خلال العقد الماضي، تطوَّر مفهوم الدولة ليشهد تغيُّراً جذرياً في دور الحكومات وحجم تدخلها الهادف لتسيير عجلة الحياة اليومية للمواطن وتوفير الخدمات الضرورية له. ومع ازدياد حجم الضغوطات والأعباء الخدماتية على الحكومات قامت معظم الدول المتقدمة بالعديد من عمليات الإصلاح والتغيير في آليات عمل مؤسساتها الحكومية لتتكيف مع ازدياد الطلب على خدمات القطاع العام.


وسعت من خلال عمليات الإصلاح الإداري، لدعم الأساليب والمخططات الجديدة الهادفة لرفع مستوى تقديم الخدمات إلى المستفيدين بفعالية أكبر تتلاءم مع حاجاتهم، وتساهم أكثر في عملية ضبط الإنفاق الحكومي وتعزيز مبدأ المساءلة. وهنا، دُفعت الحكومات، وبفعل الثورة التقنية ومفاهيم العولمة الحديثة إلى تبنّي مفاهيم التخطيط المعرفي وإدخال تكنولوجيا المعلومات والتقنيات الإدارية الجديدة لتحسين الأداء الإداري في القطاع العام. في حين شكَّل نجاح القطاع الخاص في ابتكار مفاهيم وتقنيات إدارية جديدة، حافزاً لدى المختصين في القطاع العام، لتطبيق هذا المسار في الإدارات العامة في كثير من دول العالم.
منذ أوائل التسعينيات قام لبنان وكما في معظم دول العالم، بالتخطيط للعديد من مشاريع الإصلاح الإداري على صعيد القطاع العام، كترجمةٍ للنظريات والتوجهات الإدارية الجديدة الداعمة والداعية لتفعيل التطوير الإداري الذي يطال الخدمات الحكومية خدمةً لهدف إرضاء احتياجات المواطن وتعزيز علاقة القطاع العام بالقطاع الخاص أيضاً. وبدأت الدولة اللبنانية بمواكبة التوجه العالمي الجديد الهادف للتطوير والإصلاح «Administrative Reform» أو ما يُعرف بإعادة هندسة الإدارة ويُصطلح عليه بـ «الهندرة» «Reengineering» أو إعادة الابتكار «Reinventing» واستخدام أدوات جديدة في التقييم الإداري كـ: «نظام الجودة الشاملة «Total Quality Management (TQM)، الإدارة بالأهداف «(Management by Objectives (MBO»، تطوير الأداء في الإدارة العامة «Public Performance Improvement and Development»، التخطيط الاستراتيجي للإدارات العامة «Planning for Public Management Strategic» ومن ثم الحكومة الإلكترونية «E-government». وذلك بهدف تعزيز إمكانية قيام نظام خدمات وفق مفاهيم جديدة يرتكز إلى النوعية «Quality» والفعالية «Effectiveness» والكفاءة «Efficiency» والاستجابة «Responsiveness».

بعض أسباب الخلل البنيوية في الإدارة الحكومية في لبنان

يمكن إعادة أسباب الخلل البنيوي في إدارة الخدمات الحكومية في لبنان إلى الأسباب الأسياسية التالية:
أولاً: يمكن القول إن وضع الحرب واللااستقرار، والذي واكب مسار الدولة اللبنانية منذ بداية الحرب الأهلية عام 1975 وصولاً إلى الأزمة السورية عام 2011، كان السبب الأساسي في التقليل من أهمية الاهتمام الرسمي بالتطوير الإداري، حيث غرقت الأطراف اللبناينة في صراع الأولويات السياسية، بعيداً عن الهموم الاجتماعية والاقتصادية التي تخصّ المواطن اللبناني. الأمر الذي أصاب مؤسسات الإدارة العامة اللبنانية بالضعف والترهل المزمن. حيث كانت تؤدي دائماً هذه الظروف إلى تعثّر تطبيق العديد من المشاريع المرتبطة بالتطوير والتنمية الإدارية كما كان مخططاً لها.
ثانياً: بناء للسبب الأول، يمكن القول إن سوء أداء تقديم الخدمات العامة في لبنان من قِبل القطاع العام لمدة تزيد عن العقدين من الزمن، ساهم في خلق واقع هشّ ومُترهِّل للقطاع العام ومؤسساته. ما أنتج ضغوطاً سياسية وشعبية على الحكومات المتعاقبة، لكي تُعيد تأهيل الإدارات الحكومية، مع التركيز على نوعية تقديم الخدمات وسرعتها الى المواطنين.

