تُنهي الأزمة السورية، الآن، عامها السادس دون أن تنتهي الكوارث والكوابيس التي رافقتها وتفاقمت مع تماديها، طوال السنوات الست المنصرمة. لا شك في أنّ ثمة جهوداً حقيقية، تبذل الآن، في «أستانة» الكازاخية وجنيف السويسرية، لاحتواء هذه الأزمة.


يدفع إلى بذل هذه الجهود عاملان: الأول، حصول تبدلات ميدانية جوهرية متواصلة بتأثير أساسي للتدخل العسكري الروسي قبل نحو سنة ونصف سنة. الثاني، تعاظم خطر الإرهاب الذي أفلت من كل رقابة وبات تهديداً عالمياً مفتوحاً على الأسوأ والأخطر، ما وسعه ذلك. لا يخرج عن هذين العاملين الحجم المرعب للخسائر السورية، ولخسائر القوى المنخرطة في تلك الأزمة. هذه الخسائر، في شقيها المادي والسياسي (خصوصاً السورية منها) خسائر متواصلة حتى إشعار آخر.
لا شك في أن الدور الروسي، الذي فرض تحولاً انعطافياً في الميدان، هو صاحب الفضل في إطلاق المبادرات في قاعات وأطر المفاوضات والدبلوماسية والحوار. لقد ارتبط الجهد العسكري الروسي، منذ البداية، بسعي سياسي حثيث لتحقيق تسوية للصراع في سوريا وعليها. يتسم النشاط الروسي، في هذا الصدد، بالكثير من الحيوية والمبادرة. ينبغي التنويه هنا بأنَّ القيادة الروسية قد راكمت، وفق مبدأ الخطأ والصواب، خبرة ثمينة في مجرى تعاطيها مع الأزمة السورية الشديدة التعقيد. وهي خبرة ستكون، من بين إنجازاتها الكثيرة على المستوى الاستراتيجي الدولي، أحد عناصر تبلور دورها المتنامي كقوة عظمى باتت تتطلع إليها الأنظار (في الحقلين السياسي والعسكري) في أكثر من مكان، ومن قبل خصوم وحلفاء، في عالمنا الذي يجتاز، راهناً، مرحلة اضطراب وتبدلات استثنائية.
يمكن القول، إذن، إن أي نتيجة إيجابية بشأن احتواء الأزمة السورية، ستكون مرتبطة أساساً، بالدور الروسي وبالمبادرات والتضحيات الروسية. ويمكن القول، أيضاً، إن من شأن عملية احتواء ناجحة للأزمة السورية، أن تترك نتائج إيجابية، تتجاوز الوضع السوري إلى مجمل الوضع في المنطقة، وحتى، في العالم. ذلك أن الأزمة السورية قد باتت، منذ وقت بعيد، صراعاً دولياً بكل ما في الكلمة من معنى. في هذا السياق، أصبحت مدينة متواضعة كـ«منبج» نقطة تقاطع وتنازع تختصر الكثير من المعارك التي تخاض على مستوى المنطقة والعالم. في هذه الحاضرة السورية التي ارتبطت، في التاريخ، باسم الشاعرين الكبيرين البحتري وأبو فراس الحمداني، يبرز الدور الروسي، مرة جديدة، دوراً محورياً، إن لجهة الحضور الفعّال، أو لجهة القدرة على التحدث إلى الجميع والتحاور معهم (باستثناء «داعش» و«النصرة»)، أو لجهة امتلاك تصور للتسوية، جدي ومرن وواقعي... في «منبج» ومن حولها الآن جيوش أميركية وروسية وتركية حاضرة هناك في تنازع وتقاطع لا شبيه لهما في التاريخ. هي كانت أيضاً تحت سيطرة قوة الإرهاب الأساسية (داعش)، وقد تحررت بفضل تضحيات بذلها مقاتلون كرد يحفِّز نشاطهم حق مشروع في إقامة دولة أو حكم ذاتي يوفر لهم الحد الضروري من الحقوق المادية والسياسية والثقافية والقومية. بدوره يختصر الموقف من الكرد جملة أزمات إقليمية تمتد من إيران إلى سوريا فتركيا. لهذا أصبحت «قوات سوريا الديمقراطية»، بتركيبتها وإنجازاتها، عامل خوف لعدد من الدول، من جهة، ومبعث أمل لقوى عديدة، تسعى من أجل التغيير والتحرر السياسي والاجتماعي.
