لا أكشف سرّاً إذا قلت لك إن القوميين الاجتماعيين ـ وأنا منهم ـ يتابعونك في «الأخبار» ويقرأونك ويحترمونك ويقبلون نقدك وانتقادك لأفكارهم وتحالفاتهم وسياساتهم لأنها انتقادات خارجة من قلم مفكر لا يُضمر لهم ولحركتهم إلا التقدم والنجاح في تحقيق غايتهم/غايتها.


ولا أخفيك أن جميع من قرأوا مقالك في «الأخبار» ، في 11/3 الماضي، كانوا «مأخوذين» إيجابياً بالمقال، وأثنوا على ما جاء فيه من نقد لسياسات الحزب وتحالفاته المحلية وعلاقته بالنظام الشامي وسائر الأنظمة العربية. مع ذلك، سأتوقف عند مجموعة من الأفكار التي أثرتها فيه. ولكن دعني أقول لك، أولاً، إن مقالك ليس «تطفلاً» على شؤون الحزب من خارجه كما تخشى، لتهذيبك العالي، أن يكون، فقد استعان سعاده نفسه بأصدقاء كثر من خارج الحزب في مهام حزبية دقيقة (الدكتور أنيس فريحة، أستاذ مادة الحضارات القديمة في الجامعة الأميركية، لتصويب مناهج الدراسة في الجامعة بما يتلاءم ودعوة سعاده إلى القومية السورية، الأديبة سلمى صائغ لنقل تعليماته من داخل السجن إلى قيادة الحزب في الخارج، عامي 36 و37، والدكتور صبري القباني مؤسس مجلة «طبيبك» إبان المفاوضات مع حسني الزعيم، في دمشق، حول الثورة القومية في لبنان في صيف 1949،... ألخ). وقد سمح سعاده للكاتب القومي، من أصول مغربية، أحمد شومان، أن ينتمي إلى الحزب بعد أن منحه الجنسية السورية، وقد صار شومان من أعلام الحزب الكبار، وترأس وفداً حزبياً إلى القاهرة، بعد قيام الثورة المصرية، لتهنئة عبد الناصر ورفقائه بانتصار الثورة.
أثرت في النقطة الأولى من مقالك ما وصفته بالإفراط عند القوميين في «عبادة الشخصية»، والمقصود، هنا، شخصية سعاده/ الزعيم، واعتبرت، من ناحية أخرى، أن المقارنة بين زعامة سعاده وزعامة الأحزاب الفاشية مقارنة ظالمة في بعض جوانبها، فضلاً عن أنها لعبة خصوم الحزب الذين اتهموا سعاده بالتفرد والفوهرورية، وأنت محق في ذلك. وقد أثار سعاده نفسه هذه المسألة، في أكثر من مناسبة وفي أكثر من مقال، في صيغة سؤال: «لماذا هذه السلطة غير المحدودة للزعيم؟». ويكفي أن أشير، هنا، إلى مقالين له: الأول بعنوان: «سلطة الزعيم» (الزوبعة، العدد 15، 1941) والثاني بعنوان: «ضمان سلامة الحزب السوري القومي» (الزوبعة، العدد 16، 1941). وقد ردّ فيهما الاتهامات الموجّهة إلى سلطة الزعامة التي يمثل إلى صحف وإعلام الدعاية «الديموقراطية» ضد هتلر وموسوليني التي تلقفها خصومه «فهي ليست من عندياتهم، واقتصارهم عليها من غير أي تحليل لوضعية سياسية ـ اجتماعية معيّنة دليل قاطع على أنهم يرددونها ترديداً ميكانيكياً لا إعمال فكر فيه ولا روية، وعلى أنهم ليسوا على شيء من الدراسة في التاريخ السياسي وعلم الحقوق الدستورية». ويعزو سعاده إلى «السلطة غير المحدودة للزعيم» الضمان الوحيد لسلامة الحزب الذي لولا هذه السلطة «لكان الأرجح أن يتفكك الحزب، وإن بقيت العقيدة، من جراء المناورات التي قام بها أفراد جلبوا معهم إلى داخل الحزب أمراض النفسية الانحطاطية وحاولوا أن يحوّلوا الحزب إلى ميدان تتبارى فيه منافعهم الخصوصية وأهواؤهم». بالمناسبة، «الزعامة» كـ «الأمانة»، رتبة دستورية في الحزب، ولكنها لا تُمنح لغير سعاده بوصفه الشارع صاحب الدعوة إلى القومية السورية، وتوقف العمل فيها، دستورياً، باستشهاد سعاده، وتمسك القوميون بها، حتى اليوم، هو تعبير رمزي عن إيمانهم بسعاده، باعث النهضة القومية، ليس إلا!
