لكلِّ حرب ظروفها، وخصائصها الممزوجة بأهداف بيئتها الاجتماعيّة المُنبثِقة عن الروح القوميّة، والدينيّة، والسمات الأنثربولوجيّة العامّة، وقد تُعبِّر تلك التحدِّيات الصعبة، والانعطافات الحادّة في طبيعة تلك المُجتمَعات عن مرآة عاكسة لكلِّ تجلِّيات الثقافة الاجتماعيّة، والسمات الحضاريّة بصورة أوضح ممَّا هي عليه في بُينات الرفاهيّة، أو أوقات السِلم. هذه من سمات الطبيعة الطوبوغرافيّة للأرض والسيكولوجيّة البشريّة بكلِّ أعماقها، وأفكارها الدينيّة منها، أو القوميّة، أو أيّ تجليات لهويّات فرعيّة تظهر فيها بشكل واضح، ويتمُّ استحضارها من قِبَل صانع القرار، أو من قِبَل النخبة من أجل التحشيد، والتمظهُر الاجتماعيِّ الذي يظهر على شكل أنساق جماهيريّة.
الحرب على "داعش" أظهرت بشكل واضح العديد من السمات القوميّة، والدينيّة؛ وبكونها كما يقول أبو القوة الناعمة جوزيف ناي Joseph S. Nye بأنَّ "داعش" هو كيان ثلاثيّ الأبعاد: فهو مجموعة إرهابيّة عابرة للحُدُود الوطنيّة، وشبه دولة، وأيديولوجيا سياسيّة ذات جُذور دينيّة. ثمة نقاط -باعتقادي- لم تُدرَس بعد في طبيعة هذه الحرب، ومنها:

السمة القوميّة

لا أقصد هنا مُقدَّماً القوميّة السياسيّة على طراز القوميّة العربيّة التي لا تُسمِن، ولا تُغني من جوع، والتي يُعبِّر عنها نزار قباني (خمسون عاماً حلمنا... وأفقنا في مزبلة)، ولكنّي أقصد استشعار البُعد الحضاريِّ والتاريخيِّ للمُشترَك الاجتماعيِّ باستخدام مثلث: العقل، والروح، والهويّة، الذي يُساهِم في صنع هويّة قوميّة مُتمايزة. ويكفي أن تقرأ أبياتاً من شعر شاعر روسيا الأكبر ألكساندر سرجيفيتش بوشكين Alexander Pushkin الذي يُمثّل في الذاكرة الثقافيّة الروسيّة رمزاً للروح القوميّة الروسيّة ليلهب المشاعر، والروح القوميّة للمُواطِن الروسيّ. بوشكين الذي يجمع الأواصر الحضاريّة، والثقافيّة، والاجتماعيّة في روح روسيا القيصريّة والشيوعيّة وما بعدها، والذي أخذ حيِّزاً ثقافيّاً مُهمّاً في إلهام الروح القوميّة الروسيّة التوَّاقة للنصر الدائم، وللدُبِّ الروسيِّ المُقاتِل الشرس في الوغى عبر ذاكرة التاريخ والجغرافية.
جرعات من صحوة الوعي القوميِّ الروسيِّ يُضيفها القيصر الروسيّ، وسيِّد الكرملين بوتين في استعراضاته العسكريّة المُستمِرّة في قلب الساحة الحمراء في موسكو، وتلقيات مُستمِرّة للطبيعة السورياليّة الخياليّة لدور روسيا القوميِّ في المعركة على الإمبراليّة الغربيّة، وعلى خطى ستالين الذي تحدَّث قبل قرن عن أهداف تدمير الطبيعة الثقافيّة الروسيّة؛ لذا عندما تقرأ في النصوص التي أوردتها استراتيجيّة الأمن القوميِّ الروسيِّ التي صدرت عام 2009، وأدخل عليها بوتين التعديلات عام 2015 بعد دُخول روسيا العسكريّ المُباشِر في الأزمة السوريّة تجد بوُضُوح هذه الروح القوميّة حاضرة في خاصرة الوعي الروسيِّ، وكان لأفكار المُفكّر الروسيِّ نيكولاي دانيليفسكي Nikolay Danilevsky الذي يحرص بوتين كثيراً على قراءته، والذي يعتمد في كتاباته على أنَّ هناك ميراثاً ثقافيّاً ذا انعكاس اجتماعيٍّ بين التصادُم الحضاريِّ بين روسيا والغرب يعود إلى تاريخ طويل.
اليوم السمة القوميّة الروسيّة حاضرة في طبيعة الردِّ الروسيِّ في الحرب على داعش في الشرق الأوسط، وأعتقد أنَّ الموضوع أعمق من قاعدة عسكريّة في ميناء طرطوس، أو الموضوع يتعلق بأقليّة مسيحيّة أرثوذكسيّة في الشام، أو بتحالف كلاسيكيٍّ تقليديٍّ بقدر ما يتعلق بإعادة الروح القوميّة الروسيّة إلى مُواجَهة تحدِّيات الإرهاب المُعولَم، وتحدِّيات صعود القوى الجديدة في عالم مُتعدِّد الأقطاب، والرؤية الروسيّة الممزوجة بعمق حضاريٍّ مع سمات براغماتيّة عالية.
وحتى بالنسبة إلى تركيا فإنَّ صخرة الوعي القوميِّ التركيِّ تستدعي أحياناً لحناً إسلاميّاً لمُؤذن إسطنبول رجب طيب أردوغان عند الحاجة. وحتى استخدام صُوَر التدخّل الروسيِّ في سورية عكس الروح القوميّة في صُوَر الحرب التركيّة ضدَّ التدخُّلات التاريخيّة الروسيّة. وهذا ما تعمل على ترويجه وسائل الإعلام التركيّة في تحليل طبيعة الأحداث الأخيرة.

