحة الحكم في سوريا وإخراج روسيا منها، وربّما من المتوسط. كما كانت تسعى إلى تدمير سوريا بعد عجزها عن إدخالها بيت الطاعة الأميركي وإنهاء تحالفها مع إيران وإيقاف دعمها لحزب الله، وذلك خدمة لإسرائيل بالدرجة الأولى وبعض الحلفاء الإقليميين. ومن أجل بلوغ ذلك، توسّلت تنمية الإرهاب وعملت بشكل مباشر، ومن خلال حلفاء لها إقليميين على تدريب المسلّحين وتسليحهم وتمويلهم وتسهيل انتقالهم للقتال في سوريا. لكنّ النتائج الكارثيّة لهذا السلوك الأرعن، المخالف للقانون الدولي ومبادئ العدالة الدولية، وللمألوف الراسخ في العلاقات بين الدول، وسّع نفوذ الحركات الإرهابيّة التي خرج بعضها عن إرادة الراعي الأساسي لها، وبات يشكّل خطراً على الولايات المتّحدة وحلفائها من الأوروبيين بشكل خاص.
موقف الإدارة الأميركيّة الحالية مشوب ببعض الغموض. فالرئيس ترامب أعلن بشكل قاطع التزامه القضاء على الإرهاب، وكان قد صرّح خلال حملته الانتخابيّة بأنّه لا يرى مصلحة أميركيّة في تغيير الأنظمة، ولا يرى مبرّراً لعدم التعاون مع روسيا في القضاء على الإرهاب. لكنّه في آن معاً يعلن عداءً شرساً لإيران، التي تحارب الإرهاب في سوريا، كما يعلن التزاماً بالمصلحة الإسرائيلية التي ترعى بعض الحركات التكفيريّة في الجنوب السوري وتساعدها، وتسعى للقضاء على حزب الله، الذي بدوره يحارب الإرهاب في سوريا. إنّ تناقض الأهداف في الموقف الأميركي يشكل تحدّياً كبيراً في الوقت الحاضر لمن يحاول فهم موقف الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة من الأحداث في سوريا.
لتركيا علاقات ومخطّطات مع العديد من المنظمات المسلّحة في سوريا، وإن اختلف موقفها بعض الشيء بعد تفاهمات مع روسيا. ولها كذلك مصالح وطموحات قد تساهم في إعاقة إنهاء الأزمة السوريّة. ومن غير المستبعد أن يكون للسعوديّة وبعض دول الخليج، بالنظر إلى موقفها المعادي لإيران، وكذلك رعاية بعض التنظيمات المسلّحة، دور سلبيّ معوّق لبلوغ اتفاق ينهي الأزمة السوريّة. ولكن يبقى مرجّحاً أنّه في حال حصول اتفاق أميركي روسي على تصوّر واضح لحلّ المسألة السوريّة والقضاء على الإرهاب فيها، سوف يكون لمثل هذا الاتفاق أثر فاعل لدى الأطراف الأخرى. ولكن هنا يجب الأخذ بالحسبان قدرة إسرائيل وأصدقائها في الولايات المتحدة على التأثير في القرار الأميركي وتعطيله.
إنّ المصالح المختلفة للقوى الخارجيّة الفاعلة في كلّ من سوريا ولبنان لها تأثيرات مختلفة في تطوّر الأحداث في البلدين. لكنّ مواجهة التحدّيات الخارجيّة والتغلّب عليها، كما وحماية المصالح والحقوق الوطنيّة، هي رهن بقدرة القوى الداخليّة على استعادة المناعة في وحدة المجتمع وتنظيم طاقاته وتفعيلها. لقد ثبت بما لا يقبل الشكّ، أنّ انتشار الطائفيّة وتعميق أثرها، وخصوصاً بعد إراقة الدماء والإمعان في الدمار والمباعدة بين أهل البيت الواحد، هي العلّة الأساس الذاهبة بوحدة المجتمع ومناعته تجاه التحدّيات الخارجيّة، وكذلك باستقراره وتطوّره على الصعيد الداخلي. وعليه يصبح من الصعب إيجاد هدف على جميع الطاقات الوطنيّة، اللبنانيّة والسوريّة، العمل على تحقيقه يفوق بأهمّيته القضاء على الطائفيّة وكل ما يساعد على نموّها.
