تكتسب السياسة الخارجية لبلد صغير مثل لبنان أهمية خاصة ومضاعفة، إذ أنه لا يمتلك بل يفتقد القدرات العسكرية الكافية للدفاع عن نفسه ودرء الأخطار أو التهديدات الخارجية، إلا أنه، وفي الوقت نفسه، يواجه الكثير من الصعوبات والمواقف الدقيقة أو الحساسة.


من هذا المنظار، تبدو الدبلوماسية اللبنانية الوسيلة الممكنة والخيار المتاح لبلوغ مقاصده وأهدافه من السياسة الخارجية المرسومة والمحدّدة. فمن هذه الزاوية التي تحيلنا على إدارة الشؤون الخارجية، تُعنى السياسة الخارجية للجمهورية اللبنانية، والتي تتوزع بين الحكومة التي ترسمها ووزارة الخارجية التي تنفذها، بالتصدي أو محاولة التصدي للعديد من القضايا أو الملفات التي تقابلها وتعترضها بما تشكله من أخطار وتحديات.
في الحقيقة، هناك الكثير من التحديات التي تنطوي على الكثير من المخاطر والمحاذير، والتي لا يمكن إنكارها أو تجاهلها، ولكننا سنكتفي في هذه المقالة بمقاربة أبرز هذه التحديات التي تعترض العملية السياسية في البلد، وكذلك تفرض نفسها على السياسة الخارجية للدولة، ولا سيما تلك التحديات التي استجدت في الفترة الأخيرة، والتي تبدو ملحّة، ولا يحتمل الشروع بالتصدي لها التأخير، أو ربما التلكؤ في المعالجة وإرجاء إدارة الملفات ذات الصلة.
ومن هذه التحديات أو الملفات التي تفرض نفسها على أجندة السياسة الخارجية اللبنانية وجدول أعمال الدبلوماسية اللبنانية ظاهرة الإرهاب ومكافحته، ومسألة النزوح أو اللجوء من سوريا إلى لبنان، والمقصود اللجوء الكبير والعشوائي بالتحديد. فانتشار أو تصاعد الإرهاب وتفاقم أزمة اللجوء أو النزوح السوري هما قضيتان مستجدتان، ولكن ملحتان أيضاً، ولا بد من الإحاطة بهما بكل جدية، وبحزم ومرونة في الوقت نفسه، والتعامل معهما بروح المسؤولية الوطنية.
كما يمكن أن نعرج على قضية الصراع المستمر مع إسرائيل أو الحرب المفتوحة معها، وإن كانت قضية مزمنة وقائمة، إلا أنها لم تنته، كما أن مقاربتها تبدو مفيدة وضرورية، في معرض الحديث عن الأخطار والتحديات بالنسبة إلى لبنان وسياسته الخارجية، ذلك أن مواجهة العدو الإسرائيلي، بكل السبل والأدوات والأساليب، العسكرية منها والسياسية والدبلوماسية، تبقى مسألة ملحة وحتمية. كذلك يقودنا البحث في التحديات الخارجية للدولة اللبنانية ودبلوماسيتها الرسمية أو الحكومية إلى الإشارة إلى أهمية مسألة الثقة الخارجية والنظرة الخارجية إلى الدولة اللبنانية كما الموقف منها، فهي تبدو مسألة أساسية وإشكالية، ولكنها تشكل، بطبيعة الحال، المدخل أو الممر الإلزامي أو الرئيسي للسياسة الخارجية اللبنانية ودبلوماسيتها إلى المجتمع الدولي والشرعية الدولية.
إذاً، من أبرز التحديات المستجدة والملحة، أو بالأحرى الأخطار المحدقة بالبلد، والتي تفرض نفسها بشدة وتلقي بثقلها على السلطة السياسية أو الحكومة، ظاهرة انتشار الإرهاب السريع وتصاعده الدراماتيكي في المنطقة وفي أنحاء العالم كافة في هذه اللحظة السياسية والتاريخية. لقد أصبحت هذه المسألة، والمقصود قضية الإرهاب الدولي، ومنه ما صار يُعرف بالإرهاب التكفيري، مادة أساسية للنقاش السياسي والتحليل الفكري بين النخب السياسية والفكرية ولدى دوائر القرار، على المستويين المحلي والعالمي، كما في الأروقة الدبلوماسية وفي كواليس السياسة الدولية.
