لا يعلّق اليسار في بريطانيا أيّ آمال على الخروج من الاتحاد الأوروبي، ويكتفي بمطالبة الحكومة اليمينية التي تقودها تيريزا ماي بالالتزام بحقوق الشعب البريطاني أثناء التفاوض مع قادة الاتحاد الأوروبي على «البريكست». يمكن اعتبار ذلك «واقعية سياسية» كون اليسار اختار منذ البداية معارضة الخروج، والعمل على مقاربة تزاوج بين الدعوة إلى البقاء بشروط أفضل لبريطانيا والالتزام بالمكتسبات التي تحقّقت من خلال هذه العضوية في حال نجاح الداعين للخروج.


وهو ما حصل بالفعل، حيث تتمحور معظم مطالب اليسار - الذي يقوده حزب العمال بزعامة جيريمي كوربين - الآن حول الآلية التي يجب اتباعها للحفاظ على وتيرة في النمو تكون محفّزة لقطاع الأعمال، ولا تجبّ في الوقت ذاته المكتسبات التي تحقّقت للطبقتين الوسطى والفقيرة طيلة فترة عضوية بريطانيا في الاتحاد. لا يبدو الحزب هنا معنياً بنقاش الآليات غير الديمقراطية التي أُُدير بها الاتحاد الأوروبي وأفضت بالإضافة إلى أزمة «البريكست» إلى إفلاس عدد من بلدان الجنوب الأوروبي (اليونان، البرتغال، اسبانيا... الخ) عبر إغراقها بالديون وفرض وصفات تقشّف قاسية عليها. وهذه مشكلة يتعيّن عليه مواجهتها قبل الشروع في نقاش الانعكاسات الداخلية للخروج كونها تقيم فصلاً تعسفياً بين السياسات الأوروبية المُتّبعة والمشاكل الاقتصادية التي تنشأ داخل الدول بفعل الإذعان لهذه السياسات. وفي حالة بريطانيا فإنّ النقاش الداخلي نفسه يصبح متعذّراً في حال عدم التطرّق كما يجب لمسؤولية السياسات الأوروبية النيوليبرالية عن صعود اليمين المتطرف الذي قاد حملة الخروج في البلاد، ونجح بفعل هذا التجاهل في تصوير الأمر على أنه انعكاس لسياسات الهوية بدلاً من وضعه في سياقه الفعلي والذي هو اقتصادي أساساً وغير متعلّق حصراً بمسألة الهجرة واللجوء.

حضور اليسار

عدم الربط بين الأمرين أفضى إلى دعم وجهة في النقاش تؤكّد مسؤولية اليمين الحاكم في الوصول إلى «البريكست»، ولكن ليس بالاعتماد على أدوات منطقية في التحليل. هكذا، غَلَبَ على النقاش في غياب اليسار أو في تأخرّه عن الربط بين الوجهتين الداخلية والإقليمية عنصر الانقسام الاجتماعي، وسادت لغة تردّ كل ما حصل إلى فشل الحكومات المتتالية في إدارة عمليات «الاندماج» سواء بالنسبة إلى المهاجرين أو إلى الأقاليم المطالبة حديثاً بالانفصال، وبالتالي تهمّش النقاش الفعلي الخاصّ بسياسات التقشّف لمصلحة وجهات تؤكّد على المنحى الانقسامي الذي يقوده اليمين المتطرف. في هذا الجو، وبعد تراجعٍ مديد اختار اليسار بقيادة جيريمي كوربين التأكيد على مركزية المسألة الاقتصادية الاجتماعية في إدارة عملية الخروج، رابطاً بينها وبين الحفاظ على تراكم لا يصبّ فقط في مصلحة الأثرياء وأصحاب الرساميل. هو لم يَعمَد بفعل «خطأ في التقدير» إلى مناقشة مسؤولية المؤسّسات الأوروبية عن تعميم سياسات التقشّف والاقتطاع من المدخّرات على القارّة، ولكنه كان واضحاً لجهة تحميل حزب المحافظين بقيادة كاميرون ثم تيريزا ماي حالياً مسؤولية ترك الطبقات الفقيرة تتدبّر أمرها بنفسها. في مداخلاته المتعدّدة داخل مجلس العموم يؤكّد كوربين على أهمية حصول تراكم اقتصادي تنحاز فيه الدولة إلى الطبقات الأكثر فقراً وتهميشاً، وهي وجهة معاكسة تماماً لعمل حكومات المحافظين التي دأبت على تقييد وصول هؤلاء إلى الثروة، عبر الاقتطاع من مدخّراتهم وإغراقهم بالضرائب غير المباشرة، وبالتالي دعم وجهة معينة في التراكم لا تخدم مصلحة أغلبية البريطانيين. يقول كوربين عن هذا الأمر في نقاش مع رئيسة الوزراء حول الاقتطاعات من موازنات المدارس: «اقتطاعات الحكومة الخاصة بالمدارس هي خيانة لأجيال من أطفالنا، إذا كانت رئيسة الوزراء محقة فهذا يعني أن الأهالي والمعلمين على خطأ، مكتب المراجعة الوطنية على خطأ، معهد سياسات التعليم على خطأ، والآن لجنة الحسابات العامة، بما في ذلك ثمانية أعضاء محافظين فيها، هم أيضاً على خطأ، إذاً أيُّ منظمة هي التي تدعم وجهة نظر رئيسة الوزراء في الإنفاق على التعليم داخل مدارسنا؟». سياسة الاقتطاع من موازنات التعليم التي انتقدها كوربين في مداخلته هي الوجه الآخر للزيادات المتكرّرة على أقساط الجامعات والتي تواترت كثيراً خلال ولاية ديفيد كاميرون، وتسبّبت إلى جانب الاعتراض على سياسات التقشّف والحدّ من الإنفاق الاجتماعي في المأزق الذي دفع برئيس الوزراء المحافظ حينها إلى محاولة تجديد شرعيته عبر طرح موضوع الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي. وهو ما يفعله اليمين باستمرار حين تتسببّ سياساته الاقتصادية بإفقار على نطاق واسع، وبحرمان طبقات كانت مستفيدة من عملية التراكم من حقّها في الوصول إلى خدمات تُعتبر في دولة رأسمالية كبريطانيا، أساسية.

