رسَمَ شباب وصبايا لبنان وساماً جميلاً على صدر البلاد بما قاموا به في الأشهر الماضية ضد رجال السلطة وحيتان المال، حتى لو تعرّضوا للضرب وخراطيم المياه والاعتقال. فما حققوه بانتفاضتهم من أجل لقمة عيش وشوارع نظيفة وتوفْر الماء والكهرباء وباقي أساسيات الحياة (التي باتت متوفّرة في كل أصقاع الأرض) رَدَعَ الفاسدين عن الإمعان في فسادهم. فكشف المتظاهرون زيف ادعاءات ووعود الطبقة الحاكمة في مسائل النفايات والمناقصات وكشفوا حفلات تقاسم الجبنة التي كانت تتم في العتمة.
وليس هذا فقط، فقد كشفت الحركة زيف الكثيرين الذين لطالما قالوا إنّهم كانوا مع الشعب ومع حقوق الناس ليتبيّن أنّم يتمتّعون بغنائم السلطان ويضربون بسيفه. وكم من كاتب إعلامي انبرى يثبط عزيمة الشبيبة بداعي أنّ لبنان هكذا، لا يتغيّر، وأنّ جهود المتظاهرين هباء لأنّ الطبقة الحاكمة باقية إلى ما شاء الله ولن تتزحزح. وهذا كذب وهو كذب مطلوب من هؤلاء الاعلاميين أن يردّدوه.
وكم من إعلامي ندّد بانحراف التحرّك نحو أعمال عنف، وهذا لم يكن صحيحاً قياساً بما يحصل حتى في أعرق العواصم الديمقراطية في الغرب.

أعدتم الفخر إلى المغتربين
بأنّ ثمّة في لبنان شعب حي
وكريم ومتمدّن

هناك حدود لمدى استغلال الطبقة الحاكمة للمناصب الرسمية التي تستخدمها ضد شباب وصبايا لبنان. وهناك حدود لمقدرة الزعماء على تحريك وطاويط الليل لضرب المتظاهرين وتخويفهم بالسكاكين.
تابعوا يا شبيبة لبنان فضح الملفات ونوّرونا ونوّروا الرأي العام عن السرقات وهدر المال العام، ولماذا التقنين في الماء والكهرباء وما سر غياب النقل العام عن بيروت والمدن الكبرى بعد 25 سنة من نهاية الحرب؟ وأين هي الخدمات العامة الصحية والتربوية والضمانات ضد البطالة والشيخوخة والأمومة؟ ولماذا هو ممنوع تطبيق إصلاح ضرائبي تقدمي حتى يعود عدد القصور والسيارات الخيالية الثمن إلى نسبة معقولة كما في باقي الدول بعدما يدفع كل من يتهرّب نصيبه من ضريبة الدخل والربح ويُنفق الدخل على الفقراء وذوي الدخل المحدود؟
سيبقى الفقر دوماً مشكلة لبنان الاجتماعية الكبرى، وتقارير وزارة الشؤون الاجتماعية والإسكوا والجامعة اليسوعية والجامعة الأميركية عن الوضع الاجتماعي موجودة لمن يريد الاطلاع إلى أي مستوى أوصل الحكام هذا الشعب الصامد في أرضه من فقر وحاجة.
لا تتركوا لبنان لهم ينهشون به ويتمتّعون بثرواته الكبيرة. ولا ترتكبوا الهجرة التي مارسها جيلنا من أطفال الحرب. عملكم عظيم ويشرّف كل لبناني شريف. ولقد أعدتم الفخر للمغتربين بأنّ ثمّة في لبنان شعب حي وكريم ومتمدّن يمارس حقّه الديمقراطي في التظاهر والتعبير حتى لو تمنّى أعضاء الطبقة الحاكمة أن لا تكون ثمّة حقوق كهذه في لبنان.
قفوا في وجه الثالوث غير المقدّس "تحالف الزعماء وحيتان المال ورجال الدين"، وهو تحالف يزداد غنىً كل يوم على حساب الشعب اللبناني. لماذا دائماً كل الشقق الجديدة فخمة؟ ولماذا لا توجد شقق ستين متراً لكي يتزوّج الشباب والصبايا ويقيموا بها؟ وهل أصبح السكن الكريم حكراً على المستثمرين العرب والأجانب وأغنياء الداخل وأن تكون كل شقة 200 متر و500 متر مربّع؟ أين هي المساكن الشعبية وأين هي الأسعار والإيجارات المعقولة؟
طالبوا بتطبيق الزواج المدني واعلموا أنّ لا تقدّم اجتماعياً في لبنان قبل تطبيق قانون مدني للأحوال الشخصية لوضع حد لهيمنة الاقطاع الديني على حياة المواطن اللبناني من المهد إلى اللحد.
الكذبة الكبرى التي يقنعونك بها يا أخي الشاب أنّ تلك الفتاة اللبنانية مختلفة عنك لأنّها من مذهب آخر ولا يحق لك الزواج منها.
والكذبة الكبرى التي يقنعونكِ بها يا أختي الشابة أنّ ذلك الشاب اللبناني مختلف عنكِ لأنّه من مذهب آخر. والحقيقة أنّ اللبنانيين – سنة وشيعة ومسلمين ومسيحيين- يتزوجون زواجاً مختلطاً منذ مئة سنة ولم نسمع البتة عن أي مشكلة. فإذا كان ثمّة مشكلة فعلاً أبرزوا دليلكم وارشدوني إلى دراسة واحصائيات عن أنّ الزواج المختلط صعب.
فالمشكلة هي فعلاً أنّ الثالوث غير المقدّس إياه يريدكم منفصلين متخاصمين ليسهل سيطرته عليكم ويجعلكم عبيداً في حظيرته البشعة ويصوّر لكم أشياء وهمية رافعاً عصى الدين. وحتى لو لم يغادروا فرابطوا لهم في الانتخابات المقبلة وأسقطوهم.
النصر هو صبر ساعة كما جاء في أمثال العرب وهذا النصر لتحقيق مطالبكم هو أكثر قرباً مما تظنون وخاصة عندما تُظلِم الدنيا ويبدو الخلاص بعيداً. فإذا بشمس الحرية تظهر لمن صبر وانتظر فنَالَ نور الصباح.
(صدر لكمال ديب الطبعة الرابعة من كتاب "أمراء الحرب وتجّار الهيكل" عن دار الفارابي)
* أستاذ جامعي