مُعظم الإعلام الليبرالي في أميركا قريبٌ جداً من مؤسسات الحزب الديموقراطي، ومذيعوه ومذيعاته لا يتقبلون الرأي الآخر بروح رياضية مثلما يُقال، مع أنهم يُلقون التهمة نفسها على إعلام اليمين.


عندما يتصل أحد المستمعين حاملاً طرحاً مُختلفاً أو من خلفية جمهورية على راديو «إذاعة شيكاغو» التقدمية/الليبرالية على سبيل المثال، يقوم أغلب المحاورين بالاستهزاء به وشتمه في بعض الأحيان، وإنهاء الاتصال على عجل. هؤلاء المُحاورون الليبراليون (وهم من مُناصري الحزب الديموقراطي) لم ينفكوا عن ترداد الكلام الذي يقول بأنه عليهم (أي الليبراليين) التلاقي والتحاور مع المؤيدين لليمين للوصول إلى أرضية مُشتركة في ما بينهم للتفاهم من أجل مستقبل أفضل للبلاد. كيف سيحدث ذلك وهم يهزأون بمعظم من يتصل بهم من مُناصرين لليمين من الذين لديهم مواضيع وتساؤلات مُحِقّة يُريدون مناقشتها والتحاور بخصوصها؟ كما أنهم مواطنون لهم هَواجِسُهم الاقتصادية وخائِفون على مُستَقبلِهم ومستقبَل أولادهم الاقتصادي والاجتماعي! قد لا يتفق المرء مع مُناصري اليمين على كثير من الأمور، لكن لا يمكن إنكار أن من حق هؤلاء الحصول على إجابات عن هذه التساؤلات، كما أنها تُعتبر فرصة لهؤلاء المتشدقين بالليبرالية و«مُحبي» الحوار، كي يشرحوا لليمينيين ما هي السياسات التي اعتُمدت في الماضي وأدت إلى ما أدت إليه اليوم من نتائج كارثية عليهم. لكن بدلاً من استغلال هذه الفرصة، يدفع الليبراليون بهؤلاء (بسبب عجرفتهم في طريقة الإجابة) إلى الحصول على إجابات من إعلام اليمين مثل شبكة «فوكس» وأخواتها (وما أكثرها). ومن يسكن هذه البلاد يعلم تماماً أجندة شبكة «فوكس» التي لا تنفكّ عن بث الكراهية والعنصرية والتخويف من الآخر (غير الأبيض) ومن المُهاجرين، وخلط الحابل بالنابل، وتقديم نصف الحقيقة ومزجها بآراء القناة وآراء ضيوفها، الذين يمتلكون أجنادتهم الخاصة التي لا تعكس المصلحة العامة، بل مصلحتهم ومصلحة المؤسسات والشركات التي يُمَثّلونَها وتُقَدَّم على أنها أخبار وحقائق. وهناك شرائح مِمن كان يُصوت للحزب الديموقراطي لِعقود طويلة، ومن ثم تحول للتصويت للمُرَشَّح الجمهوري مثلما جرى في حالة دونالد ترامب في الانتخابات الأخيرة، بسبب تقاعس الحزب الديموقراطي في تقديم الحلول والمعونة لِمُناصريه عموماً ولسكان الأطراف خصوصاً، ولعدم معاينة أي تغيير ملموس في حياتهم من خلال الوعود التي قطعها الرئيس السابق باراك أوباما خلال عملية تَرَشُّحِهِ عام ٢٠٠٨ وخلال فترة حُكمِه.
مثلاً، قامت الصحافيَّة، ساره كوندزيّر، بكتابة تحقيق لصحيفة «غارديان» البريطانية السنة الماضية، عن الميول الانتخابية لسكان مدينة مترابوليس، الواقعة في مُقاطعة ماساك في جنوب ولاية إلينوي، وقريبة من حدود ولاية كينتاكي، وتعداد سُكانها قريب من السبعة آلاف نسمة. ذَكَرَت الصحافيَّة بأن مدينة مترابوليس تنتشر فيها ملصقات للمرشح ترامب في كل مكان تقريباً، وأن السكان مُحبطون بسبب عدم الاكتراث لأحوالهم الاقتصادية مِن قِبل سياسيي ولاية إلينوي (تُعدّ إلينوي إحدى «الولايات الزرقاء»، أي المحسوبة لصالح الحزب الديموقراطي) من بعد إقفال الكثير من المصانع أبوابها في منطقتهم بسبب السياسات الليبرالية التي بدأت تأخذ مجراها في السبعينيات. فمنهم من التجأ إلى صيد السمك من النهر القريب من المدينة ليقتاتوا عليه، لكنهم توقفوا عن صيده بسبب تسرب عُنصر اليورانيوم من أحد المصانع القريبة لمياه النهر، ولم يتحرك السياسيون لمساعدتهم ولإيجاد بدائل للتحسين من ظروفِهِم الاقتصادية المُتردية. وسألت الصحافية أكثر من مواطن في المنطقة عن سبب الجنوح للتصويت لترامب لسنة ٢٠١٦، فَبادروها بالإجابة بأنهم كانوا يُصَوّتون للحزب الديموقراطي في الماضي، وكانوا يُحِبون الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، لكنهم قرروا التصويت لترامب لأنه غير آتٍ من طبقة السياسيين المعروفين، كما أنهم لا يكترثون كثيراً لـ«هيلاري». فترامب يفهم لُغَتَهُم وما يدور في أنفُسِهِم من ريبة من المستقبل المجهول. والمعنى هنا، كلامه عن توفير فُرص العمل عبر إعادة الشركات للعمل مُجدداً في أميركا (بالمناسبة، لا خطة واضحة عن كيفية تحقيق ذلك وهو مجرّد كلام لا أكثر من قبل ترامب وإدارته)، وهم يُأيِدون سياساته التي ستَحُدّ من تدفق المُهاجرين، لأن في ظنهم أن المُهاجرين هم أحد أسباب قلة فُرَص العمل وهم السبب في ترَدّي أوضاعهم.