مراقبة «البريكست»

من هذا المنظار الذي يؤكّد حصول تراكم اقتصادي يصبّ في مصلحة الطبقات الأكثر حرماناً دُعمَت حملة البقاء في الاتحاد الأوروبي، على أساس أنّ توسّع السوق الأوروبية وإدماج بريطانيا فيها من موقع مستقلّ سيسمح للدولة في حال وصول اليسار إلى قيادتها بتنظيم عملية دخول الرساميل وخروجها، بحيث يحصل تراكم يصبّ في مصلحة أوسع شريحة ممكنة من البريطانيين. ومن هنا يأتي كلام جيريمي كوربين الدائم عن دعم الاستثمار في الصناعات ذات التقنية العالية والصناعات الصديقة للبيئة. لكن اليسار من موقعه في المعارضة لا يستطيع إلا المراقبة ومساءلة الحكومة اليمينية على سياساتها، وهذا يعني أن دعوته إلى البقاء ستخفق في الحالتين، وستترك المجال للحكومة أن تستفيد من ثمرات الخروج والبقاء معاً. حالياً يحاول كوربين تفادي هذا المأزق عبر إدارة نقاش في مجلس العموم لا يسمح للحكومة بأن تقرّر وحدها سبل الخروج من الاتحاد الأوروبي، ويتزامن ذلك مع بروز معالم تحالف ينشأ بين الحكومة اليمينية وأوساط الأعمال التي ستستفيد من الإعفاءات التي يقترحها المحافظون لتشجيع الرساميل المحلية على «الاستثمار في الداخل» بعد انسحابها من السوق الأوروبية. عن ذلك يقول كوربين في نقاش داخل مجلس العموم:
«... بريطانيا سوف تتغير كنتيجة للخروج من الاتحاد الأوروبي، السؤال هو كيف؟ لدينا المحافظون الذين يريدون استخدام الخروج («البريكست») لتحويل هذا البلد إلى جنة ضريبية للأثرياء. وفي مواجهة ذلك العمال مصمّمون على الاستثمار في المهارات العالية، الصناعات ذات التقنية العالية، المستقبل الذي يضمن للأفراد حياة جيدة. وكلّ ذلك من أجل إعادة بناء بريطانيا وانتقالها، بحيث لا يُترك أي مجتمع أو فرد في الخلف». هو لا يريد من مساءلة الحكومة بهذا الشكل منعها من إتمام عملية الخروج، بل على العكس، يريد لهذا الخروج الذي كان يعارضه بشدّة أن يحصل «بسلاسة»، وبطريقة تضمن عدم ذهاب منافعه إلى المصالح الرأسمالية الطائلة التي تقف خلف حكومة المحافظين.
الطريقة الوحيدة لفعل ذلك هي الدفاع المستمرّ عن المكتسبات التي تحقّقت للمواطنين في فترة العضوية، وإجبار الحكومة على تبنيها وعدم التخلي عنها أثناء التفاوض مع الاتحاد. ومن هنا يأتي تبنّي حزب العمال بقيادة كوربين للفكرة الجدلية القائلة ببقاء بريطانيا داخل السوق الأوروبية المشتركة بعد خروجها من الاتحاد. ثمة استحالة لفعل ذلك في ظلّ التغيرات التي طرأت على عملية التراكم الرأسمالي في أوروبا والعالم، ولكنها وجهة نظر يدافع عنها حزب العمال ويرى أنها كفيلة بحصر الأضرار الناجمة عن عملية لم يكن يريدها أساساً.
* كاتب سوري