في مرحلة الستينيات، حظيت الأنظمة العسكرية العربية، وسياساتها الاشتراكية وإصلاحاتها الزراعية وعداؤها لإسرائيل والهيمنة، بدعمٍ من قطاعاتٍ واسعة من الشعب (وهو جزءٌ من التاريخ الذي تطمسه سرديّات المراجعة التي خرجت في مرحلة الهزيمة، وبعضها يحاول اليوم أن يشرح لك أنّ الملك فاروق أو نوري السّعيد كان، في أيامه، يمثّل الخيار الشعبي).


ولكن، بصرف النظر عن تأييد كثير من النّاس لهذه الأنظمة، أو أنّ السياسات الاشتراكية قد أفادت وخدمت الفقراء العرب، الّا أنّ هذه الطبقات العاملة لم تُشرك فعلياً في الحكم، ولم يتمّ تنظيمها ضمن مؤسسات وميليشيات ونقابات تعطيها صوتاً وقوّةً في المجتمع. هذا الإصلاح «من فوق»، يقول القادري، هو ما سمح بالإنقلاب «من فوق» ايضاً، وبسهولةٍ شديدة، حين أعلنت النّخب الحاكمة هزيمتها الايديولوجية، وتصالحت مع الهيمنة الغربية، وتخلّت عن الفقراء ومصالحهم وتحوّلت الى «طبقة تجارية» (بعض بقايا البرجوازية الاشتراكية من «الطبقة الوسيطة» التي ارتقت في ظلّ النظام الاشتراكي ونظّرت له وساهمت في ادارته ــ وبينهم مثقفون وعسكريون وموظّفون كبار ــ حاولوا مقاومة إصلاحات السادات في مصر ومعاهدة السّلام، وكانوا من أوّل الفئات التي تمّ قمعها وزجها في السجون).

الحرب كنشاط منتج

حالة الإفقار والتفتيت وانعدام العدالة التي تكرّست في العقود الماضية في منطقتنا تجد تعبيرها السياسي المباشر حالياً في حدثٍ مثل حرب اليمن، حيث تقوم أثرى دول العالم دخلاً (الامارات وقطر والسعودية) بضرب احد أفقر البلاد في العالم وحصاره وتجويعه بدعمٍ غربيّ مباشر. وأغلب حكومات المنطقة، من مصر الى المغرب الى الأردن والسودان، تؤيّد الحرب علناً وتشارك فيها، من دون أن تخشى أي ردّة فعلٍ من شعوبها. لهذا السّبب ايضاً، أصبحت الحكومات العربية قادرة على الانتظام، جهاراً، في أحلافٍ اقليمية مع اميركا واسرائيل وهي واثقة من أنّ مزيجاً من تكريس ثقافة الهزيمة بين النخب، وضعف الطبقات العاملة وعجزها، سيسمح لها بقيادة مجتمعاتها في سياساتٍ تؤدّي الى إضعافها واستعمارها وتدميرها. فكرة أنّك لو وضعت الانسان في سياقٍ معيّن وأمام محفّزات معيّنة، فأنت قادرٌ على دفعه للعمل ــ حرفيّاً ــ ضدّ مصلحته، هي جزءٌ أساسيّ من حجّة علي القادري. ما نراه اليوم في سوريا وليبيا والعراق هو دليلٌ على ذلك، والنّخب الحاكمة، حين أقرّت السياسات النيوليبرالية، كانت تسير في طريقٍ لن يؤدّي الّا الى تجويف المجتمع والاقتصاد، وتخريب البلاد الواقعة تحت حكمها حتّى تصل الى مرحلة الانهيار.
