جرى الترويج منذ مدّة، وبإلحاح وثقة كبيرين غالباً، لوعدٍ مفاده أن العماد الرئيس ميشال عون، سيقود عملية تغيير أساسية في البلاد، بعد وصوله إلى سدّة الرئاسة. جرى التأكيد مراراً، حيال أي مؤشر مغاير، بأن موقف الرئيس عون سيكون «غير شكل»، وأن ما يطلق من توجّهات من قبل تياره (ورئيس هذا التيار الوزير جبران باسيل بشكل خاص)، لا يعبّر، بالضرورة، عن موقف العماد عون.


نتناول هنا واقع أن بعض هذا الترويج، إنما يصدر عن أقلام أو منابر ذات انتماء يساري بهذا الشكل أو ذاك. وهو يقع في سياق قديم، ممتد ومتفاقم، من التعويل على أطراف في السلطة، قديمة أو جديدة، من أجل إحداث اختراق ديموقراطي ما (في مواجهة الطائفية والفساد)، في الجدار السميك لمنظومة المحاصصة الاقتصادية والسياسية المهيمنة بغطاء طائفي ومذهبي على البلاد والعباد. هذا التعويل يختلف عن محاولات مشروعة للاستفادة من تناقضات قد تقع بين أطراف المنظومة المذكورة.
بناء حسابات أو أوهام على إحداث تغيير ذي مغزى في النظام عبر آلياته أو أحد أطرافه، بمعزل عن حركة سياسية – شعبية مستقلة وضاغطة لهذا الغرض، ليس أمراً جديداً. يمكن لأيّ تقييم موضوعي أن يشير إلى أخطاء كثيرة اقتُرفت في هذا السياق منذ الاستقلال حتى اليوم. تفاقم هذا الأمر خلال العقد ونصف العقد الأخيرين ارتباطاً بتعمق وتوسُّع الصراع الإقليمي، وبتفاقم الاستقطاب والانقسام الداخليين المتفاعلين مع هذا الصراع على نحوٍ طَبَعَ، بحدّة، الحياة السياسية في لبنان. يمكن اعتبار الغزو الأميركي للعراق الصافرة الأعلى ضجيجاً في إطلاق هذه العملية بكل ما حملته، ولا تزال، من تداعيات يكاد يكون أبرزها الدور العسكري الروسي الناشط في المنطقة والمؤثر في مجرياتها على نحوٍ متزايد التأثير يوماً بعد يوم. يُضاف إلى الدور الروسي، طبعاً، صعود الدورين الإيراني والتركي.
مجموعة عوامل خارجية وإقليمية ومحلية ساهمت، هي الأخرى، في إضعاف القوى الوطنية اللبنانية وصولاً إلى تهميش حضورها بشكل شبه كامل. ينبغي التوقف ملياً، أيضاً، في هذا المجال، عند مسؤولية تلك القوى نفسها عن أفول دورها في المشهد السياسي اللبناني، وعن عجزها، برغم بعض المحاولات التي لم تستمر، عن إعادة بناء قدراتها وموقعها الخاص في ذلك المشهد. أدى ذلك إلى أن تتعرض بقايا أو فلول هذه الحركة لعملية استقطاب يوزعها طرفا الصراع الأساسيان. نشط، في مجرى هذا الوضع، أفراد أو مجموعات، بدوافع الوهم أو القناعة أو البحث عن دور خاص، من أجل تجميل مواقف وتوجهات القوى التقليدية. حصل ذلك بذريعة أولويات المرحلة أو الصراع، والتي حددتها كل جهة حسب سياساتها ومصالحها وارتباطاتها. ارتفع شعار التحرير والمواجهة و«الممانعة» من جهة، و«السيادة والاستقلال والحرية»، من جهة مقابلة. توزع يساريون كثر على خندقي النزاع، وعجز من تبقى منهم عن المحافظة على موقع مستقل فاعل. المعارك المتداخلة بعناوينها السياسية والاجتماعية والقومية والطائفية والمذهبية، اختُصرت بأولويات أخفت أكثر مما أظهرت. كان أكثر ما أخفته حقيقة المصالح الدولية والإقليمية الموجِّهة للصراع على حساب مصالح قومية ووطنية واجتماعية محدَّدة ومهمة، برغم أن الصراع السياسي كان، ولا يزال، كبيراً وأساسياً. الحلقة الأضعف كانت الحلقة الاقتصادية الاجتماعية، بروافعها وأذرعها المتنوعة والمتكاملة: الاستئثار من قبل الأقلية بالثروة (والسلطة أساساً). غياب البرامج التنموية. قمع واحتواء النضال المنظَّم، السياسي والنقابي. منع المشاركة والتعددية وحرية التعبير والتنظيم. إطلاق العصبيات سداً منيعاً في مواجهة بلورة تيارات شعبية وسياسية ونقابية مستقلة. هذا فضلاً، عن حالات كثيرة، في بلدان عديدة، جرى فيها استخدام التدخل الخارجي، الإقليمي أو الدولي، لقمع ومنع الاتجاهات المستقلة، ولو بالقوة العسكرية.

