من اللافت للانتباه أنه مع تسلم الرئيس الأميركي دونالد ترامب مقاليد الحكم، والبدء بتشكيل فريق إدارته، وعلى الرغم من أنه يواجه العقبات في اختيار هذا الفريق، إلا أنه سارع إلى إظهار قدر كبير من التماهي مع سياسة رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤيداً سياساته الاستيطانية وتوجهه لنسف حل الدولتين.


ودعم ترامب حلاً يستند إلى وجهة النظر الإسرائيلية بالاعتراف بالدولة اليهودية على أرض فلسطين التاريخية، مقابل إعطاء الفلسطينيين حكماً ذاتياً في مناطق وجودهم في إطار السيادة الإسرائيلية، من دون أن يكون لهم أي حقوق سياسية، كالمشاركة في الانتخابات ترشيحاً وتصويتاً.
وسارع ترامب إلى دعم التوجهات الإسرائيلية بالتشجيع على إقامة تحالف عربي ـ تركي ـ إسرائيلي في مواجهة إيران، باعتبارها خطراً استراتيجياً عليها.
وكان لافتاً أنّ مؤتمر ميونيخ الأخير قد شهد بدايات تظهير لهذا الحلف عبر الهجوم المشترك السعودي ـ التركي ـ الإسرائيلي على إيران واتهامها بأنها ترعى الإرهاب وتتدخل في شؤون الدول العربية، وتسعى لفرض المذهب الشيعي في سوريا واليمن وغيرهما من الدول العربية. وهي اتهامات لا أساس لها من الصحة وهدفها التغطية على دور هذه الدول في دعم الإرهاب في سوريا وبقية الدول العربية.


ستظل حدود هذا الحلف محصورة في التصعيد السياسي والإعلامي ضد إيران

يتزامن التصويب على إيران وتكتيل جهود الأنظمة الرجعية العربية الدائرة في الفلك الأميركي مع الجهود الإسرائيلية، مع تطورات وتحولات في المنطقة والعالم لا تصب في مصلحة إسرائيل والسعودية واستطراداً الولايات المتحدة، وتستهدف هذه الجهود محاصرتها أو على الأقل الحدّ من أثرها السلبي على إسرائيل والأنظمة العربية الموالية لأميركا والمطبعة مع إسرائيل والحليفة لها. وقد تجلت هذه التطورات والتحولات في الأمور التالية:
أولاً، فشل الحرب المدعومة أميركياً وإسرائيلياً وسعودياً وتركياً في إسقاط الدولة الوطنية السورية، وتحول مسار الحرب في مصلحة سوريا وحلفها المقاوم. وكذلك في مصلحة حليفتها روسيا التي أسهمت من خلال حضورها النوعي في مساعدة الجيش العربي السوري وحلفائه في إحداث تغيير كبير في ميزان القوى في الميدان.
ثانياً، نجاح روسيا بالتعاون مع مجموعة دول «البريكس» في تقويض الهيمنة الأحادية الأميركية على القرار الدولي. تمثل ذلك في استخدام الفيتو الروسي الصيني المزدوج مرات عدة في مجلس الأمن ضد مشاريع قرارات أميركية غربية للتدخل في شؤون سوريا الداخلية. كما تمثل في إجبار واشنطن على الدخول في عملية التفاوض لحل الأزمة في سوريا. وعندما نكثت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما في اتفاقها مع موسكو، بهذا الشأن، حلت تركيا مكانها والتزمت بتنفيذ ما انقلبت عليه واشنطن، وذلك بعد هزيمة المسلحين في شرق حلب، وسقوط أحلام الرئيس رجب طيب أردوغان في السيطرة على مدينة حلب وكامل الشمال، في سياق مخططه لاستعادة أمجاد السلطنة العثمانية الغابرة، وتبدل أولويات أردوغان بعد تنامي قوة الأكراد في تركيا وشمال سوريا، وتعمق أزمته الاقتصادية، وحاجته الماسة إلى تعزيز علاقاته الاقتصادية والسياسية مع كل من روسيا والجمهورية الإيرانية لمواجهة هذه التحديات، لا سيما أن واشنطن وقفت مع خصمه قوات الحماية الكردية.
ثالثاً، توقيع مجموعة (5+1) مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية اتفاقاً حول برنامجها النووي. سلمت الدول الغربية بحق طهران بالحفاظ على برنامجها للأغراض السلمية.
وكان واضحاً أن الاتفاق لم يشمل أي مسألة أخرى من مسائل الخلاف والصراع بين إيران والولايات المتحدة والدول الغربية وحلفائها، وحافظت طهران على سياساتها المستقلة. بل إن الاتفاق كان بمثابة إقرار غربي لأول مرة بإيران دولة نووية، وهو ما شكّل بطبيعة الحال تعزيزاً لقوة إيران وقوة حلفائها. كان من الطبيعي أن يؤدي هذا الأمر إلى إثارة غضب حكومة العدو برئاسة بنيامين نتنياهو والحكومة السعودية، فيما باءت محاولات الحكومتين ثني إدارة اوباما والكونغرس الأميركي عن المصادقة على الاتفاق النووي بالفشل، وأصبح الاتفاق بعد المصادقة عليه في مجلس الأمن اتفاقاً دولياً لا تستطيع الولايات المتحدة إلغاءه.
رابعاً، تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية الأميركية وتنامي قوة روسيا والصين وإيران إثر فشل حروب أميركا الاستعمارية في العراق وأفغانستان، وإخفاق حربها في تحقيق أهدافها في سوريا والعراق، ما أسهم في إضعاف نفوذ وتأثير أميركا على المسرح العالمي، وزاد من هذا الضعف عدم قدرة واشنطن على شن الحروب العسكرية المباشرة المكلفة اقتصادياً ومادياً، لا سيما بعدما بلغ حجم الدين الأميركي العام 19 تريلون دولار، حسبما قال مستشار الأمن القومي الأميركي السابق زبييغيو بريجنسكي في كتابه «رؤية استراتيجية»، وتأكيده أن الولايات المتحدة باتت تعاني من أعراض خطرة مشابهة لتلك التي تعرض لها الاتحاد السوفياتي السابق عشية انهياره وتفككه.
وعلى خلفية هذه الأزمة التي تعصف بالولايات المتحدة، جاء انتخاب دونالد ترامب من خارج رغبة النخبة الحاكمة الديموقراطية والجمهورية معاً، وهو ما اعتبر بمثابة بداية تحول في الداخل الأميركي لأجل وقف التدهور الحاصل في الاقتصاد الأميركي وتراجع القوة الأميركية. لهذا، فإن ترامب وضع في سلم أولوياته العمل على حماية الاقتصاد الأميركي ووضع حد للهجرة الأجنبية التي تنافس اليد العاملة الأميركية، ومحاربة الإرهاب بالتعاون مع روسيا، وعدم التورط في أية حروب على غرار حربي العراق وأفغانستان.
خامساً، غرق الحكومة السعودية في حرب استنزاف مرتفعة الكلفة في اليمن، الأمر الذي أدى إلى التسبب بعجز كبير في الموازنة، وإضعاف النفوذ السعودي في الإقليم. هذه التطورات والتحولات أدت عملياً إلى تبدل في لوحة موازين القوى الإقليمية والدولية في غير مصلحة المشروع الأميركي الإسرائيلي، وأشارت إلى أن محور المقاومة يزداد قوة وحضوراً.
من هنا، يبدو أن الاستراتيجية الإسرائيلية السعودية التركية الجديدة إنما تستهدف محاولة الحد من هذه التحولات والنتائج السلبية على الدول المذكورة، وذلك عبر العودة إلى استحضار وإحياء الهجوم المركز على الجمهورية الإيرانية، مستغلين حاجة إدارة ترامب إلى استرضاء اللوبي الصهيوني ومن خلفه إسرائيل لمواجهة معارضيه في الكونغرس والاستخبارات والإعلام الذين يضعون العراقيل في طريق تكوين فريق إدارته، وتنفيذ استراتيجيته الجديدة، التي يشكل تطبيقها انقلاباً على العولمة يلحق الضرر الكبير في مصالح الشركات الأميركية المتعددة الجنسية.
غير أن مثل هذا الحلف التركي ـ السعودي ـ الإسرائيلي الذي ظهر إلى العلن في مواجهة إيران، يفتقد للقدرة على تغيير مسار التحولات الحاصلة. فإسرائيل عاجزة عن شن الحرب بسبب تنامي القدرات الردعية لإيران وحلف المقاومة، والسعودية تعاني من الاستنزاف في اليمن وتسعى للبحث عن طريقة للخروج من هذا المستنقع، وتركيا ليس من مصلحتها الذهاب بعيداً في سياسة العداء لإيران، بسبب حاجتها للحفاظ على علاقاتها الاقتصادية والتجارية معها.
وعليه ما لم تقدم عليه واشنطن في عهد أوباما، وفي عهد ترامب، إن كان لناحية الامتناع عن التورط في شن الحرب ضد إيران، أو الخروج من الاتفاق النووي، لن تستطيع الإقدام عليه الدول المذكورة، وستظل حدود وقدرة هذا الحلف محصورةً في جانب التصعيد السياسي والإعلامي ضد إيران لمحاولة حرف الأنظار عن الإخفاقات التي يعاني منها أطرافه الثلاثة، بفعل فشل مشاريعهم في سوريا والعراق واليمن، واستطراداً الفشل في عزل ومحاصرة إيران وإضعاف قوتها المتنامية باطراد لا سيما بعد الاتفاق النووي، وتوطد علاقاتها مع روسيا والاتجاه لبناء تحالف استراتيجي بين البلدين، حسبما قال أخيراً رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني. فيما قضية فلسطين التي استهدفت بالتغييب والتصفية، من وراء الحرب الإرهابية على سوريا، تعود إلى الصدارة بفعل انتصارات محور المقاومة، ومن قلب العاصمة الإيرانية عبر مؤتمر دعم الانتفاضة الذي جاء في توقيته ليؤكد فشل المشروع الأميركي الصهيوني في حرف البوصلة العربية والإسلامية عن التوجه نحو فلسطين وعدو الأمة الكيان الصهيوني.
* صحافي لبناني