يقول تروتسكي في مؤلفه «الثورة والحياة اليومية» أن أحد «أسهل» إنجازات ثورة أكتوبر هو تحقيق المساواة السياسية والحقوقية بين الرجل والمرأة. المساواة في المراسيم والقوانين أمر سهل، لكن تحويله إلى واقع معاش هو الصعب.


هل يمكن تحويل المساواة النظرية السياسية والحقوقية إلى مساواة اقتصادية؟ ثم هناك السؤال الأصعب: هل يمكن تحويلها إلى مساواة اجتماعية (أي مساواة على مستوى الحياة اليومية)؟ تلك هي التساؤلات والتحديات الكبرى التي كان على ثورة أكتوبر أن تتصدى لها، وقد كانت الرهانات كبيرة.
إن المساواة السياسية والمدنية (civil equality) بين الرجل والمرأة بمثابة مساواة «نظرية» لم تصبح فعلية بعد. لكن في الوقت نفسه، من دون هذه المساواة النظرية لا يمكن لمسألة تحرر المرأة المضي قدماً باتجاه المساواة الاقتصادية والمساواة في الممارسة الحياتية الاجتماعية. وفي الحقيقة، كان أمام الدولة السوفياتية الفتية عمل كثير لتقوم به في هذا المجال: فإن نسبة المتعلمين على سبيل المثال في الاتحاد السوفياتي في فترة العشرينيات لم تكن تتجاوز 50% من السكان (أي أن نصف السكان تماماً كانوا من الأميين)، أما المتعلمات فكانت نسبتهم أقل من 36% من مجمل عدد النساء. أهالي الريف والمناطق النائية يشكلون حوالى 75% من سكان البلاد، حيث تعيش النساء ظروف تخلّف واستعباد وتأخر اجتماعي وثقافي شبه إقطاعي. أما بالنسبة إلى المناطق الآسيوية والشرقية، فيغدو الأمر أصعب وأقسى، حيث تعيش أغلب النساء ظروف شبه بدوية وبأساليب حياة عشائرية وقبلية بعيدات عن أي اتصال بالحضارة أو التمدّن. لقد كتب مكسيم غوركي، الأديب الروسي الشهير، يصف حياة المرأة الروسية في تلك المرحلة قائلاً: «إن المرأة في الريف كانت ولا تزال منذ قديم الزمان تتحمّل أعباء العمل الشاق الذي يستنزف قواها قبل الأوان. فهي في وقت واحد غسالة ومربية ماشية وخبازة ومربية أطفال وحائكة وخياطة وبستانية وطباخة... ويصعب تعداد كلّ «واجباتها المنزلية» التي تهبط بها هي الإنسان إلى مستوى الحيوان الأهلي الذي تقدر قيمته بأقل بكثير من قيمة الفرس مع أن الفرس تعمل بأقل بكثير من الفلاحة!».
انطلاقاً من هذه المعطيات، كان على القيادة الشيوعية التركيز على المسألة النسوية (feminist issue) في الاتحاد وإيلائها الاهتمام الكافي. ففي عام 1930 كان هناك ثلاث مجلات نسوية تصدرها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي مهماتها إطلاع العاملات والفلاحات على القضايا السياسية الرئيسية وعلى الحقوق الاجتماعية والاقتصادية الجديدة للنساء، وتعمم خبرات عمل المنظمات النسائية وتلقي الأضواء على الحركة النسائية العالمية.


كان الاتحاد السوفياتي
إثباتاً عملياً على أن قضية تحرير المرأة هي مسألة اشتراكية بامتياز