ولكن بالنظر إلى اكتشاف القدرة الهائلة للطائفيّة والمذهبيّة في تدمير المجتمعات العربيّة وإضعافها، والمناخ الملائم لتفعيل الفساد، من قبل القوى الخارجيّة التي لها مصالح متناقضة مع مصالح لبنان وسوريا، وعلى رأسها إسرائيل وحلفاؤها دوليّاً، والمتعاونون معها من منابع الإرهاب وأرباب الفساد في العالم العربي، أتوقّع في المستقبل القريب والمتوسّط، في كل من لبنان وسوريا، صراعاً في الهيمنة السياسيّة بين حَمَلة الخطاب السياسي ذي المرجعيّة الدينيّة الضامن لانتشار الطائفيّة والذي يحمل مفاعيل استمرار التفكّك الاجتماعي من جهة، وبين حَمَلة الخطاب السياسي ذي المرجعيّة المدنيّة الساعية إلى وحدة المجتمع وتعزيز مناعته وفرص تطوّره من جهة أخرى.
الصراع لن يكون سهلاً، ونتائجه على المديين القريب والمتوسّط غير مضمونة، بالنسبة إلى حَمَلة الخطاب المدني، بالرغم من الحاجة الملحّة لنجاح هذا الخطاب، وللأسباب الآتية:
إنّ نجاح الخطاب ذي المرجعيّة المدنيّة، الذي ينيط بالإنسان فقط الحق والواجب في إدارة شؤون حياته السياسيّة، يفترض وعياً عميقاً وراسخاً لدى النخب السوريّة واللبنانيّة لمضارّ الخطاب السياسي ذي المرجعيّة الدينيّة، الحائل دون وحدة المجتمع وتصليب مناعته وكذلك تطوّره. ويفترض كذلك وعياً راسخاً بأنّ الخطاب السياسي ذا المرجعيّة المدنيّة ليس إلحاديّاً ولا معادياً للحريّة الدينيّة، بل هو ضامن لها.
لكنّ نجاح هذا الخطاب منوط بالدرجة الأولى بالقدرة على تنظيم جميع الطاقات المتوافرة وتفعيلها وتحفيزها من خلال خطّة واضحة الأهداف والوسائل لبلوغ هذه الأهداف، وعلى عملٍ دؤوبٍ ملتزم النجاح في تنفيذها. فالمآسي التي حلّت بكلّ من سوريا ولبنان جرّاء استشراء الخطاب الطائفي والمذهبي، من شأنها أن تشكّل حافزاً فاعلاً لدى كل شرائح الشعب الواعية في كلا البلدين للقضاء على الخطاب الطائفي وكلّ ما من شأنه زرع الخلاف والمسّ بالمصلحة الأمنيّة للمجتمع. لكنْ دون ذلك عقبات عدّة، أهمّها غياب الثقة بالنفس وأهميّة ربط الجهد بالنتيجة من أجل بلوغ أهداف محددة، تتعلّق بالشأن العام، كجزء من الثقافة العامة. فلا يبدو أنّ هناك اقتناعاً راسخاً لدى النخب، وخصوصاً العلمانيّة منها، بأنّ عليها أن تتولّى شؤون حياتها وأنّ التمنّي لا يصبح واقعاً إلّا بقدر ما نبذل من جهد يحيله الى واقع، وأنّ علينا أن نتوقّف عن التسليم بأنّ مصيرنا أن نكون مفعولاً به دائماً وليس فاعلاً حتّى في الحفاظ على حياتنا وتقرير مصيرنا. ثمّ إنّ النجاح في استبدال الخطاب الطائفي بخطاب مدني مستنير، يقتضي النشر الفعّال لمساوئ الأوّل ومحاسن الثاني من خلال الوسائط الإعلاميّة، لكي يصبح الخطاب البديل مطلباً شعبيّاً وجزءاً أساسيّاً من الثقافة العامة. ولكنّ الوسائط الإعلاميّة هي بغالبيّتها الساحقة مملوكة وموجّهة من رعاة الخطاب الطائفي المذهبي الضامن لتفكّك المجتمع وشلّ مؤسسات الحكم فيه، ما يسهّل الإفادة من استشراء الفساد والإبقاء على الوضع القائم. وهذا معوّق إضافيّ لنجاح الخطاب المدني.
والتحدّي المهمّ الآخر في وجه استبدال الخطاب السياسي ذي المرجعيّة الدينيّة بخطاب مدني مستنير يكمن في أنّ الخطاب ذا المرجعيّة الدينيّة له جذور عميقة لدى طرفي الصراع على الأرض. فالقوى التي تسعى إلى تحقيق الأهداف نفسها التي تسعى إليها إسرائيل، وهي القضاء على حزب الله في لبنان وإطاحة الحكم في دمشق، أي رعاة الإرهاب التكفيري، هم من ملتزمي الخطاب المذهبي والعاملين بإعلامهم وأموالهم على نشره وحصاد ريعه.