مسار تطوير الخدمات الحكومية في لبنان

مع تشكيل حكومة عام 1993، بدأ لبنان خوض تجربة التطوير الإداري للخدمات الحكومية كجزء من خطة النهوض والتي تبنتها الحكومة في تلك الفترة. وبدأ حينها تحصيل الدعم الإقليمي والدولي لمشاريع تنمية وتأهيل الإدارة العامة اللبنانية، فيما وَضعت وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية استراتيجيات ومشاريع وخطط عديدة منذ ذلك الحين حتى اليوم، كان من أهمها: دراسة تقييم الأداء الوظيفي (1994)، الخطة المرحلية للإصلاح الإداري (1996-1997)، المعلوماتية في الإدارة اللبنانية بين الواقع والمرتجى (1998)، التنمية الإدارية لمحاصرة الفساد (1998)، استراتيجية الإصلاح الإداري مع خطة عمل تنفيذية (1999)، خطة مقترحة للإصلاح الإداري (1999)، استراتيجية الحكومة الإلكترونية (2002)، مشروع قانون تنظيم علاقة المواطن بالإدارة (2003)، خطة تطوير الأداء في الإدارة العامة (2004)، برنامج عمل لإصلاح وتطوير الإدارة العامة في لبنان (2003- 2008)، استراتيجية وخطة عمل تنفيذ مشروع التطوير الإداري في الجمهورية اللبنانية (2009)، مشروع التأهيل الإداري وتوحيد نماذج إستمارات المعاملات الإدارية (2010)، مشروع التنمية الإدارية للحكومة اللبنانية وبناء قدرات التخطيط الاستراتيجي في الإدارات العامة (2012)، اقتراح خطة تنفيذية لبرنامج الحكومة الإلكترونية (2010 - 2012)، مشروع قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي (2012) ومشروع إدارة التغيير عام 2015.

لماذا الحاجة إلى تنمية وتطوير الخدمات الحكومية في لبنان؟

يعيش لبنان حالة من الترهُّل والضعف في الإدارة العامة والخدمات الحكومية، انعكست على قدرة الدولة في تطبيق المفهوم العملي الجديد للعلاقة بين القطاع العام والمواطن. الأمر الذي أنتج ضعفاً من قِبل القطاع العام في استخدام الموارد وأثَّر في كفاءة وفعالية الخدمات الحكومية وساهم في إيجاد واقع يمنع المساءلة والشفافية والعدالة ويُقلِّل من القدرة على الاستجابة السريعة لحاجات المواطن اللبناني. وهنا فإن الوصول لهذه الأهداف يتطلب إنشاء نظام إداري حديث يُساهم في صناعة التحوُّل الإداري عبر تنفيذ عملية إصلاح وتنمية مستمرة على المستويات الإدارية كافة. لقد كان أوّل اهتمامات الدولة اللبنانية في هذا المجال خلال بداية التسعينيات عبر وضع المُخطط الأول لعملية تأهيل وتطوير الإدارة العامة في لبنان. لكن وللأسباب التي ذكرناها سابقاً والعائدة للوضع الذي واكب مسار الدولة اللبنانية والذي اتصف باللااستقرار، إلى جانب أن الإصلاحات الإدارية التي تبنتها العهود المتعاقبة، وعبر عقود من الزمن كانت آنية ومؤقتة، وكانت تتوقف مع كلّ حدثٍ أمني أو اضطرابٍ داخلي، الأمر الذي أدى الى تعلُّق أغلب الحلول بمشاكل ظرفية وليس بنيوية الأمر الذي ساهم في خلق واقع من الضعف الإداري ما يزال حتى اليوم، يتصف بالبيروقراطية والفساد. وهو ما أدى إلى فشل الإصلاحات وبالتالي فقدان ثقة المواطن بالإدارة العامة وخدماتها نتيجةً لذلك.