وأما إشارتك إلى «سلطات واسعة للزعيم في دستور الحزب» وإلى «تنويه» سعاده أو أنصاره بـ«منجزاته»، الأمر الذي وجدته «محقاً» في مقارنة سعاده بالفاشيين، أقول أن هذه السلطات الواسعة نصّ عليها دستور الحزب وقبل بها الحزبيون ولم يعترضوا البتة عليها. أكثر من ذلك، لقد جعل سعاده نظام الحزب فردياً في الدرجة الأولى مركزياً متسلسلاً منعاً للفوضى في داخله واتقاء نشوء المنافسات والخصومات والتحزبات وغير ذلك من الأمراض السياسية والاجتماعية وتسهيلاً لتنمية فضائل النظام والواجب، وصرّح بذلك علانية ودافع باعتزاز عن رأيه، ولم يخالفه أحد من القوميين، باستثناء مجموعة من المثقفين المتأثرين بالدراسات الأكاديمية الغربية والمتحلقين حول شارل مالك، بوق السياسة الأميركية الليبرالية في المنطقة، أذكر منهم: فخري معلوف ويوسف الخال وغسان تويني وفايز صايغ. أضف إلى ذلك، أن سعاده هو ابن مرحلة ما بين الحربين العالميتين بكل ما تعني هذه العبارة من معاني. لقد تأسّس الحزب على مبدأ التعاقد بين سعاده وبين المقبلين على دعوته على أن يكون زعيم الحزب مدى حياته، وقد أدّى أمام ثلة من القوميين، في كوخه في الشوير، سنة 1935 قسم الزعامة الذي نصّ على أن يقف سعاده نفسه على أمته ووطنه سورية وأن يتولى زعامة الحزب ويستعمل سلطة الزعامة وقوتها وصلاحياتها فقط في سبيل فلاح الحزب وتحقيق قضيته (راجع مقدمة الدستور).


لقد تأسّس الحزب
على مبدأ التعاقد بين سعادة والمقبلين على دعوته

أما في مسألة تنويه سعاده بمنجزاته، فلا بدّ من التصريح، هنا، أن سعاده لم تكن تنقصه معرفة أو علم أو خبرة في التنظير أو التخطيط أو القيادة، مقارنة مع معاصريه من مفكرين وزعماء أحزاب، في بلادنا وفي العالم أيضاً، حتى يدّعي ما لا يملك أو يعرف، ويتباهى، متكبراً، بنفسه، مفاخراً بها، مفاخرة جوفاء، على الآخرين. كان سعاده، منذ ما قبل تأسيس الحزب حتى استشهاده، يخوض معارك فكرية وسياسية مع خصومه وخصوم الحركة القومية الاجتماعية، في الوطن والمغتربات، ما تطلّب منه التاكيد، دائماً، على ريادته، على أولئك الخصوم، في الإبداع الفكري وفي التنظيم السياسي، وقد كان، فعلاً، كذلك، باعتراف الخصوم قبل الأنصار.
في تعريفه للأمة السورية الذي وردت الإشارة إليه في مقالك، تميّز سعاده بأنه ضبط معنى المصطلح، بعد أن كان مطلقاً، في قاموس الآخرين، ويفتقر إلى التحديد والوضوح. لم يكن سعاده هو أول من قال: «سورية للسوريين»، فإن هذه العبارة التي تصدّرت المبدأ الأول من مبادئ الحزب الذي أسّس، كانت مستعملة، من قبل، من قِبل بعض الكتاب والأحزاب. ولكن الجزء الثاني: «السوريون أمة تامة» هو قول قيل لأول مرة في كتاب التعاليم القومية لسعاده. وقيمة الإنتاج، يقول سعاده، هي في هذا الجزء الثاني من العبارة الذي يعيّن بالضبط قيمة الجزء الأول ويعطيه اتجاهه الذي لا يمكن أن يعطيه إياه أي تأويل (المحاضرات العشر، ص 36 و37). من هنا، يجب أن نفهم ونتفهم استعادة سعاده لبعض كتاباته، من حين إلى آخر، ولكنه، في كل مرة يستعيد فكرة قالها أو مقالاً كتبه، كان يعيد الصياغة أو يتوسّع فيها، والأمثلة كثيرة ويكفي أن نشير، هنا، إلى مقال هام لسعاده نشره عام 1937 تحت عنوان: «شق الطريق لتحيا سورية» وعاد ونشره ثانية عام 1947 مجرياً تعديلاً جوهرياً فيه، بعد أن توصل إلى حقائق جديدة أوصلته إليها أبحاثه في ما يتعلق بالدولة العباسية وحدود سورية الجغرافية، من جهة الشرق (العراق).