المشكلة هي أنّ «التّخريب» في منطقتنا من العالم ليس ضدّ المصلحة الامبرياليّة، بل على العكس تماماً. هذا الإقليم المفقر، الذي لا يملك دخلاً عالياً وقدرات انتاجيّة، ولا يريد منه الغرب الّا النّفط، هو أكثر «نفعاً» لرأس المال العالمي كميدان حربٍ وغزوات، ترفع الانفاق العسكري ومداخيل شركات السّلاح، وتضع الجيش الأميركي في قلب منطقةٍ حيويّة. حتّى النّفط، يكتب القادري، لا تأتي أهمّيته من قيمته المالية المباشرة أو من حصول اميركا على نفطٍ «أرخص»، بل باعتباره قطعةً من منظومة الهيمنة، تضمن سلطةً أميركية على اقتصادات اوروبا وآسيا، وتساهم في تكريس الدولار عملةً عالمية (من أهمّ الأمثولات التي تقدّمها مدرسة التبعيّة لنا هي دحض حجّة النخبوي العربي الذي يدعو لأن نصير «كوريا واليابان»، فالنظرية تشرح لماذا لا يمكن أن نصبح جميعاً «كوريا واليابان»، وأنّ أميركا لا تسعى للسيطرة على العالم من أجل تنمية دول الأطراف وتحويلها الى قوى صناعية، حتّى تجلس هي على الهامش). على عكس ما ادّعى المبرّرون لغزو العراق، فإنّ أميركا ــ حتّى في حالة الاحتلال المباشر و«صنع الدول» ــ لم تستعمر العراق حتّى تجعل منه دولةً مستقرّة ومزدهرة، بل إنّ مصلحتها هي في استمرار حالة الحرب والعنف، والدويلات المتناحرة، وهي قد صمّمت نظاماً يخدم هذا الهدف. الحال نفسه في سوريا، حيث يترواح الهدف الأميركي من الحرب ــ على حدّ قول القادري ــ بين تقسيم البلد وتحويله الى ميدان معركةٍ مستمرّة (وهو السيناريو الأفضل)، أو الإبقاء على دولةٍ إسميّة بلا قدرةٍ ولا سيادة (ويضيف الكاتب أنّ من تصوّر، في أيّ لحظةٍ خلال هذه الحرب، أنّ الدمار الفائق والمال الخليجي والإمارات المسلّحة والمخابرات الأجنبيّة ستوصل الى «ديمقراطية ثورية» من أيّ نوع في سوريا، يعيش في عالم الخيال). من هنا ايضاً، يجزم المؤلّف، لا تخاف اميركا من «داعش»، لا لأنها عاجزة عن انتاج مشروعٍ حديثٍ يصارع الهيمنة، بل لأنّها ضمانٌ لاستمرار العنف والنزاعات في المنطقة، والتدخلات الأميركية تحت شعار مكافحة الإرهاب.

سوريا و«الحرب القادمة»

في الستينيات، بنى البعث في سوريا أكثر النظم العربية راديكاليّة. تمّ تأميم أغلب القطاعات الاستراتيجية والمؤسسات الماليّة، أجري اصلاح زراعيّ موسّع، وتولّت الدّولة أمر الاستثمار في الصّناعة والتّحديث. في الوقت ذاته، تمّ حصر الاستيراد والتصدير بشكلٍ كامل (على الطريقة السوفياتية) في يد المؤسسات العامّة للحفاظ على قيمة العملة ومستوى المعيشة في الداخل. منذ أواخر السبعينيات، يشرح القادري، تمّ تفكيك هذا النظام تدريجيّاً، في الاقتصاد وفي السياسة: بعد خروج مصر من المواجهة مع اسرائيل، وتراجع المعسكر السوفياتي، اختطّ النظام السوري طريقاً يقوم على تحصيل الريوع «الجيوسياسية» من الأطراف الدوليّة والاقليمية المختلفة وتجنّب الحرب (عبر عملية «حساب مخاطر» معقّدة، يكتب القادري، وسوريا عملياً ــ منذ أواخر الثمانينات ــ مكشوفةٌ عسكرياً أمام أي هجومٍ غربيّ أو اسرائيلي). في الوقت نفسه، انسحبت الدّولة تدريجياً من المجتمع والمشروع التنموي، وتحالفت مع النخبة التجارية المدينية على حساب العمّال والمزارعين والقطاع العام، وابتدأت مسيرة تحرير العملة والاقتصاد. أوّل ضربةٍ على هذه الجبهة جاءت في أواسط الثمانينيات، يكتب القادري، حين بدأت أموال البرجوازيين السوريين بالخروج من البلد، في رزمٍ وصناديق وغالباً بالتعاون مع