فالإرهاب الذي نشهد مؤشراته أو إرهاصاته المروعة وغير المبررة في العديد من أصقاع الكرة الأرضية بصورة عامة، وفي الجوار العربي والسوري بصورة خاصة، أمسى منذ مدة يهدّد بشكل جدي وفعلي الدولة اللبنانية في وجودها وأمنها واستقرارها وبقاء شعبها واستمرار مؤسساتها، وهو الأمر الذي بات يستلزم التحرك العاجل، غير المتسرّع وغير المتردد في الوقت ذاته. والإرهاب الذي نتحدث عنه لا تقتصر مظاهره وتجلياته على ما نشهده من أعمال ممنهجة أو أفعال منظمة، كالقتل والتهجير للجماعات والأشخاص أو الأفراد والتخريب والتدمير للدول والبنى والمؤسسات، من حولنا وفي الخارج، بل إنه يحيلنا كذلك على بعض البؤر الأمنية والحالات الشاذة في الداخل، وما بات يُعرف بالبيئات الحاضنة لها، والتي يجب التعامل معها بطريقة منسقة وبشكل حاسم، وعلى قاعدة المبادرة الوقائية أو الاستباقية التي تتخطى حدود الإجراءات الدفاعية التي قد تكون وحدها غير كافية، أو ربما غير مجدية ومتأخرة. فمن أبرز أهداف السياسة الخارجية اللبنانية، في الحقبة المعاصرة وفي المرحلة الراهنة، مكافحة أو محاربة الإرهاب، الأمر الذي يجعل الدبلوماسية اللبنانية تتقاطع وتتكامل بشكل طبيعي ومنطقي مع الاستراتيجية الوطنية للدفاع العسكري، لكونهما مجالين متصلين وغير منفصلين من السياسة العامة للحكومة اللبنانية.
من هنا، تتجه الدبلوماسية اللبنانية، أو ربما ينبغي بها أن تتجه، إلى الاتصال بالمجتمع الدولي وتكثيفه، وخاصة القوى الدولية العظمى والكبرى، وكذلك منظمة الأمم المتحدة، وغيرها من الأطراف أو المنظمات الدولية بقصد التباحث في هذا الموضوع، والعمل بشكل سريع وفعّال على التصدي لهذه الظاهرة المستفحلة والمتفاقمة. بهذا المعنى، يُفترض بالدبلوماسية اللبنانية أن تساهم في مختلف المبادرات والأفكار والخيارات الدولية المطروحة أو المقترحة لمواجهة الإرهاب، وألا تقتصر مساهمتها على الحضور الشكلي، البروتوكولي أو الفولكلوري، في المحافل أو المؤتمرات الدولية في هذا المجال، وإنما المشاركة أيضاً في وضع التصورات والمخططات وتنفيذهما، وحثّ الدول والمؤسسات الدولية على المتابعة والعمل البناء، ومطالبتها بتحمّل كامل مسؤولياتها وبذل الجهود في مجال مكافحة الإرهاب، وخاصة عندما يتعلق الأمر بلبنان والتهديدات أو الأخطار الحقيقية والداهمة التي يواجهها، على أن تندرج كل هذه الخطوات والمحاولات في إطار الحرب أو الحملة الدولية المفترضة على الإرهاب.


