تداهمنا في عالمنا العربي مشكلة حقيقية تمسّ العقل والفكر العربي، ألا وهي مشكلة المصطلحات التي تطرح من قبل المثقفين والإعلام العربي مثل الاستشراق أو التغريب أو الأدلجة الإسلامية أو السنية أو الشيعية أو الإباضية أو المذاهب والديانات. فنرى الإنسان العربي يدور في فلك هذه المصطلحات ما يؤدي إلى تأطير العقل وتحجيمه. فحواراتنا السياسية والفكرية تدور في حلقة مفرغة حول هذه المبررات والمصطلحات، وبات من الضروري أن نحرر هذه المصطلحات والتعامل معها على أنها أداة للتعريف وليست لتقييد العقل.


فمصطلح التغريب على سبيل المثال أيّ العولمة، غزا العالم العربي والإسلامي بلا ضوابط. مع الإشارة إلى أن الغزو الثقافي قد يكون إيجابياً وقد يكون سلبياً، فمن الجيد الانفتاح على الآخر. ولا ننكر أن الغرب قدم حضارة وله تاريخ، ولكن يجب أن لا نغفل أننا نحن أيضاً أهل الحضارات وأهل العمق التاريخي، ولكن فشلنا بقراءة واقعنا وتاريخنا الذي نقرأه بشكلٍ مغلوط. فأصبحنا أمة عاجزة عن إنتاج المعرفة وعاجزة عن إنتاج المصطلحات الجديدة وعاجزة عن إنتاج أي فكر جديد.
فبداية تحرير العقل هي أن نتساءل وأن نطرح ونناقش قضايا فكرية وأن نوجه النقد للفكر للموروث، وليس بقصد التشفي بل بقصد التصحيح. لكن المشكلة وخاصةً عند النخب أنها تؤطر العقول ولا تخرج بحلول. فلا بأس بالتزاوج الفكري وأن نتأثر بالغرب لكن ما يجري هو نوع من الانبهار الذي يقود إلى الاندثار وقبل ذلك الانصهار مع الآخر الذي يقود العقل إلى الاندثار. فأين العقل العربي؟ وهذه مشكلة الحداثيين والعلمانيين وغلاة الليبراليين الذين يسوقون الأفكار ويريدون أن يمحو الهوية العربية والإسلامية.
وهنا أتوجه إلى الفرد العربي، لنقول: إذا أنت تغربت بهذا الشكل فأنت تمحو هويتك بيديك. وهذه مشكلة التغريب لذا نحن نحتاج إلى التوازن في قضية التغريب.
أما قضية الاستشراق في عالمنا العربي فهذا حديث آخر، فهي قضية قديمة جديدة وهي من أزمات العقل العربي والأكاديمي العربي والمثقف العربي الذي لا يزال يتداول المصطلحات الغربية كمصطلح الاستشراق أو الحداثة أو العلمانية أو الليبرالية أو أي مصطلح من المصطلحات. فكل من يكتب عن الاستشراق مع أو ضد هو يدافع عن المصطلح وهو حبيس المصطلح ومرتهن لهذا المصطلح وكل ما يدور في فلك التبرير.
فالاستشراق تصنف حركة تنويرية، لكنها في الواقع هدفت إلى دراسة حالة أهل المشرق، من خلال أناس من الغرب سموا أنفسهم باسم المستشرقين، تعلموا لسان العرب وفكر العرب واستراتيجية العرب وثقافة العرب ودياناتهم ودرسوا كل شيء حتى القرآن الكريم. وهم في الأساس حركة تبشيرية تزامنت مع الاستعمار في القرن 18 والقرن 19.