ومنذ عام 1925، شكلت اللجنة المركزية للسوفيتات ما عرف باسم «لجان تحسين عمل ومعيشة النساء» التي كانت مهماتها إشراك النساء في الإنتاج الصناعي والمؤسسات الزراعية، وتأمين الرعاية الاجتماعية (افتتاح رياض الأطفال وتحسين شروط السكن وفتح أبواب التعليم والصحة والطبابة). أما الدور الثالث والأهم، فهو زيادة نشاط النساء في الحياة السياسية والحكومية والمدنية من نقابات ومجالس منتخبة ولجان حزبية. لقد كان عدد النساء المشتركات في اللجان في عام 1925 حوالى 95 ألفاً، ليبلغ العدد حوالى 2,2 مليون بحلول عام 1933.
واحدة من أهم التوجهات الحزبية في السنوات الأولى للدولة السوفياتية كانت حول مكافحة البطالة بين النساء وبخاصة في المناطق الشرقية. وقد صيغت في عام 1925 مجموعة كاملة من قوانين العاملين تركز تحديداً على هذه المسألة. فمنعت تسريح الحوامل وتم إنشاء ما يعرف «بإجازة الأمومة»، ومنحت أفضلية للنساء اللواتي يملكن تأهيلاً مماثلاً لتأهيل الرجال ويمارسن العمل نفسه في حالات الاضطرار إلى التسريح أو الفصل من العمل. وقد لفت غوركي النظر في مقالة له لإحدى المجلات النسوية إلى الدور الثوري الذي تلعبه المراكز التجارية التي تهتم بشؤون الزينة والألبسة النسائية، إذ لأول مرة تتاح للمرأة الأوزبكية والكزاخية والأذربيجانية... إمكانية اختيار لباس خارج إطار الحجاب التقليدي المألوف.
لقد كان الاتحاد السوفياتي إثباتاً عملياً على أن قضية تحرير المرأة هي مسألة اشتراكية بامتياز. فعيد المرأة أساساً في 8 آذار، كان قد حدد من قبل المناضلة الاشتراكية الألمانية كلارا زيتيكن عام 1910 في المؤتمر الاشتراكي العالمي للعاملات. وبعد أقل من 50 عاماً على تأسيس أول دولة اشتراكية في العالم، كان الاتحاد السوفياتي يشغل المرتبة الأولى عالمياً من حيث عدد النساء المتخصصات في مجالات عليا، حيث تشكل النساء 31% من المهندسين الزراعيين و33% من المهندسين المدنيين و40% من الباحثين العلميين. أما في مجال الطب فقد بلغت نسبة النساء حوالى 70%. ومن بين مجمل الخريجين الحائزين على شهادات التعليم العالي بلغت نسبة النساء 52%. فقد تساءل غيفارا في إحدى زياراته إلى الاتحاد السوفياتي في ستينيات القرن الماضي «لماذا يوجد في الاتحاد السوفياتي هذا العدد الكبير من الطبيبات والمعلمات والمهندسات. في حين أنهن في البلدان المتطورة اقتصادياً فإن عددهن يشكل عشر العدد الإجمالي للمتخصصات في الاتحاد السوفياتي؟». بحسب دراسة لمعهد بروكنغز الأميركي صادرة عام 2004، فإن أجرة المرأة تبلغ حوالى 59% فقط من أجرة الرجل. في الوقت الذي نجد فيه أن الاتحاد السوفياتي حقق مساواة تامة في الأجور بين الرجال والنساء مع شروط تفضيلية لصالح المرأة في حال العمل المتساوي.
وفي عام 1982، حققت المرأة السوفياتية أعلى مستوى تمثيل سياسي لها على مستوى العالم حيث شكلت النساء حوالى 49,5% من نواب المجالس المحلية. أما في مجلس السوفيتات الأعلى (وهو أعلى سلطة تشريعية في البلاد) فقد وصل تمثيل المرأة إلى حوالى 32%، فقالت عالمة الاجتماع الفرنسية روزا سولليرو في خطاب لها: «هل تعلمن أيتها النساء في الاتحاد السوفياتي أنكن بالنسبة إلى العالم كله برهان على حق المرأة في المساواة؟ والآن عندما يقال للمرأة في هذا البلد أو ذاك أنها برغم جمالها وجاذبيتها يجب أن تعرف مكانها، أي يجب ألا تسعى إلى التعليم ويجب أن تقنع بالأجر غير المتساوي، فإنها تستطيع أن تجيب: انظروا إلى المرأة في الاتحاد السوفياتي!».
لعل دراسة التجربة السوفياتية في مجال تحرر المرأة مجدية جداً لنا اليوم نحن العرب. إذ يشير التقرير الإنمائي للأمم المتحدة الذي صدر في 2016 أننا تقريباً ننطلق من المستوى نفسه (!)، هل هذه التجربة ذات فائدة اليوم لنساء أحزمة الصفيح في مصر أو لنساء الريف المتخلف والبدوي والمهمل في تونس والجزائر والعراق وسوريا؟ إنه سؤال رهن الساعة للحركة النسائية العربية اليوم.
* كاتب سوري