لا يؤدي هذا الاستطراد، الذي توسَّع من دون أن يغطي الجوانب المؤثرة كافة، إلى طمس أهمية تداخل العاملين الإقليمي والمحلي. وهو لا يقلِّل، أبداً، من حضور العناصر الما قبل عصرية في الذاكرة والتراث والهويات. هذه الأخيرة تعاظم تأثيرها بمقدار ما تمّت تغذيتها، وتمَّ التعويل عليها من جهات خارجية وإقليمية، لتحقيق أهداف تتكامل في إلحاق أضرار جسيمة بمصالح المنطقة وبشروط توحدها للدفاع عن تلك الصالح. كذلك بسبب غياب البدائل والمشاريع التقدمية والديموقراطية التي فقدت المبادرة والتأثير. كل ذلك يملي، حتماً، ضرورة النظر المعمّق في المآلات والمحصلات، وقبل ذلك، في الأسباب والإخفاقات والمسؤوليات.
بالعودة إلى ما كنا بدأنا به، لجهة الترويج لوعود التغيير محمولة على جناح هذا أو ذاك من أطراف السلطة، يجب وضع الأمور في نصابها بعيداً عن الأوهام أو الأحلام أو المصالح الصغيرة. في حالة «التيار الوطني الحر»، ليس لدى الرئيس عون وتياره وحلفائه الجدد أي هم إصلاحي يتخطى «إصلاح» التمثيل المسيحي. أعلن عون، منذ أيام، أنه حقق «المناصفة» في رئاسة الجمهورية وعدد من التعيينات، ويسعى لتحقيقها، حالياً، في السلطة التشريعية. يحصل ذلك حين ينتخب المسيحيون نوابهم بعيداً عن تأثير ممثلي المسلمين وأصوات ناخبيهم. هذا برنامج فئوي وليس برنامجاً عاماً. الإصلاح، استناداً إلى النص الدستوري (الذي يُعتبر احترامه جزءاً مهماً من الإصلاح)، محوره تحرير التمثيل السياسي والإدارة من القيد الطائفي. ذلك، فقط، يتيح بناء مواطنة صافية ومتساوية تشكل أساس وحده وطنية، ما زالت معطَّلة، إلى حدٍّ بعيد، بفعل الانقسام والتبعية اللذين هما وجهان لعملية واحدة تُضعف الدولة لمصلحة الدويلات، والمواطنة لمصلحة الهويات الطائفية والمذهبية، والسيادة لمصلحة الارتهان للخارج.
«المناصفة» في الدستور مؤقتة، يتم إثرها الانتقال فوراً إلى إلغاء الطائفية السياسية. أما الهواجس الطائفية، فأحالها الدستور على «مجلس شيوخ» يشكَّل لهذا الغرض (ولا يُضاف، كما تروج قيادة التيار العوني إلى التقاسم الطائفي القائم). ثم أن تكريس «المناصفة» الطائفية سينطوي على خلل كبير بسبب أن ثلث اللبنانيين أو ربعهم سيُمثلون بنصف المقاعد والمواقع، لن يوفر هذا الاختلال استقراراً من أي نوع. وسيكون فرضه، أو تغييره، مادة نزاع قد يتخذ، في ظروف متوترة، محلية أو إقليمية، صيغاً عنيفة، كما حصل مراراً في السابق.
على المقلب الثاني، تقدّم حركة الاحتجاج الشعبي، في محطاتها الراهنة والسابقة (في العقد الأخير خصوصاً)، صورة عن عملية مزدوجة وغير منسقة أو منسجمة في جانبها الموضوعي والذاتي. يتفاقم تردي الوضع بكل عناوينه، تتعطل المؤسسات. يستشري الشلل والفساد والفئوية والتبعية، ومع ذلك لا يجد المتضررون، وهم غالبية الشعب اللبناني، وسيلة ناجعة، لمواجهة الاعتداء على مصالحهم الأكثر مصيرية وحيوية. تصطدم حركة الاحتجاج المذكورة بالتشتت في مسائل أساسية: البرنامج وأولوياته وفق تفاهم ممرحل، الصيغ المناسبة القادرة على التفعيل والجذب والتأثير. لم يكن الأمر، في أي مرحلة سابقة، على هذا النحو من غياب المرجعية السياسية المعارضة ولو في حدودٍ دنيا. هذا أمر ملح، ويستحق كل متابعة وجهد من أجل اشتقاق صيغ جديدة، مناسبة وفعّالة.
* كاتب وسياسي لبناني