لا شك في أن السنة ونصف السنة المنقضية على التدخل الروسي قد طوت أسوأ أنواع السيناريوهات التي كانت مرجّحة التحقق آنذاك. المقصود بذلك احتمال سيطرة قوى متطرفة وإرهابية على سوريا أو على معظم ذلك البلد ذي الموقع والأهمية الاستراتيجيين. كاد ذلك يحصل (وهو حصل جزئياً) بسبب خطأ قاتل في حسابات قوى دولية وإقليمية كان هدفها الأساسي إطاحة سلطة الرئيس بشار الأسد، ولو من طريق قوى إرهابية (سرعان ما تبين أنها خارجة عن كل رقابة ذاتية أو عامة). نشاط القوى الإرهابية نفسها، هو ما فرض أجندة جديدة دفعت، بجهد روسي أساسي دائماً في الحقلين العسكري والسياسي، إلى جعل محاربة الإرهاب ذات أولوية: جزئياً بالنسبة إلى البعض وكلياً لبعض آخر. الاختراق الروسي، الأساسي في هذا الحقل، كان في استغلال الأزمات التركية من أجل إحداث تعديل في موقف حكومة أردوغان وبناء علاقة تعاون وتنسيق معها، قادت، سريعاً، إلى اجتماعات أستانة. أثبتت هذه التبدلات أهميتها، ما دفع الأمم المتحدة (في شبه غياب لواشنطن المستنزفة بأخطاء وهفوات رئيسها الجديد) إلى الانتقال من دور المراقب في أستانة، إلى دور الراعي والمبادر في جنيف. وبشأن محورية الدور الروسي وحيويته، ليس أدل على ذلك، الآن، من استقبال موسكو، في اليومين الماضيين لكل من الرئيسين الصهيوني والتركي. وهي كانت قد استقبلت، أو حاورت، كل فصائل المعارضة السورية، ونجحت في تبريد جزئي للجبهات وفي تخفيف الحصار وإيصال مساعدات إلى عدد من المحاصرين...
لا يعني ذلك أن النجاحات الروسية ستتوَّج، بالضرورة، بحل كامل وشامل للأزمة السورية. تعقيد الصراع يتطلب بذل جهود دولية تشارك فيها واشنطن، بالتأكيد، ومن موقع سليم ومتعاون مع موسكو بشكل خاص. ذلك يتطلب بداهة، موقفاً أميركياً حاسماً بشأن أولوية القضاء على الإرهاب، وتعاوناً روسياً أميركياً لهذا الغرض، وفق خطة لمكافحته، في كل من سوريا والعراق وليبيا واليمن... كأولوية حقيقية بعيداً عن المناورات والرغبة الأميركية في التفرد والاستنزاف. هذه الخطة ينبغي أن تشارك في إنجاحها القوى الإقليمية المعنية بعد إدخال تعديلات جوهرية على مواقفها، وخصوصاً في مجال الاندفاعات المذهبية المتفاقمة التي يستفيد الإرهابيون منها إلى أبعد الحدود. هذه ليست تمنيات، فخطر الإرهاب لم يستثنِ أحداً، والتصدي له واجب الجميع.
في امتداد ذلك، ينبغي للقوى السورية نفسها، في السلطة والمعارضة، أن تعتمد مقاربات جديدة، لا تقوم على التفرد، من جهة، وعلى الاستبعاد غير الواقعي، من جهة ثانية. إن بناء دينامية سورية جديدة، سيكون عاملاً مهماً في مواكبة مساعي التسوية. وسيكون من شأنها، بالتأكيد، توفير الكثير من الوقت والمعاناة والخسائر، فضلاً عن أهميتها الخاصة في الدفاع عن وحدة سوريا أرضاً وشعباً ومؤسسات. تزاد أهمية ذلك، مع جسامة المخاطر القائمة بسبب كثرة اللاعبين والطامعين والمغامرين على المستويين الدولي والإقليمي. ليس من دون معنى أن يحذر نائب وزير الخارجية الروسي ومبعوث الرئيس بوتين ميخائيل بوغدانوف، الأسبوع الماضي، من «سيناريوات تقسيم إذا ما فشلت التسويات». واقعياً، التقسيم قائم، حالياً، في سوريا وفي غيره من بلدان الأزمات العربية. تكريس التقسيم هو ما يُخشى منه في حال استمرار الصراع وسقوط التسويات.
في المشهد العربي، والشرق أوسطي عموماً، الآن، الكثير من المخاطر المرتبطة بالكابوس السوري أو الناجمة عنه. العجز العربي بلغ الذروة. العدو الإسرائيلي يتمادى في سياساته العنصرية. ستصبح المنطقة المنطقة بحاجة إلى نوع من الوصاية الدولية لاحتواء أزماتها وإدارة شؤون معظمها إذا استمر الدور العربي على ما هو عليه من العجز والتفكك.
* كاتب وسياسي لبناني