الحزب الديموقراطي لا يختلف كثيراً عن الحزب الجمهوري. فأهل «السياسة» (لا يوجد سياسة في هذه البلاد في نظري، بل مصالح مُتبادلة وشركات عملاقة تسعى للربح على حساب الجميع) من الحزب الديموقراطي يمشون على خُطى الجمهوريين عبر تقَبُّل (أو استجداء) التبرعات من أصحاب الشركات والمصالح لكي يُحَرّكوا عجلات حملاتِهم الانتخابية، ولكي يَسِنّوا القوانين التي تتوافق مع مصالح الشركات التي تتبرع لهم (والشركات تتبرع لكلَا مُرشَحي الحزبين على السواء). فعندما يستمع المرء لكلام الليبراليين على الراديو، يشعر بأنهم يتكلمون من أبراجِهِم العاجية، ولا يَرَوْن أبعد من أُنوفِهِم، وهم دائماً يستعملون الكليشيهات ذاتها بحق الطرف الآخر، والأحكام المُسبقة حاضرة للتفوه بها على الفور بعد إقفال خط الاتصال في وجوه أصحاب الرأي المُختَلِف، فينعتونهُم بأن كل الجمهوريين رجعيّون، ومُحبو اقتناء السلاح، وشعبويون غوغائِيون ومتشَدِدون مسيحيون...إلخ. طبعاً كل هذه النعوت والأحكام المُسَبقة تزيد الأمور سوءاً، ولا تخلق مجالاً لِمقاربة الأمور للوصول لحلول ناجِعة. فالسياسي والحقوقي والناشط الأميركي من أصول لبنانية رالف نادر، لم ينفك عن تذكير المُستمعين لبرنامجه الإذاعي «ساعة مع رالف نادر»، بأنه هنالك نقاط تلاقٍ عدة بين الطرفين يمكن الانطلاق منها لتحسين أحوال المواطنين، لكن من يتحكم في إعلام الطرفين يُبقي على الهُوّة بين أفراد المعسكرين.


الليبراليون يبيعون الأوهام لعامة الناس عبر العمل على بث الروح في الحزب


أغلبية هؤلاء الإذاعيين الليبراليين ما زالوا لا يُصَدِقون خسارة هيلاري أمام ترامب، وهم يدافعون عنها برغم كل فضائحها وفضائح زوجها السياسية والمالية، مثل السياسات التي إنتهجها زوجُها إبان فترة حكمه، والتي يُعاني منها الملايين من المواطنين ليومنا هذا، مثل قانون «الأخطاء الثلاث» 3 strikes law، والتعديلات على قانون الإعانات الحكومية لمحدودي الدخل والفقراء، وصفقة الـ NAFTA وغيرها، والفضائح المالية لمؤسسة «كلينتون» التي تتلقى التبرعات من جهات مشبوهة (مثل بعض العرب وبعض الحكومات العربية)، وعن كيفية التصرف في هذه الأموال.
السياسة هنا تتراوح بين اليمين والوسط، لا يوجد يسار. فلقد دُمِّرَ منذ زمن بعيد (وهذا موضوع آخر لا يتسع المجال لشرحه هنا)، وكلمة «اشتراكي» أو «شيوعي» تعتبران كلمات قذرة، وهي كافية بأن يُنظَر للشخص الذي يُصَرّح بأنه يتبع هذا الخط السياسي بأنه شخص «ضد الحرية» (بالمفهوم الاعتباطي الأميركي العام للكلمة) و«مُعادي» لأميركا ولتعاليمها. لا توجد أحزاب أُخرى يُعَوَّل عليها لتسلم دفة الحُكم، فالحزبان يَحكُمان بدكتاتورية مُطلقة. فلقد قام عناصر الشرطة باعتقال المُرشحة عن حزب الخُضر «Green Party»، جيل ستاين، قبل سنوات عدة في ولاية نيويورك، عندما حاولت التظاهر في منطقة قريبة من حرم جامعة «هوفسترا» من أجل حقها لكي تشارك في الحوارات الانتخابية.
