الفكر الإسلامي، بعيداً عن التعريفات الجاهزة من قِبَل الفلاسفة وأهل المنطق وما يحوطه من أبعاد وتجليات تاه فيها كثيرون، ليس هو إلا انعكاساً لما بذله علماء الإسلام ومفكروه ومثقفوه المتنورون من أجل إبقاء النظرة الإسلامية الأصيلة لقضايا الإنسان والحياة حيّة وفاعلة، مرتكزة إلى أساس توحيدي سليم، تتمحور حولها كل الاندفاعات والنشاطات الإنسانية، وتنشط بهديها كل السلوكيات التي تملك في طبيعتها حافزاً تغييرياً على الدوام نفتقدها في عالم اليوم المليء بالانشدادات إلى المظاهر المادية في كل شيء، ومقاومة هذه الانشدادات ضرورية لإعادة بوصلة اللحظات المشبعة بالقيمة الفكرية إلى أصالتها.


إنَّ الفكر الإسلامي في كل صوره هو عبارة عن محاولات حثيثة لاقتناص اللحظة الإبداعية عند الإنسان كي يعرف نفسه وصولاً إلى معرفة ربه، معرفة النفس بكل قواها وموازينها المعنوية والشهوانية، وما فيها من قدرات تعكس إرادة الله وحضوره حتى تندفع الروح خارج حدود الأنا وتقاوم سطوة الذاتيات والعصبيات التي تشدنا إلى عالمٍ أرضي جشع تتحكم فيه السياسة الوسخة وألعاب الأقوياء القذرة ومصالحهم.
لم تكن قضايا الفكر الإسلامي من معارف ومثاليات وفنون إلا تمثّلات لاشتياق كبير مركوز في النفس العربية لتعبّر عن ذاتها في ظل نوازع الحسّ المشترك الذي قسى ويقسو على الفرد ويصادر إرادته ووجوده لصالح عادات وتقاليد وطقوس تجذّرت إلى درجة القداسة التي لا تقبل نقاشاً وتحاول أن تتمركز دوماً دونما ملل حول ردة الفعل والانفعالية المعطلة لاستشراف المستقبل وقراءة الحاضر بما يدور فيه بوعي مكتمل العناصر والرؤية.