عندما غادرنا الاستعمار
كان على ثقة بأنه ترك وراءه
عقولاً عربية معطلة

فالاستعمار لم يغادر إلا بعد أن فهم العقل العربي ودمره وبعدما خلّف وراءه التخلف في عالمنا العربي، عقول لا تعمل معطلة وشباب متغرّب. وللأسف إن من يتباهى بالغرب نسي ماذا صنع الغرب في الجزائر وفي تونس وفي شبه الجزيرة العربية وفي كل مكان في العالم.
ونحن ماذا فعلنا؟ بدأنا حملة مضادة تدعو إلى التبشير الإسلامي، فهذا يبشر بمذهب وهذا بمذهب آخر، وضاعت الأمة في قضية التبشير. وكنت أتمنى أن أرى حملات تبشير للعدالة وللتسامح والحب وحملات تبشير لإعادة الإنسان لحقيقة الإنسان.
عندما غادرنا الاستعمار كان على ثقة بأنه ترك وراءه عقولاً عربية معطلة. غادر وترك وكلاءه في عالمنا العربي من أبناء الأمة الذين لم يقرأو تاريخنا. غادرنا بعد أن زرع الكيان الصهيوني في قلب العالم العربي والإسلامي.
المستشرقون نشروا الأكاذيب ودسوا السم في بعض الأفكار ودسوا السم في العسل، حيث طرحوا الشبهات حول الإسلام وحول النبي صلى الله عليه وسلم. وبدأوا ينبشون في التاريخ وفي قضايا السنة والشيعة وبطرح الشكوك حول كتاب الله.
أرادوا أن ينسفوا القلب الحقيقي النابض للأمة العربية وأيضاً المسيحية الشرقية، هم استهدفوا الإسلام والمسيحية الشرقية التي تنسجم بروحها مع العروبة وتنسجم مع روح الإسلام. هذا ما أرادوه في البداية لذلك بدأت حملات الاستشراق بالتشويش بقضية الصحابة وما وقع بين الصحابة وما حدث بين المسلمين، ومع الأسف انبهر المسلمون في تلك الحقبة في بداية القرن العشرين بهذه الحملات. ووقع كبار علمائنا في هذا الفخ مثل الدكتور طه حسين والدكتور علي الوردي والدكتور علي شريعتي. وعلى الرغم من ذلك لا ننكر أبداً أن المستشرقين أعطونا المفاتيح الأولى في قضية التساؤل والعقل والمنهجية العلمية، ولكن البعض يشكك ويصدر التهم أن طه حسين عميل للغرب عميل للكنيسة، وكل هذه تهم. فالدكتور طه حسين كان عبقرياً ألمعياً كان يريد فتح الطريق. ولكن المدرسة التقليدية لا تؤمن بالعقل والتفكير، هذه حال الأمة أنتجت لنا متخلفين في عالمنا العربي والإسلامي.
لو تأملنا في قضية المستشرقين، وماذا صنع الاستشراق؟ فهو مهّد وعبّد الطريق للكيان الصهيوني، وقدم كل الحيثيات والمعلومات والبيانات، عرفوا الأرض عرفوا الجغرافيا. كحالة «داعش» اليوم، هذا الفكر السلفي الوهابي عندما جاء إلى العراق وسوريا فهو ينفذ أجندة غربية بحثية أجندة أميركية بريطانية استخباراتية. يريدون أن يفرقوا الجغرافيا في العراق وسوريا من المكون الأساسي المسيحي الشرقي والمسلم الشرقي. دمرونا باسم الاستشراق.
عندما هُزمنا في 67، هل قمنا بدراسة النتائج والأسباب؟ أين الدراسة الحقيقة؟ أين الجغرافيا؟ وأين الأرض؟ أين علماؤنا؟ ماذا درسوا؟ وبماذا استفادوا من الغرب ومن الفكر الغربي الاستعماري وأدواته؟ للأسف النكسة كانت على العقل العربي وليست على الجيوش.
ومع انطلاقة المقاومة في عاصمة المقاومة في بيروت، وبدأ النضال الحقيقي، نضال الكلمة ونضال السلاح ونضال الجامعات بعد نكسة 67، ضربوا المقاومة وأثقلوا لبنان بالحروب ما أدى إلى إجهاض روح النضال والقومية العربية وعملوا على ترهيبها وفرقوها.
ويحضر اليوم الاستشراق مجدداً مع الغزو الأميركي ومع الربيع الأميركي. يريدون قتل الهوية العربية والشخصية العربية والإسلام وكل ما هو مقدس وله صلة بالعربي يجب أن يكون مدنساً لتفتيت الأمة العربية.
ماذا يجب أن نفعل؟ نحتاج إلى أن نعود إلى الهوية وأن نتحاور مع الغرب. لا نحتاج إلى مستشرق ليكتب التاريخ، نحتاج إلى أن نكتب نحن وأن ندرس أحوالنا ومواطن الضعف لدينا. فالأمة العربية مستهدفة، يستهدفون كل إنسان ينادي بالوحدة العربية وتحرير فلسطين، فالأمة العربية حية لو كتبنا تاريخنا بأيدينا.
والعقل العربي كان منتجاً عندما كان العربي ينظر الى الأمام لا الى الخلف. لو اليوم في هذا الزمان نتطلع الى المستقبل وننسى الخلافات والصراعات وما وقع بين الصحابة ولا نلتفت الى التاريخ، يصبح العقل العربي منتجاً. فالعقل العربي يحتاج إلى الثقة، ولكن للأسف نحن لا نقبل الاختلاف ونريد ثقافة القطيع.
* كاتب كويتي