ضبّاط ومسؤولين في الدولة، ليتمّ تحويلها الى دولارات في البلاد المجاورة (وبخاصّة لبنان). هذه الطريقة المواربة لتحويل العملة أدّت الى فائضٍ في عرض الليرة السورية، فبدأ الصرّافون بطلب أسعارٍ أعلى للتحويل، فاضطرّ المصرف المركزي السوري الى التدخّل وشراء العملة للحفاظ على قيمتها. بمعنى آخر، لم يحدث أي تغييرٍ في الاستهلاك أو حاجات الاستيراد أو الطّلب الداخلي في سوريا، ولم يكن هناك أي سببٍ للضغط على العملة، ولكنّ العملة الوطنية اهتزّت، وحصل تضخّم دفع ثمنه المواطنون، ليذهب الفارق أرباحاً لأصحاب الأموال وشركائهم (لتوضيح حجم الأموال التي تمّ استخراجها وتهريبها من البلد في تلك المرحلة، يذكّر القادري بأنّ رفعت الأسد، حين خرج من سوريا، كان معه ما يكفي من أموالٍ لشراء محطّات فضائية ومصالح تجارية في اوروبا). مع توقّف الاستثمار في القطاع العام والصناعة، أدخل التضخّم في أواسط الثمانينيات سوريا في أزمة اقتصادية، يقول القادري، لم تخرج منها ابداً ــ النموّ ظلّ قريباً الى الصّفر حتى عام 2002، والنموّ المسجّل بعد ذلك يعود أساساً الى مدخول النفط، الذي لم يتمّ استثماره هو الآخر لتعزيز التنمية وتوسيع القاعدة الانتاجية، بل استخدم لدعم العملة واحتياطي المصرف المركزي، وبالتالي، مصالح التجار ورساميلهم. في جدولٍ يرد في الكتاب، يمكنك بسهولةٍ أن تلاحظ كيف ظلّت أسعار المواد الأساسية في سوريا ثابتةً تقريباً، أو ترتفع ببطء، منذ أوائل الستينيات وحتى الثمانينيات، ثمّ تبدأ الأسعار بالارتفاع عمودياً. بحلول عام 2007، حين تمّت إزالة آخر الحواجز الجمركية (وكانت العملة أصبحت قابلة للتحويل، وقد تمّ توحيد سعرها، وانشاء مصارف خاصّة) وصل التضخّم الى نسبةٍ تقارب العشرة في المئة باستمرار، وصولاً الى سنة 2011.
الخيانة الكبرى، يقول القادري، هي أنّ الطبقات العاملة والزراعية في سوريا، التي احتملت التقشّف والحصار والحرب من أجل أهدافٍ وطنية وقوميّة، هي التي تمّ التخلّي عنها ورميها الى الفقر. بعد أن حوّل التضخّم راتب الموظّف في القطاع العام الى «راتب فقر»، وهبط الانتاج الصناعي الى أقل من نصف قيمته في السبعينيات، أصبحت هناك ندرة في «الوظائف الجيّدة» في سوريا، مقابل ظهور الأثرياء الجدد والثروات التّجارية وانتشار الاستيراد (رأس المال الصناعي، يقول القادري، يصنع القيمة عبر تحويل المادّة، فيما التاجر والمصرف يربحان من التبادل، بمعنى آخر، فإنّ هذه الثروات ما هي الّا ضريبة تستخرج من الشعب واستهلاكه تحت مسمّى «الأرباح»). المشكلة الكبرى ليست هنا؛ المشكلة هي أنّ سوريا كانت في مرحلة تحتاج فيها الى التحضير للحرب وتوقّعها على الدّوام. يقتبس القادري غرامشي حين يقول إنّ من تهدّده الحرب هو أكثر من يحتاج الى أن تخترق الدّولة مفاصل المجتمع وأن تنظّم كلّ شيء فيه، وفي سوريا حصل العكس تماماً. انت لا يمكن أن تواجه غزواً غربياً أو حرباً اسرائيلية الّا انت كنت تملك طبقةً عاملة مسلّحة ومنظّمة ومكتفية، ومستعدّةٌ للقتال (حين قاتل الريفيون السوريّون الى جانب البعث، في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، وكانوا مستعدّين لخوض حربٍ أهلية من أجله، لم يكن ذلك لأسباب ايديولوجية أو وطنيّة فحسب، بل لأنّ النّظام كان يعني لهم شيئاً ماديّاً يستحقّ القتال لأجله: يوزّع عليهم الأراضي، ويرفع من دخلهم، ويشعرهم بأن الدولة لهم، ويضرب العائلات الاقطاعية التي استغلّتهم طويلاً...).