أما في ما خصّ كتابه «نشوء الأمم» (1938)، فدلني على كتاب آخر، بالعربية، يشبهه حتى الآن! نعم، إنه الكتاب الثاني، من نوعه، في العربية بعد مقدمة ابن خلدون، وقد قال العلايلي كلاماً، بهذا المعنى، في كتابه «دستور العرب القومي» (1938) عندما قام بعرض الكتاب ونقده، فور صدوره. في كتاب «نشوء الأمم» حدّد سعاده مفهوم الوطن والأمة والقومية والدولة، فتعرّف الناس عندنا، لأول مرة، على هذه المفاهيم العلمية العصرية، فلم تعد الأمة تعني الملة الدينية أو مجرد العرق أو العنصر، بل أصبحت تعني المتحد الاجتماعي الأتمّ الذي هو الوطن القومي حيث تجري وحدة الحياة التي تتأسّس عليها وحدة المصالح ووحدة المصير. وأستطيع القول إن سعاده لو كُتب له أن يعيش، ككل الناس، حياة طبيعية ووجد، يوماً، نقصاً في كتابه أوتطوراً في العلوم الحديثة، لما تأخر لحظة في إجراء تعديل جديد على الكتاب، فسعاده عالم وكتابه استند إلى آخر النظريات العلمية في عصره. ولكن، لا يحق لأحد غيره أن يخطو خطوة كهذه.
مسألة أخرى أثرتها في مقالك هي مسألة السلالة والمزيج السلالي والخلوص الدموي والموقف من اليهود، متكئاً إلى كتاب « المحاضرات العشر» لسعاده الذي يرتكز، أصلاً، إلى كتاب «نشوء الأمم». في شرحه للمبدأ الرابع من مبادئ الحزب، يشدّد سعاده على أن المقصود من هذا المبدأ ليس ردّ الأمة السورية إلى أصل سلالي واحد معيّن، سامي أو آري، بل «إعطاء الواقع الذي هو النتيجة الأخيرة الحاصلة من تاريخ طويل يشمل جميع الشعوب التي نزلت هذه البلاد وقطنتها واحتكت فيها بعضها ببعض واتصلت وتمازجت منذ عهد أقوام العصر الحجري المتأخر». كل الأمم، تقول المدرسة العلمية، وسعاده من مؤيديها، هي خليط من سلالات متعددة، ومن عدة أقوام تاريخية. أما أفضلية خلوص الأصل ونقاوة السلالة على الامتزاج السلالي فقد قام الدليل على عكسه. ويستشهد سعاده بالنبوغ السوري وتفوّق السوريين، الذين هم خلاصة مزيج سلالي متجانس، على من جاورهم من الشعوب فهم الذين مدّنوا الإغريق ووضعوا أساس مدنية البحر المتوسط، كما يستشهد بالنبوغ الإغريقي (اليوناني) الذي تجلّى في أثينا المختلطة لا في اسبرطة الفخورة بأنسابها، المحافظة على صفاء دمها.
أما الموقف من اليهود، فمرده إلى طبيعة الهجرة اليهودية إلى سورية، فهذه الهجرة، على عكس غيرها من الهجرات التي عرفتها هذه البلاد، لا هي ذابت في المجتمع السوري، ولا الأمة استطاعت أن تهضمها مع أنه مرّ عليها الزمن الكافي لذلك، إنها هجرة خطرة لم تُهضم، في الماضي، ولا يمكن أن تُهضم، في المستقبل، إنها هجرة شعب تتضارب أهدافه مع المثل العليا السورية تضارباً جوهرياً.