يقودنا البحث في التحديات إلى الإشارة إلى أهمية مسألة الثقة الخارجية


ومن بين التحديات التي يمكن بل يجب أن نشير إليها ونتناولها، مسألة النزوح أو اللجوء السوري، والتي تبدو في غاية الأهمية وبالغة الخطورة، والمقصود، كما أوردنا في ما تقدم، اللجوء الكبير والكثيف والعشوائي للعديد بل الكثير من السوريين إلى داخل الأراضي اللبنانية في السنوات الأخيرة، وذلك على خلفية اندلاع الأحداث السياسية والعسكرية في سوريا، ونتيجة تدهور الأوضاع الإنسانية والأمنية فيها. لقد أحدث لجوء السوريين إلى لبنان، بفعل الحرب القائمة في سوريا واستمرارها، صدمة عميقة وأزمة متعددة الأبعاد، بالنظر إلى الأعداد الكبيرة من الذين اضطروا للمغادرة والمجيء إلى لبنان، والتي فاقت كل التوقعات والتقديرات، وبالتالي الأعباء المترتبة على الصعد المعيشية والاقتصادية والمالية والأمنية كافة. فالدولة اللبنانية بإمكاناتها ومواردها، وببنيتها التحتية وواقعها المالي الاقتصادي، غير قادرة، بطبيعة الحال، وبكل صراحة، على استيعاب وتحمّل هذا التضخم الكبير والمطرد في مسألة النزوح واللجوء غير المنظمة وغير المنسقة، مع ما يعنيه كل ذلك وما يستلزمه من تأمين خدمات ومساعدات وتلبية احتياجات ضرورية ووضع وتنفيذ مشاريع وبرامج للمساندة والدعم والمتابعة.
إزاء هذا الواقع الذي استجد، وكانت له مترتبات بالغة الخطورة على الساحة الداخلية والحياة السياسية في البلد، إن لناحية استقرار الوضعين الأمني والسياسي، أو لجهة المحافظة على التوازن الوطني والداخلي بالمعنى الديمغرافي، تصبح الدبلوماسية اللبنانية معنية، في الوقت الراهن وفي المستقبل القريب والمنظور، وفي انتظار زمن الحلول والتسويات السياسية في سوريا، بالبحث مع المجتمع الدولي، والقوى أو الأطراف الدولية المؤثرة فيه والمعنية، إن بالمسألة اللبنانية أو بالمسألة السورية، في التخفيف من حّدة أو وطأة هذه الأزمة الوطنية والإنسانية وإشراك الدول والمنظمات الدولية وغيرهما في تحمل هذا العبء الثقيل الذي يرزح تحته لبنان، باقتصاده وبنيته التحتية، والعمل بشكل جدي على إيجاد حل جذري ونهائي لهذه المشكلة السياسية والأمنية عبر تأمين عودة السوريين إلى داخل أراضيهم، وخاصة الأماكن أو الأجزاء المستقرة، في أقرب فرصة سانحة.
ربما تجدر الإشارة كذلك، في إطار الحديث حول التحديات الراهنة أو المرتقبة للدبلوماسية اللبنانية، إلى مسألة ضرورة العمل أو السعي لاستعادة ثقة المجتمع الدولي بالدولة اللبنانية، أو ربما إعادة بناء هذه الثقة الخارجية، على الصعيدين الدولي والعربي، بعد ملء الفراغ في سدّة رئاسة الجمهورية. ذلك أن الحالة العامة التي سادت في البلد، في ظل الفراغ الرئاسي ونتيجة له، أصابت العملية السياسية والديمقراطية، بل طالت الحياة السياسية بمجملها، وانسحبت سلباً على سير عمل وأداء مختلف المؤسسات السياسية والدستورية، ومنها وزارة الخارجية والسلك الخارجي، إلا أن انتخاب رئيس للدولة اللبنانية من شأنه بطبيعة الحال تحفيزها وتمكينها، وتثبيت مسألة الشرعية السياسية والدستورية، في الخارج كما في الداخل على حد سواء، ومن منظار المجتمع الدولي والشرعية الدولية التي يمثلها بالتأكيد، وبالتالي دفع عجلة السياسة الخارجية وتعزيز الدبلوماسية الرسمية أو الحكومية للدولة اللبنانية.