هل أعادت الحرب على «داعش» الحروب الدينيّة في منبع الأديان السماويّة؟

يقول غوستاف لوبون Gustave Le Bon: إنَّ ضعف المحاكمة العقليّة لدى الجماهير يجعلها تتأثر بالصور والخيالات العامة؛ لذا تنتشر بين الجماهير الأساطير، والقصص اللاعقليّة المُحمَّلة بالعواطف، والخيال؛ الأمر الذي يجعلها لا تُميِّز بين الواقعيِّ واللاواقعيِّ، وهذا -باعتقادي- أُسُّ المُشكِلة؛ لأنَّ كلَّ مدارس فنِّ المُمكِن في بقاع المعمورة تعترف أنَّ السياسة بنت الواقع، لا بنت الخيال، وزوجة القدرات، ومُطلَّقة العنتريّات، وثمار الحسابات لا ثمار الصوتيّات، وصناعة التخطيط لا صناعة الحظ، وميدان العقول لا ميدان القلوب، والعواطف... هكذا جاءت أبجديّات السياسة الخلدونيّة في كلِّ مسالكها القديمة والحديثة، ولكن يبدو أنَّ هذا المنطق لن يسود في ثقافتنا فمازلنا نعشق أوهاماً كارزميّة وإن كانت على عتبات قيادة كارثيّة، وننظر إلى السياسة من منظار الأبواب الشرعيّة في العلن والمكيافليّة في السِرّ، ونعيش خطابات المِنصّات بشجن، وننظر إلى عمل المفاوضات تحت الطاولة بريبة، ونقرأ قواميس السياسة بالمقلوب، أو نكتب قواميس خاصّة بنا.
ازدحمت كراجات السياسة في وسائل الاتصال الاجتماعيِّ بالمبالغة الفضفاضة في قراءة الأحداث التي تمرُّ في المنطقة، خُصُوصاً عقب سقوط الطائرة الروسيّة من قبل المقاتلات التركيّة، وأنَّ القيصر الروسيَّ بتراثه الإمبراطوريّ التاريخيّ الشرقيّ، وحماسة بوتين الممزوجة بلحن التاريخ العميق للقياصرة الروس، وأنَّ الدُبَّ الروسيَّ سيلتهم الذئب التركيَّ الطورانيّ لكبح جماح السلطان العثمانيِّ الجديد أردوغان مُتناسين أنَّ 50 في المئة من الغاز الروسيِّ يصل عبر الأراضي التركيّة إلى أوروبا.
روسيا بوتين ليست روسيا لينين وستالين، وفي الوقت ذاته روسيا اليوم ليست روسيا يلسن... الحسابات البراغماتيّة، والعملانيّة الاقتصاديّة لها استشعاراتها الخاصّة في حسابات الدخل القوميِّ، وميزان الصادرات والواردات، وإن كانت الحرب على "داعش" تحوَّلت في مُدرَك مُهمٍّ في استراتيجيّة الأمن القوميِّ الروسيِّ، لكنها -بالنتيجة- لاعب عقلانيّ يعرف كيف يردّ، وأين الردّ في حرب احتمالات مفتوحة قد تتقارب دوليّاً بعد صُدُور قرار مجلس الأمن الأخير حول سورية في مُحاوَلة لإيجاد صُورَة للحلِّ لمُشكِلة سمَّتها هيلاري كلينتون في مُذكَّراتها (المُشكِلة اللعينة التي تستعتصي على الحلّ).
في المقابل تركيا الأردوغانيّة رغم تراثها العثمانيِّ، وكايزرميتها السلطانيّة لاعب عقلانيّ لم تتحرَّك بعيداً من دون تفويض من العمِّ سام لأنَّ أردوغان ليس أتاتورك الذي يتفق معه المُجتمَع التركيُّ بكلِّ أبعاده على قاعدة الواقعيّة: "لا تشتم سبعة أشخاص، إذا كان مسدسك لا يتسع سوى لـ 6 رصاصات فقط"، حتى في موضوع الوجود العسكريِّ التركيِّ في شمال العراق، وقرار الانسحاب منه ثمة روح قوميّة تركيّة فوقيّة ترى في نفسها أنها يجب أن يكون لها كلمتها في المنطقة، وإن كانت تريد التراجُع فإنها تخفي ذلك تحت أقبيتها الاستراتيجيّة.
الحرب الباردة بدأت في سورية، ولن تنتهي قريباً، لا تراجُع روسيّاً في الحفاظ على حوضها الشرق الأوسطيِّ الذي يسبح فيها الدُبّ الروسيّ رغم القناعة الأميركيّة بأنَّ الدُبَّ الروسيَّ الذي يعيش في الأجواء الباردة سوف تُغرقه الرمال الحارّة. حديث المثاليّة، والواقعيّة في الخطابين الروسيِّ والأميركيِّ لا بُدَّ أن يدخل في إدارة الأزمة بمنطقيّة عالية مُحترفة.


السمة الدينيّة

تُؤكِّد وزيرة الخارجيّة الأميركيّة مادلين أولبرايت أنه منذ هَجَمات الحادي عشر من أيلول 2001 يجب تعديل عدسة السياسة الخارجيّة التي يتمّ النظر من خلالها العالم لفهم الواقع الجديد، وإن ساهمت ثورة المعلومات التكنولوجيّة في تغيير العالم، ولكن كانت هناك قوة أخرى تفعل فعلها، وهي ازدهار الحركة الدينيّة في كلِّ مكان تقريباً في العالم.
إذا ما اتجهنا مع طروحات يورغن هابرماس، وجاك داريدا في كتاب "الفلسفة في زمن الإرهاب" في تفسير الحداثة، وليس للأصوليّة علاقة بأيِّ نصٍّ مُعيَّن، أو بأيِّ عقيدة دينيّة، بل جُلّ همِّها هو الاعتقاد بها سواء كانت في اعتقادات الأصوليِّ الإسلاميِّ، أم المسيحيّ، أم الهندوسيّ؛ لأنَّ المقصود بها رُدُود الفعل العنيفة ضدَّ الطريقة الحديثة لفهم الدين، ومُمارَسته؛ ومن ثم فإنَّ الأصوليّة ليست عودة بسيطة إلى طريقة للارتباط بالدين، بل هي استجابة مرعبة تجاه الحداثة.
السؤال الأهمّ في عالمنا اليوم: هل أعادت الحرب على داعش الحروب الدينيّة خُصُوصاً في منطقة تُمثّل منبع الأديان السماويّة، أو مفاهيم الحُرُوب العادلة HOLLY WAR المذكورة في النصوص، والتراث الدينيِّ الإسلاميِّ، والمسيحيِّ بشكل عامّ، مع كلِّ النقد الذي وُجِّه لجورج دبليو بوش الذي حاول رسم الحرب على الإرهاب بصيغة دينيّة، أم ضرورة تقييم الحرب من زاوية صِدَام الحضارات الهنتغتونيّة، لكنَّ تعزُّز هذا المفهوم بشكل خاصٍّ مع إعلان الكنيسة الروسيّة الآرثوذكسيّة -وهي أكبر كنيسة آرثوذكسيّة، وتُعَدُّ شرقيّة مُستقِلة- بعض الإحصائيّات تُشير إلى أن أتباعها يبلغ عددهم ما يقارب على 125 مليون شخص بأنَّ الحرب على "داعش" هي حرب مُقدَّسة، ودعمها قرار الحكومة الروسيّة بشنِّ الغارات الجويّة على "داعش" في سورية، جاء هذا الموقف بعد أن استعادت الكنيسة الآرثوذكسيّة الروسيّة التي كان لا يُسمَح لها بأيِّ نشاط سياسيٍّ إبّان حقبة الاتحاد السوفياتي، وعلى الرغم من طبيعة الثقافة الروسيّة في الفصل بين الكنيسة والدولة، لكن الرئيس بوتين يحرص على المُشارَكة في مراسم الصلاة بالكنيسة.
يُؤكّد الرئيس بوتين: "في أصعب الأوقات التي مرَّ بها تاريخنا عاد شعبنا إلى جذوره إلى الديانة المسيحيّة وإلى القِيَم الروحيّة"، مُؤكداً: "الكنيسة ملأت الفراغ الأخلاقيَّ بسبب غياب القِيَم بعد انهيار الاتحاد السوفياتيّ في 1991، وكانت ولادة جديدة طبيعيّة للشعب الروسيّ"، ولم يقتصر الموضوع على الأزمة السوريّة فقط، بل حتى أزمة جزيرة القرم.
في الرؤية الدينيّة الإسلاميّة للمرجعيّات الشيعيّة في فتاوى آية الله السيِّد علي الخامنئي، ورؤية المرجعيّة الدينيّة في النجف حول فتوى الجهاد الكفائيِّ في مُقاتَلة الجماعات التكفيريّة تقتضي إعادة دراسة الدور الدينيِّ في العلاقات الدوليّة، في المقابل تستغلّ التنظيمات المُتطرِّفة نصوصاً دينيّة، وتُوظِّفها في المعركة وفي التجنيد.
* مدير مركز بلادي للدراسات والأبحاث الاستراتيجيّة ــ العراق