في المنطقة العربية، يجب أن تفهم أن «الحرب القادمة» هي آتية دوماً؛ بلدٌ كالعراق قضى أغلب تاريخه الحديث في حرب، فهل من المنطقي أن تبني سياساتك على أساس عهدٍ قادم من السّلام، كأنك في اوروبا؟ هذا ليس الّا شكلاً من الانتحار. الحكم السّوري تحالف مع المدينيين والتجار (الذين، بالمناسبة، لا يحملون السلاح عموماً ولا يقاتلون، وإن أيّدوك وأثروا بسببك) واعتقد أنه بالإمكان تجاهل الطبقات الشعبية وإخراجها من السياسة ــ في وقتٍ يقوم فيه التمويل الوهابي بملء أيّ فراغٍ ايديولوجي ــ فيما الحرب تقترب (أمّا عن الموقف السياسي من الحرب الدائرة اليوم، فتعليل القادري بسيط، رغم عدائه الواضح للنظام السوري وتقييمه شديد السلبية له: إن شئت أن تعتمد موقفاً أخلاقياً معيارياً بالمعنى الكانطي، يكتب القادري، فإنّ هذه حربٌ شرسة وبشعة والجميع يرتكب جرائم، فالأفضل ساعتها أن تأخذ خطوةً الى الوراء وأن تعارض النزاع بأكمله ولا تقف مع طرف؛ أمّا إن شئت تحديد المسؤول عن تسعير الحرب وتحويل سوريا الى أرض محروقة، فهو التدخّل الأميركي والخليجي وما يعتبره القادري «غزواً جهادياً» لسوريا، على غرار حرب أفغانستان).
مع علي القادري، يجب أن نتذكّر أنّنا أمام نصٍّ ماركسيّ بنيويّ كلاسيكيّ: الفاعل الأساسي في التّاريخ هو رأس المال، وإرادة الأفراد وافعالهم ثانويّةٌ الى حدّ بعيد. هو يعتبر أنّ مسار النيوليبرالية والاستسلام، الذي وصّفناه، لم يكن «اختيارياً»، وأنّ عوامل بنيويّة (من الهزائم العسكرية الى ضعف المنظومة الاشتراكية) كانت ستفرض «الانعطافة النيوليبرالية» بصرفغض النّظر عن هويّة الحاكم. كان من المستحيل منطقياً أن يخرج جناحٌ من النّخب في الثمانينيات ليطالب بمزيدٍ من الاشتراكية في السياق الايديولوجي والثقافي لذلك الزمن، ولو حصلت تلك التجربة، لكان من المستحيل أن تنجح. أغلب الأحداث التي شكّلت التاريخ السّوري الحديث، من الريع النفطي الى كامب دايفيد الى سقوط الاتحاد السوفياتي، كانت خارجيّة المنشأ وليس في يد النّظام تجاوزها أو تغييرها. حتّى لو قام الحكم في سوريا منذ الثمانينيات بإصلاحاتٍ أكثر «عدالة» وأقلّ فساداً، وتمّ توزيع جزء أكبر من الدّخل على العمّال، يجزم القادري، فإنّ النتيجة النهائية لم تكن ستختلف جذرياً، واميركا كانت ستوصل الحرب الى أبواب دمشق ما أن تلوح الفرصة.
هذه البنيوية «الجبرية» يطبّقها القادري ايضاً، بتشاؤم، على المستقبل، فهو يجد أن الطبقة العاملة العربية اليوم هي ضعيفة، مشتّتة، فقيرة وغير مسلّحة، ولن تتمكّن من صنع أو قيادة حركة تغييرٍ في هذه الظروف. انت لن تتمكن من مواجهة اميركا أو «حفر قبرها» في بلادك، فهي أقوى منك بكثير، وحتى لو تلقّت هزيمةً موضعية، فالامبراطورية لديها موارد كثيرة وهي ستعيد تشكيل نفوذها وتضربك في المستقبل. حتّى لو حقّقت استقلالك، وانت بلدٌ عربيّ صغيرٌ فقير، فإنّك لن تتمكن من بناء اقتصاد ناجحٍ في رقعتك الصغيرة من دون دمج مواردك مع محيطك. الأمل الوحيد، يحاجج القادري، هو في حصول تغييرات بنيوية على مستوى العالم، أو أن يضعف الصعود الصيني الهيمنة الأميركية ويفتح مساحاتٍ للمناورة، والمستقبل، عدا ذلك، لا يدعو الى الأمل. هذه الخلاصة الأخيرة هي من الأمور التي نختلف فيها مع الكاتب، وهو ممّا سنناقشه في الأجزاء القادمة (يتبع).