كان سعادة، منذ ما قبل
تأسيس الحزب، يخوض معارك فكرية وسياسية مع خصومه

أما قولك، أن سعاده كان قاسياً في أحكامه على السكان الأصليين في القارة الأميركية، كما كان محقراً العنصر العربي، ومتأثراً في تناوله لتاريخ الإسلام، بالمستشرقين الغربيين، فأقول أنك تظلمه كثيراً، وسأحاول تسديد هذه النقاط: في كلامه عن الفوارق بين السلالات في الارتقاء والتمدن، يذكر أن بعض السلالات التي ضربت في الأودية الخصبة، كوادي النيل ووادي الفرات، أنشأت بما كان لها من الاستعداد مدنيات رفيعة، في حين أن سلالات أخرى نزلت أودية أميركة الخصبة ولكنها لم تستفد منها شيئاً، ويستثني طبعاً المكسيك حيث اكتشفت بقايا مدنية من نوع راق، إذ اخترع الأزتك كتابة خاصة، وأنشأوا دولة واسعة، وكانت لهم عادات العالم القديم كعادة الختان والمعمودية بالماء، وإمبراطورية الأنكا البيروانية التي قامت على الحرب وملوكها آلهة متحدّرة من الإله الشمس، ولكن ليس لشعبها كتابة. أما بالنسبة إلى العرب، فسعاده يصنفهم في خانة الشعوب الشقيقة للشعوب الثقافية كالسوريين والمصريين والأغريق. ولكن العرب لم يتمكنوا، لظروفهم الخاصة، من بلوغ مرتبة الدولة الثقافية التاريخية. أما العلاقة أو القرابة الدموية بين السوريين والعرب فقد قام عليها الدليل، يقول سعاده، ولكن من أخذ من الآخر أكثر؟ يُمكن أن يكون السوريون المستعربون أكثر في شبه الجزيرة من العرب الذين دخلوا سورية وتسرينوا. وإن كثيراً من العرب الذين دخلوا سورية بالفتح المحمدي هم عرب مستعربة أي أنهم سوريون في الأصل تحولوا إلى البداوة بعامل جفاف الأرض وقطنوا شبه الجزيرة واكتسبوا الطابع العربي الصحراوي. ويقول سعاده في محاضرة في النادي الفلسطيني في بيروت سنة 1933: «وهل يضيرنا أن يكون بعضنا عرباً، والعرب برهنوا بفتوحاتهم وما أدّوه للمدنية من خدمات على أنهم شعب له مزايا تمكنه من القيام بأعباء المدنية متى وجد في محيط صالح، فالعرب في الأندلس كانوا من أهم عوامل ترقية المدنية في العلوم وإطلاق حرية الفكر حتى أصبحت اللغة العربية لغة العلم في الشرق والغرب». أما عن نظرة الحزب إلى العالم العربي، فنحن حين نقول العالم العربي، أيها الصديق أسعد، نعني هذا العالم الذي يتكلم اللسان العربي ونحن منه. فسورية، حسب هذا التفسير، يمكن أن تكون إحدى الأمم العربية وتبقى أمة متميّزة بمجتمعها وتركيبها الإثني ونفسيتها وثقافتها ونظرتها إلى الحياة والكون والفن. أما النهضة العربية العامة التي تشمل كل الأقوام العربية لا يمكن أن تتحقق بالقضاء على المتحدات العربية الأربع (سورية، مصر، شبه الجزيرة، والمغرب العربي)، بل بنهوض هذه المتحدات القومية وقيام كل متحد بشؤون نهضته الخاصة، وحينئذ يصبح التعاون في كل ما هو من المصلحة المشتركة تعاوناً يحفظ لكل متحد قومي مثله (المحاضرات، ص 55 و56). فأين هذا التحقير للعرب والعنصر العربي في عقيدة سعاده؟
تقول في مقالك إن مكمن الخلل الأول في الحزب، على الرغم من السمات الإيجابية، يتمثل في التعاطي مع عقيدة الزعيم، فالحزب يحتاج إلى مراجعة كتابات سعاده (وبعضها كان كثير الركون إلى الكتابات الأكاديمية الغربية على ما تحمله من نفس استشراقي ومن منهجية غير علمية بمقياس العلوم الاجتماعية حالياً) وتضع كتاب «نشوء الأمم» على رأس قائمة الكتب المأمول مراجعتها، وذلك على غرار «القراءة الجديدة للمحاضرات العشر» التي قام بها إنعام رعد سنة 1976.
أعترف لك أنني عدت إلى كتاب «القراءة الجديدة»، بعد قراءتي لمقالك، فلم أجد فيه ما تعتقده تطويراً أو تعديلاً في عقيدة سعاده، فالكتاب مجرد شرح، بلغة السبعينيات، للأفكار المركزية التي تناولها سعاده في محاضراته سنة 1948، ليس إلا! صحيح أن بعضنا احتجّ على الكتاب، عند صدوره، وامتنع عن قراءته لاعتقاد هذا البعض أنه يمثل خروجاً على عقيدة سعاده، فقط لأن كاتبه هو إنعام رعد المتهم يومها بانحراف عقائدي ومترأس لتنظيم حزبي منشق، ولكنني لا أعتبره كتاباً ينتمي إلى كتابات الاستعراب والاستشراق التي شاعت فترة في أوساط الحزب، وأدعو إلى قرائته، اليوم.
أما بالنسبة إلى الكتابات الغربية والاستشراق، فسعاده كان يُحذر المثقفين السوريين من الوقوع فريسة هذه الكتابات، واتهم ما أسماها «المدرسة الإغريقية ـ الرومانية» وأتباعها من الكتاب والمؤرخين السوريين بتشويه الحقيقة الاجتماعية والنفسية للسوريين. فهم لم ينظروا إلى سورية من وجهة حقيقة الأمة وحقيقة الوطن، بل من وجهة النظر السياسية الأجنبية. والمصادر التاريخية الأجنبية، لا سيّما المصدران اليوناني والروماني، كانت تطلق المصطلحات السياسية بلا تحقيق للوضع الطبيعي والاجتماعي. إنها مصادر عدوة تاريخياً لسورية ولاتجاهها التاريخي. ولذلك كان سعاده، على الدوام، يدعو المقبلين من السوريين على الثقافة الغربية إلى التبصّر في مصادرها واتجاهاتها ومناهجها، وإعمال مبضع النقد فيها، منبهاً إلى ضرورة الحفاظ على مبدأ الاستقلال الفكري للأمة، فلا استقلال سياسياً أو اقتصادياً أو حقوقياً أو نفسياً، برأيه، إذا كانت البلاد خاضعة لثقافة أجنبية ولمقاييس فكرية غريبة عن طبيعتها ومزاجها وثقافتها الأصلية.
أما بالنسبة إلى مراجعه العلمية التي اعتمدها في كتاباته العلمية أو الفلسفية أو الاجتماعية، فمما لا شكّ فيه أنه اطلع على معظم الإنتاج العلمي الغربي، من مصادره الأصلية، لتمكنه من لغات العصر الرئيسية وإقامته الطويلة في المهجر الأميركي. وقد ذكر من بين المستشرقين الذين اهتموا بسورية إرنست رينان مرتين: مرة في محاضرة في النادي الفلسطيني سنة 1933 ذكر فيها، نقلاً عن مواطن سوري، هذه العبارة لرينان «إن الشعب الوحيد الذي يصحّ أن يقال عنه أنه خالص العنصر هو الشعب اليهودي، ومع ذلك فاليهود خليط من جميع الأمم». استشهد سعاده بهذه العبارة لرينان ليؤكد على نظريته (سعاده) في انتفاء الخلوص العرقي أو الدموي، حتى بين اليهود. واستشهد سعاده برينان، مرة ثانية، في كتاب«نشوء الأمم» سنة 1938 في تشديد الأخير على «المبدأ الروحي للأمة». أما المستشرقون الآخرون أمثال هنري لا مانس ورينيه دوسو فلم أعثر حتى على أسمائهم في مؤلفات سعاده، كما لم أعثر على كلمة «الاستشراق» و«المستشرقون» في فهرس المصطلحات في كتاباته كلها. أما تبني سعاده لنظرية التطور، خصوصاً في كتاب «نشوء الأمم» وتخصيصه الفصل الأول من الكتاب لعرض نظرية نشوء النوع البشري، فهي نظرية علمية حديثة آمن بها سعاده كما آمن بها والده من قبل ولا أعتقد أن اعتناقها يصبّ في خانة الدراسات الاستشراقية. أضف إلى ذلك أن قوى الانتداب الفرنسي - البريطاني في سورية وأعوانها من السوريين اتهموا سعاده بالشوفينية وكره الأجنبي لإيمانه بالاستقلال الفكري والسيادة القومية. سعاده لم يكن شوفينياً كما لم يكن متأثراً بالكتابات الأكاديمية الاستشراقية والشواهد كثيرة، ولكن لا يمكن عرضها، كلها، في هذه العجالة.
بكل محبّة.
* كاتب وأستاذ جامعي