والجهة التي تتولّى الدفاع عن السيادة اللبنانيّة ومقاومة الإرهاب في كلّ من سوريا ولبنان، فيها قوىً تستند في صلب عقيدتها إلى خطاب سياسي ذي مرجعيّة دينيّة، وهي حزب الله وإيران. وبالرغم من التباين الشاسع في أهداف طرفي الصراع على الأرض، لجهة تلاؤمها أو تناقضها مع المصلحة الوطنيّة والقوميّة، ومن المواقف النبيلة لحزب الله في وأد الفتن الطائفيّة في لبنان، والتضحيات الجسام من أجل تحرير الأرض واستعادة السيادة اللبنانيّة والحفاظ عليها، وبالرغم من مواقفه المشرّفة في الدفاع عن الحقّ العربي في فلسطين، حتّى اعتبرته السلطات الإسرائيليّة الخطر الاستراتيجيّ الأكبر الذي يتهددها. فرغم ذلك كلّه، إن مجرّد انتماء حزب الله إلى مذهب وعقيدة مختلفة قد سهّل النجاح في تأليب واستثارة شريحة واسعة من الشعب في لبنان، وكذلك في دول عربيّة أخرى، ضدّه. فمهما كانت مآثر حامل الخطاب السياسي ذي المرجعيّة الدينيّة، يبق مصدراً للريبة والقلق من قبل المواطن الذي لا يشاركه الانتماء والمعتقد في مجتمع فتكت به آفة الطائفيّة وترسّخت كما هي الحال في لبنان وسوريا. فيبقى هذا المواطن يشعر بأنّه الآخر الذي لا يستطيع أن يكون جزءاً من الحزب أو الحركة التي تعمل تحت مظلّة دينيّة حتّى لو أراد ذلك. هذا إذا لم يكن قد تعرّض لأكاذيب التحريض الطائفي التي جعلت منه عدوّاً لهذا الحزب أو هذه الحركة.
فحزب الله يستحقّ كل تأييد وتقدير في كلّ ما فعل ويفعل من أجل تحرير الأرض والحفاظ على السيادة ووأد الفتن الداخليّة ومحاربة الإرهاب، وبشكل خاص، لكونه أصبح الرادع الفعلي لأشرس الأعداء. ولكنّه لا يصلح لأن يكون مثالاً يحتذى أو أساساً يستند إليه في إصلاح مجتمع متعدّد الطوائف، ولا هو يدّعي ذلك على ما أعلم. ومن المستبعد أن يصبح حزب الله عنصراً فاعلاً في حمل خطاب سياسيّ يدعو إلى فصل المراجع الدينيّة عن شؤون الدولة، وأن تكون إيران مشجّعاً للقيام بذلك.
لذلك مهما كانت حظوظ النجاح ضئيلة لحَمَلة الخطاب السياسي ذي المرجعيّة المدنيّة في الصراع القائم مع حَمَلة الخطاب السياسي ذي المرجعيّة الدينيّة ، في المدى المنظور، فلا خيار سوى العمل الدؤوب من أجل تحقيق هدف واضح وجاذب لكلّ مواطن يتشوّق للانتماء إلى مجتمعٍ موحّد، فيه من المناعة ما يمكّنه من مقاومة التحدّيات والضغوط الخارجيّة، مجتمعٍ تصان فيه كرامة الإنسان وتحترم فيه الحقوق والحرّيات الأساسيّة ويكافح فيه الفساد بفعاليّة، مجتمعٍ يسعى إلى خلق منظومة معرفيّة أساسها العلم فينطلق بها الإنتاج العلمي وتفعيل الطاقات الإنتاجيّة والإبداعيّة لجميع أعضائه. هذا ما يجب أن تنصبّ عليه جهود النخب السوريّة واللبنانيّة، والظروف برأيي ملائمة. فسوريا ولبنان يواجهان الأعداء أنفسهم من الخارج، ولهما الخصوم أنفسهم داخل البيت العربي. فالتلاصق الجغرافي والتمازج الثقافي والمصالح الأمنيّة والاقتصاديّة المشتركة، كلّها تدفع نحو التعاون الكامل في الدفاع المشترك عن النفس، وفي بناء التكامل الاقتصادي والعمل الدؤوب من أجل حريّة الإنسان وكرامته في المجتمعين كليهما.
* أستاذ محاضر في القانون في
جامعة جورجتاون