في هذا المضمار بالتحديد، يكمن دور الدبلوماسية اللبنانية في تأكيد الحضور اللبناني وتفعيله في المجال الدولي، أو لنقل في الفضاء الخارجي، لا سيما في الوسطين العربي والإقليمي، حيث تراجع موقعها في السنوات القليلة الماضية، وفي تحسين المكانة أو الصورة الخارجية للدولة، والتي انحسرت وساءت في هذه الفترة المنصرمة نفسها. كما أن المطلوب، من باب التمسّك بانفتاح السياسة الخارجية للدولة اللبنانية والتأكيد على دور الأخيرة الرسالي والتاريخي والحضاري، تكثيف التواصل الخارجي وصقله، وخاصة مع العالمين العربي والغربي، وأن تستعيد الاتصالات الخارجية ديناميكيتها الطبيعية، وأن تستكمل من حيث توقفت أو تعثرت، وأن يعاد وصل ما انقطع مع الجميع.
كما لا يسعنا، لدى الحديث أو البحث في التحديات أو الأخطار الخارجية التي تتهدد الدولة اللبنانية، سوى الإشارة إلى قضية الحرب أو الصراع مع إسرائيل والوقوف عندها أيضاً، حتى وإن كانت هذه المقالة تُعنى في الأساس بمقاربة ومناقشة التحديات المستجدة والملحة للسياسة الخارجية أو الدبلوماسية اللبنانية، ذلك أن قضية العداء التاريخي والاستراتيجي، وكذلك الأيديولوجي، بين لبنان وإسرائيل، ليست قضية جديدة أو مستجدة، ولكنها كانت ولا تزال قضية وطنية ملحّة بامتياز، تطال المصلحة الوطنية العليا وتمسّ الأمن الوطني أو القومي؛ وتبقى حالة الحرب المفتوحة أو الصراع المستمر مع إسرائيل القضية المركزية والأساسية في السياسة الخارجية كما في الاستراتيجية العسكرية أو الدفاعية للجمهورية اللبنانية، والتي يُفترض أن تتمحور حولها وتتركز عندها دبلوماسية الدولة اللبنانية.
لذا، لا بد من التأكيد على أن الدبلوماسية اللبنانية يجب أن تكون، إن من حيث التصور أو الموقف المبدئي أو من حيث الأداء العملي والممارسة الفعلية، بمستوى هذه القضية المصيرية والاستراتيجية والتهديدات أو المخاطر المتمخضة منها، ذلك أن من أبرز أهداف السياسة الخارجية اللبنانية ومقاصدها، في هذا الصدد، الالتزام باستقلال لبنان وسيادته والدفاع عنهما وحماية البلد من العدو الإسرائيلي ومنع العدوان على أرضه وشعبه ومؤسساته ومواجهة الأطماع أو الأخطار الإسرائيلية، ما يحتم على الدبلوماسية اللبنانية إجراء الاتصالات الخارجية، وتعبئة الجهود الدولية بقصد الضغط على إسرائيل، والتحرك في المحافل العالمية والإقليمية لعرض القضية اللبنانية وشرح وجهة النظر اللبنانية أو الموقف اللبناني منها، وكذلك المطالبة بالحقوق اللبنانية، كما التركيز على الانتهاكات بل الارتكابات الإسرائيلية.
استناداً إلى كل ما تقدم، تتجلى واضحة الإرهاصات الأولى والمحدّدات الأساسية للدور الحالي والمستقبلي للدبلوماسية اللبنانية في المساهمة أو المشاركة في الحرب على الإرهاب ومكافحته، وفي إدارة ملف اللجوء أو النزوح السوري إلى الأراضي اللبنانية، وفي التصدي لقضية استمرار حالة الحرب أو الصراع المفتوح مع إسرائيل، كما في استعادة الثقة الخارجية، على أن تتولى وزارة الخارجية أو الحكومة اللبنانية عملية إعادة تكييف الرؤية الاستراتيجية، الراهنة أو المعاصرة، للسياسة الخارجية للجمهورية اللبنانية مع الأوضاع القائمة والظروف المستجدة.

* أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية