لم يعد جائزاً استمرار مهزلة قانون الانتخابات، ولم تعد مستساغة سياسة استغباء الشعب اللبناني، وإطلاق «البالونات الحرارية» لحرف البوصلة عن تتبّع المسار السليم الرامي إلى وضع قانون عصري ينتج نخباً سياسية جديدة لا تحملهم «البوسطات» إلى ساحة النجمة ولا يعتلون المحادل التي تجرف الفرص المتكافئة، وتزيد اليائسين يأساً، والمحبطين إحباطاً.


تحوّل النقاش في قانون الانتخاب إلى ما يشبه سوق عكاظ، أو المساجلة الزجلية، يغيب عنه الشعر والخيال المجنح والكلام المقطّر بالسحر، وتحضر المراوغة والتذاكي اللفظي، ويسود الإبهام حتى ليخيل للمواطن أن الطبقة الحاكمة تريد الشيء وعكسه، وتضمر البقاء في الستّين.
يشدّها الحنين إلى قديم تعرفه وتراه أفضل من جديد تحتاج إلى وقت لهضمه والتعرّف إليه. والشعب غافل أو منتظر، مع إدراك هذه الطبقة عجزه عن إطلاق ثورة تطيحها، أو تفرض عليها التغيير فرضاً. غداً تشاغله بأزمة تستولدها وتخطف إليها الأنظار، فينسى القانون الموعود قابلاً بالموجود، ومرحبا تغيير.
إن ما يجري لم يعد مقبولاً ولا مسموحاً، وإن الرقص على حافة المهل الدستورية الذي يحترفه السياسيون سيقود إلى البقاء في الستين بلا رتوش، أو برتوش تزيده قبحاً.


تحوّل النقاش في قانون الانتخاب إلى ما يشبه سوق عكاظ

لماذا صُمّت الآذان عن قوانين بديلة لا تهمّش ولا تلغي أحداً إذا كانت النسبية الكاملة متعذرة. فالمختلط أشوه، والتأهيل نكتة سمجة. وبالإمكان الوصول إلى صيغ مبسّطة توفر صحة التمثيل، وقد طرح منها الكثير، لكن على ما يقول المثل العامي «... ما في أعمى قد يللي ما بدو يقشع، ولا في أطرش قدّ يللي ما بدو يسمع»... هذه هي مأساتنا في لبنان. فما العمل؟
بصراحة خاب الأمل، ولا يبدو في الأفق من بصيص إلّا بموقف أكثر حزماً من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون. قد نكون في حاجة إلى ثورة يطلقها في وجه الجميع، وسوط يرفعه، وطاولة يقلبها، وصوت صارخ لا في البريّة، لوقف هذه المهزلة – المأساة، ونزع القناع عن مسترهني الطوائف، وقامعي أحلام الشباب، ومستحلبي ضرع الدولة، وذلك لتصويب المسار، وتصحيح النهج، وتوجيه الدولة نحو الملاذات التي ينبغي أن تتحصّن فيها، لتكون فعلاً دولة الحداثة، وحقوق الإنسان، والعدالة والفرص المتساوية، لا نهباً للرأسمال المتوحش الذي يتهيأ للوثوب عليها وافتراس ما تبقى منها.
البداية في قانون انتخاب عصري يؤمن التحرّر من سلطة المال السياسي ويفتح الباب أمام الكفايات. ثم في اجتثاث الفساد المنساب في أوردة الدولة حتى بات هو دمها، لا بل المصل الذي تقتات منه. على أن الخطوة الأولى هي في استرداد ما للدولة والتوقف عن استباحتها.
والكلام يطول وتضيق به المجلدات، ومن الملحّ تجاوزه إلى الأفعال.
إن الرئيس عون مدعوّ إلى ارتكاب «إثم» الثورة، ووضع حدّ لهذه الحال المغرقة في ضبابيتها، والقول: كفى... كفى... كفى، للعابثين الذين يستنسخون «العثملة» بأبشع صورها. فهذه الثورة ضرورية الآن قبل الغد، لتعزيز صدقية العهد الذي نريده أن يكون مختلفاً نوعاً عن الكثير من العهود السابقة... الآن... الآن... قبل أن يفوت الأوان.
فخامة الرئيس... أقدم، الشعب معك... لا تخذله.
* صحافي لبناني