رؤية استراتيجية وخطوات مُلحة وضرورية

بناء عليه لا بد من الإشارة إلى بعض نقاط التطوير الملحة والضرورية والتي يجب أن تقوم بها الدولة خدمة لمشروع التطوير الإداري وتنمية الإدارة العامة:
أولاً، جعل مسألة تطوير عناصر نجاح الإدارة العامة في لبنان، من ضمن أولويات الحكومة اللبنانية الحالية والحكومات اللاحقة، لأسباب تتعلق بأهمية التأسيس لواقع إداري سليم يُساهم في تحويل الإدارات العامة اللبنانية، الى أرضية داعمة لمشاريع الدولة التنموية. حيث أن العمل على كافة أصعدة التنمية من الاجتماعية إلى الاقتصادية يبدأ من خلال إيجاد إدارة عامة قادرة على صياغة وترجمة السياسات النظرية المبنية على أسس التخطيط المتوسط وطويل المدى، إلى واقع عملي تنفيذي يحتضن القدرات والموارد البشرية والتقنية والعملية، المتوفرة والداعمة لأهداف الدولة.


عام 1993، بدأ لبنان خوض تجربة التطوير الإداري للخدمات الحكومية كجزء من خطة النهوض

ثانياً، العمل على إعادة إحياء دور المؤسسات العامة في لبنان عبر خطة تطوير تهدف إلى إيجاد تحول يخدم التنمية الشاملة والمتكاملة للقطاع العام، وهو ما يبدأ بعملية إعادة هيكلة القطاعات الأساسية في الدولة. الأمر الذي لا يمكن أن يحصل دون تحديث التشريعات والقوانين الخاصة بعمل المؤسسات العامة والاعتماد على مناهج التخطيط الاستراتيجي للقطاع العام من خلال رسم السياسات التي تربط الخطط بالأهداف وتأخذ الواقع الإداري اللبناني بعين الاعتبار مع مراعاة أهمية تنمية القدرات البشرية لموظفي القطاع العام والعاملين في تقديم الخدمات الحكومية.
ثالثاً، إرساء سياسات مُستدامة طويلة المدي تنقل الواقع الإداري الحالي الى واقع إداري جديد يُساهم في إيجاد حلول دائمة للمشاكل الإدارية الحالية والمستقبلية. وهو ما يحتاج إلى تفعيل دور الرقابة والمساءلة ضمن الإدارات العامة، عبر الاعتماد على سياسات تنفيذية تعتمد على الأدلة والتي تُعرف بالسياسات المبنية على القرائن أو «Evidence based policies». الأمر الذي يساهم في تطبيق مبادئ الحوكمة الرشيدة «Good Governance».
رابعاً، تأهيل قدرات العاملين في الإدارة العامة لرفع مستوى العنصر البشري عبر وضع خطط تدريبية شاملة تواكب التخطيط المعرفي للقطاع العام، وتضمن استمرارية النتائج المرجوة. وهو ما يجب أن يواكبه عملية تأسيس وتحديد المسار الوظيفي للقطاعات كافة لما لذلك من فائدة في بناء وتركيز قدرات الموظفين في مختلف الإدارات العامة للدولة.
إن الواقع الحالي للإدارة العامة، وآلية تقديم الدولة للخدمات الحكومية، أمرٌ يحتاج إلى التطوير والتنمية. وهو ما يُساهم في نقل الواقع الإداري من مرحلة الترهُّل والضعف، الى مرحلة ترتقي معها خدمات القطاع العام الى مستوياتٍ أفضل تواكب النهوض المبني على التخطيط المعرفي الذي يعتمد على التقدم والتطور التكنولوجي في المعلومات والاتصالات، والذي بات سمة الدول اليوم. مما يُساهم في نقل المُجتمع اللبناني من واقعه الحالي إلى مجتمعٍ يتميَّز بكافة ركائز المجتمع المعرفي الذي تتكامل فيه جهود المواطن والقطاع الخاص مع القطاع العام. الأمر الذي بات يحتاج إليه لبنان اليوم.

المصادر

وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية، الاستراتيجية التنفيذية للإصلاح الإداري، 1999.
الانحراف الإداري في لبنان: أسبابه ووسائل علاجه، دراسة صادرة عن المؤسسة اللبنانية العربية للتوزيع والنشر في بيروت، 2000.
الدولة والتنمية والإصلاح الإداري في لبنان، دراسة للمركز اللبناني للدراسات في بيروت، 2004.
استراتيجية وخطة عمل تنفيذ مشروع التطوير الإداري في الجمهورية اللبنانية، 2009.
تطوير أداء الخدمات الحكومية في لبنان، مجلة الدفاع الوطني، العدد 77، تموز 2011.
مركز مشاريع ودراسات القطاع العام، وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية.
* باحث في إدارة المنظومات والشؤون الاستراتيجية