من أبشع أنواع الأنانيات التي
توقف تقدمنا رفضُ الاعتراف
بالضعف أو العجز

لا يزال هذا الحسّ المشترك المريض مستمراً اليوم، حيث تبقى سطوته أكبر بكثير من نزعات فردية تقاومه رافضة وسمها بالانحراف والكفر والخروج من الملّة أحياناً كالذي حصل مع علماء ومراجع ومفكرين قديماً وحديثاً.
هذا الحس المشترك يستصرخ أصحاب الضمائر أن تستيقظ لترى فعلاً ما جرى ويجري حولها وإلى أين وصلت الغربة عن الذات والدور والمسؤوليات؟!
إن من أبشع أنواع الأنانيات التي توقف تقدمنا رفض الاعتراف بالضعف أو العجز أو القصور في مسائل فكرية ودينية وتاريخية، حيث الاكتفاء بإرضاء ذاتياتنا وإلهائها وتخديرها بعناوين وشعارات وطقوس غير مجدية، ولا تملك قابلية التأثير الإيجابي في دفع القيمة وإنتاجها وتجذيرها في الواقع الذي يدفع ثمن غياب الإرادة واستلابها ومصادرتها للعبثية والسطحية فيما التعقّل غائب كلياً عن الساحة، في وقت عليه أن يكون اللاعب الأساسي في بناء شخصية تمارس فعل الكرامة البشرية، أي التفكير كنوع راقٍ يعبِّر بأصالة عن حضور الإنسان المتعدد، فأين شعارات الوحدة الإسلامية وأين المكاشفات والمصارحات وقنوات الحوار المنتجة والعملية بين التسنن والتشيع في ظل استعار الخطاب المذهبي من هنا وهناك وخراب العالم الإسلامي لصالح القوى الظلامية؟
فالهبوط في سلّم القيم إلى الحضيض الذي يرضي شهواتنا ويشبع أنانياتنا، أضحى منتشراً ومسيطراً بقوة في دنيا تسليع الإنسان وجعله أداة يترجم عبرها الآخرون فهمهم ونزواتهم ومصالحهم وحساباتهم، حتى في الوسط الذي يعتبر نفسه دينياً هناك مستغلون للسذّج والبسطاء يحاولون اغتيال عقولهم ودغدغة مشاعرهم الإيمانية الملتهبة من دون أن يقدموا لهم قيمةً ومعنى. وبدل أن يرتفعوا بهم من الهمج الرعاع إلى المتعلم على سبيل نجاة، ــ كما أشار إلى ذلك أمير المؤمنين علي (ع) في خطبة له ــ، أمعنوا في إبقائهم في فئة الهمج الرعاع، وكذلك الأمر نفسه في بعض العوالم السياسية والثقافية والإعلامية.
هناك ثوابت فكرية إسلامية ترتكز إلى التعقل كقوة مقاومة للخنوع والخضوع لأهل الزمن الذين يبنون العقل الجمعي ويوجهونه لمصالحهم وحساباتهم، وهذه الثوابت لا بد من إظهارها والتأكيد عليها من خلال تضافر الجهود من أجل إنتاج جيل يحمل فعلاً همّ الفكر والوجود الفاعل والمؤثّر (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ــ الرعد: 11، وفي آية أخرى (كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون) ــ البقرة: 242، جيل يُحسن تعلم قرآنه وبخاصة فهم روح الوحدة التي تنطلق من الفرد لتعم العالم وبذلك تُلغى كل الحدود والحواجز عندما نصل إلى معايشة فكرة التعارف، يقول تعالى: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير» -الحجرات:13 ــ وتطبيقها شعورياً وسلوكياً بحيث تلتقي كل الطاقات وتتمازج كل الإبداعات في سبيل تغيير وجهة الحياة بأكملها نحو الأفضل بما يحفظ وتيرة كدح الإنسان إلى ربه وما يفرضه ذلك من عمل لمعالجة الخلل والعيوب والانطلاق نحو التقدم على الصعد كافة، أليس ابتعادنا عن فلسفة التعارف الحقيقة المستوجبة للتخلي عن الأهواء والمطامع والحسابات والداعية للسير في طريق التحضر والتواصل الفعلي مع قضايا الوجود من أسباب تقوقعنا وتراجعنا وانسحاقنا؟!
كذلك صنع جيل يتقن حمل فكره الإسلامي بعيداً عن التحيّز والتأطّر ووراثة العصبية المذهبية البغيضة التي تصنع دماراً متنقلاً، وهذا ما لا يمكن تحقيقه في ظلّ شدّ العصب المذهبي، فالواقع يشي بكثير من التعقيدات النفسية والفكرية والتاريخية التي يجرى تأسيس الخطاب عليها وذبح الحقيقة بسيفها.
هناك من يعبّر صراحةً ويتفاخر بمظاهره المرضية محاولاً استئصال أو بتر أية فرصة للنهوض أو مواجهة التقهقر عبر خطابات الإلغاء والتطرف والتكفير، ممنياً النفس بالعودة إلى زمن الخلافة المشرق، فعن أية إشراقات يتحدث ويدّعي إذا كان ثمن ذلك أرواح الأبرياء وتغييب الحق وخراب العالم وتدميره؟!
حتى في زمن الخلافة الإسلامية الأولى لطالما جاهد المخلصون من أجل إبقاء روح الإسلام على قيد الحياة أمام غطرسة الأنا المريضة، محذرين من ضياع الارتباط الحي مع الوحدانية في تمظهراتها الغنية وتجلياتها الصافية التي تريد إنساناً نظيف الفكر والشعور للتفاعل مع انعكاساتها المتدفقة روحياً وشعورياً ومعنوياً، ولكن الأنا المستفحلة طغت وظلمت وأنجبت أكبر فاجعة للتاريخ الإسلامي عبر إثارتها للحروب والنزاعات ونشرها للفتن والفوضى باسم الإسلام والتقوى كما يقول المفكر علي شريعتي: «عندما يلبس الظلم رداء التقوى تولد أعظم فاجعة»، واليوم كم من ظلمٍ يُمارس باسم التقوى في مجتمعاتنا»؟!
وكأن الوقت لم يحن بعد لننسى آلامنا، ونطفئ انتقامنا، ونقلع كراهيتنا وصولاً لتناسي عيوب الماضي، فنحن أمام مشهد محزن عندما لا نعي أهمية الوقت في تحويل الذات إلى قوة متغلبة على قساوة الحياة متمردة على قيودها، فإما لا نفهم ما يعنيه الوقت، وإما نجعل من امتداد الزمن امتداداً لغطرسة الأنا. قال يوماً الفيلسوف ابن سينا: «الوقت يُنسي الألم ويطفئ الانتقام ويبلسم الغضب ويخنق الكراهية، فيصبح الماضي كأن لم يكن».
الفكر ينشط عندما تدفع الروح المخلصة الصافية إلى أن يكون صاحبها خارج حدود الأنا ينظر إلى عظيم دوره ومسؤولياته في إعادة تشكيل الحياة كما ينبغي.
والسؤال المطروح بقوة، هل سنظل نحب ذاتنا حتى نفني العالم وأنفسنا، أم سنتخلى عن حب الذات ونكتب تاريخ العالم الذي يليق بأبنائه بالفكر المنفتح والمبدع الذي يعيد النهوض بالحياة ويرميها في حضن الزمن الجميل والمشرق؟!
ونختم بما قاله القديس أغسطينوس يوماً: «إن تاريخ العالم صراع بين شكلين من الحب، حب الذات حتى فناء العالم، وحب الآخرين حتى التخلي عن الذات».
* كاتب لبناني