تظن للوهلة الأولى في حال استماعك لهؤلاء المُحاورين الليبراليين، بأنهم سيقومون بـ«ثورة» ما لقلب نظام الحكم لتغيير الأوضاع، وأنهم يَعدّونَ العُدة لذلك وستكون الأمور في النهاية على ما يُرام، وما علينا غير التصديق. والمُتَصِلون من المؤيدين (يتحاور المذيع أو المذيعة من الليبراليين في أغلب الأوقات مع الذين يتفقون مع آرائِهِم) يظنون بأن شكواهم عبر الاتصال لهذا البرنامج أو ذاك، ستؤدي في نهاية المطاف إلى حل ما، وبأنهم «يتمسّكون بالأمل» و«يجب بأن يوقِفوا ترامب عند حده» و«يجب التكاتف والتعاضد للوقوف في وجه سياساته» وكل هذه السمفونية الممجوجة. لا أدري إذا كان هؤلاء المتصلون يتجاهلون بعض الحقائق، مثل أن سياسات عهد أوباما وَضَعَت حجر الأساس لما يفعله ترامب في عهده الآن؟ لكن الذي أعرفه بأن المحاورين الليبراليين يتجنبون الخوض في هذه الأمور، ويقومون بتسخيفها إن ذُكِرَت خلال الحوار الإذاعي لكي يبعدوا الشبهات عن الحزب الديموقراطي.
لا أُنكر بأن المُذيعين الليبراليين لا يأتون على نقاش الكثير من الأمور المُهمّة، لكن الحلول التي يطرحونها لا تفي بالغرض البتة أو لا تعالج المشكلة من الأساس، فتلك الحلول للمسائل العالقة التي تخصّ الحياة اليومية للمواطن العادي مثل العناية الصحية، ومجانية التعليم، وحق الإجهاض، ومعالجة حالة الفقر التي أصابت الملايين من الناس (في أثرى بلد عرفه تاريخ البشرية)، هي حلول ليبرالية تعتمد على العائد الربحي في كثير من الأحيان، ومُستقاة في الأغلب من حلول هيلاري وأصدقائها من أصحاب الأموال وجماعة الـ «وال ستريت» في نيويورك. ومن كان يقف ضد ترامب من الإعلاميين الليبراليين، نراهم ونسمعهم اليوم كيف عادوا أدراجهم لمهادنة ترامب، مثل المدعو فان جونز المُحاور على قناة الـCNN المملوكة لشركة Time Warner، التي يكون نائب رئيسها غاري جينزبيرغ صديقاً لصهر ترامب جارد كوشنير. وفان جونز قال بعد كلمة (أو هذيان) ترامب الأخيرة أمام الكونغرس، بأن «ترامب أصبح رئيساً لكل الأميركيين بعد إلقائه هذا الخطاب». يبدو بأن اجتماع صهر ترامب مع نائب رئيس شركة Time Warner قبل فترة قد أوتي أُكلَه وظهرت نتائجه من خلال تصريحات فان جونز. فلقد اشتكى هذا الصهر المُدَلل لنائب رئيس الشركة أن الـCNN مُتحيزة ضد عمه الرئيس... يا سلام!
كَمُتابع عادي أعيش في هذا البلد، لا أرى أيّ تحَسُّن في المدى المنظور، بل الأمور إلى مزيدٍ من التأزُّم والتعقيد. الليبراليون يبيعون الأوهام لعامة الناس من خلال العمل على بث الروح مُجدداً في الحزب الديموقراطي على طريقة «يحيي العظام وهي رميم» (والمعروف هنا بأن الحزب الديموقراطي ليس له عمود فقري، وهي عبارة استهزائية تدل على هُلامية هذا الحزب) ولثني الناس عن المطالبة بحزبٍ ثالث. لكن إن كانت هنالك من بارقة أمل ولو ضئيلة، فإن الكثير من الجيل الجديد لا يكترث كثيراً لوسائل الإعلام الكُبرى مثل شبكات «فوكس»، «أن.بي.سي»، «سي.بي.أس» وغيرها، فهم يعلمون بأن هذه الشركات تَبُث «إعلاماً» غير صادق ومُضَلل، فينزح هؤلاء للبحث عن الخبر من مصادر إعلامية أُخرى لكي يبنوا عليها رؤاهُم السياسية.
* كاتب فلسطيني